الاتحاد

دنيا

وفاء خازندار تصطاد الرموز الغاربة في الحكاية

الشارقة ـ إبراهيم الملا:
الزائر لمعرض وفاء خازندار الأخير في بيت الفنانين بالشارقة والذي عنونته بـ (خازنة الفرح) سوف يستعيد بلا شك مناخات الليالي الألف في الحكاية الناقصة أو المتوالدة في النقص حد الاستحالة وحد القطيعة مع الخواتيم والنهايات، إنها حكاية اللسان المقطوع والذاكرة المبتورة، لأن النقص أيضا بنيان لا ينهدّ ولا يتآكل ولا يُعَمِّر في الزوال أو الطلل، إنها رحلة من مجهول المكان إلى مجهول الزمان·
اشتط اللون في رحيله وتبدّده حتى صار شعرا وقصائد وغبارا من نثر وحكايا وترانيم، تزدحم لوحات (خازندار) بكائنات غرائبية وتعريشات نباتية وشخوص مسترسلة في الغفوة البتولية والطافحة بالزهد والغياب الأبيض في حلم مديد وسيّال وشفيف، وكأن هذه الشخوص أيقونات نائمة على الماء، ثمة أشكال بهيمية أيضا تتعلّى إلى مراتب آدمية، ورموز تتأنث بالخفر والنأي والاختباء·
كانت الحكاية هناك، وكانت مرصودة في رحابة القول وشيوع الكلام، لكن الرواة هاموا في اللوحة وغابوا في ضباب الهامش ونواحي الخرافة، ولم يعد للحكاية أصل، بل أجسام وأشباه وظلال، ومن هنا فإن لوحات (خازندار) تسترسل في الإبهام حد المجاهرة بالحلم والركون إليه كخلاص مشتمل على طمأنينة وحنو وقداسة، ولم يعد التجريد عندها موصولا باللون فقط، بل بالسمت والهيئة والملمح، لم تعد ثمة غنائية فضفاضة بل معالجات حسية لرموز مكثفة تتداول حضورها في كل لوحة، وكأن هذه الرموز (العقرب، الجراد، الحلزون، الحمامة) تتناوب في تشريح الحكاية لا في شرحها، وفي تغليب المتاهة على العلامة والغفوة على التيقن والتلاشي على المثول والتحقق والإنوجاد·
الغياب اللذيذ في البواطن
سألنا الفنانة (وفاء خازندار) أولا عن القيمة الفنية الإضافية لهذا المعرض مقارنة بتجاربها السابقة في التعامل مع أساليب التعبير من خلال اللوحة كتعويض إبداعي عن البدائل المجاورة مثل الشعر والقصة فقالت: 'أعتقد أن لهذا المعرض وقع استثنائي في مسار تجربتي التشكيلية، لأنه يجمع بين النص البصري والنص الكتابي، وهذه النصوص مفتوحة على التأويل لا على القطع والحسم، وللمتلقي أيضا دور هام في صياغة هذه العلاقة التبادلية المتفاوتة والمشرعة على الاحتمالات عند التحاور مع هذين النصين·
وبالنسبة لهذا المعرض بالذات فإنني حاولت من خلاله أن أركز على التراجيديا الأرضية والسماوية التي تتعانق وتتشابك فيها مصائر البشر مع مصائر النباتات والحيوانات فيما يشبه الملحمة الروائية الهائلة التي صاغتها الحكايات الشعبية والملاحم الإنسانية الخالدة مثل (ألف ليلة وليلة) و(الإلياذة) و(جحيم دانتي)·
لقد عملت على أبعاد عدة في هذا المعرض تراوحت بين البعد النفسي والبعد الموسيقي والبعد الشعري، وابتعدت عن الأبعاد الفيزيائية المتعلقة بالمنظور والبعد الثالث وتقنيات الظل والضوء·
ولكن الشغل الفني لا يخلو أيضا من الشروط التقنية، وهذه الشروط إن لم تكن ملزمة، إلا أنها تدخل في سياق تحديد هوية العمل وانتماءاته ومدارسه؟
أتفق معك، ولكن ما قصدته هو رغبتي في عدم إقحام الهم التقني في اللوحة على حساب الهم الذاتي والأحفوري الذي ينحاز للمفهوم والمحتوى أكثر من انحيازه للأدوات والأساليب، وفي لوحات هذا المعرض حاولت ألا أعيد تأسيس الركام والحطام الحياتي المعتاد والمكرر، بل سعيت لتجديد المعاني المفقودة والمغيبة قسرا من ذاكرتنا الجمالية والفنية، كما حاولت أن أعيد مسارات الوصل مع العوالم الفردوسية التي تسرح معنا في حالات الغفوة المتماوجة بين الحلم واليقظة، وبين الغفلة والانتباه، وحاولت الارتحال مع الشرود الهادئ للحظات التأمل والغياب اللذيذ في البواطن والأسئلة العميقة للوجود·
توليد مناخات مغايرة
وماذا عن الملصقات الشعرية المجاورة للوحات، هل وضعتها كشروح وإيضاحات لأسرار اللوحة أم حقولا إضافية للحوار الصامت بين فضاء الكتابة وفضاء اللون؟ وهل كانت عناوين النصوص هي عناوين اللوحات أيضا؟
هي عناوين افتراضية وليست وصفية جازمة، وكان الهدف من وجود القصائد بجانب اللوحات هو إضفاء البعد الروحي على النص، وتدريب العين على الارتحال المتناوب بين ظاهر اللوحة وباطن الكتابة، فالحواجز بين الحقول الإبداعية المختلفة هي حواجز وهمية وذهنية، وكسرها يحتاج إلى نوع من التجريب والمغامرة والتصادم والانهماك في توليد مناخات فنية مغايرة ومتجددة ولا نهائية، لم يكن النص المجاور للوحة منشغلا بإسناد وتعزيز المنتج البصري، بل أردته أن يتحول إلى كتلة هلامية وغيمية تتحرك في هواء المعرض وبين عين المتلقي ومخيلته·
ما هي الحلول الفنية التي لجأت إليها لتقريب الحس الحكائي والسردي في خطابك البصري المفترض مع المتلقي؟
لجأت في لوحاتي للموتيفات والزخرف الهندسي وتسطيح الجسد كي أبتعد عن تثبيت حكايات الشخوص وحبسها في اللوحة الواحدة، لقد حاولت خلق نوع من التواشج والتواتر والتسلسل بين اللوحات وبين ما تحتويها من رموز وشيفرات وإضاءات، كما أن القصد الإيحائي في كل لوحة كان مستقلا ونائيا بذاته عن اللوحة التي تليها، وهذا الحس الحكائي أتى بشكل عفوي ومن خلال التداعي الحر، تماما مثلما يقوم الشخص برواية قصة متوالدة في لحظة الروي ذاتها، ومن دون تأسيس مسبق للحبكة والتفاصيل والخاتمة·
من بين الرموز الكثيرة التي حفلت بها لوحاتك، كان هناك اهتمام خاص برموز بحرية ذات دلالات خاصة كالقوقعة والصدفة والحلزون، ما هي دلالات هذه الرموز بالنسبة لك كي تعطيه هذه المساحة وهذا التكرار الضمني والشكلي؟
ثيمة القوقعة لها مرجعية أثيرة لدي، وتنبهت أكثر لهذه الثيمة عندما قرأت كتاب(غاستون باشلار) المهم: (جماليات المكان)، خصوصا وأن رمز القوقعة يحيلك مباشرة لفكرة المأوى، وفكرة أن وجود الإنسان مرتبط بالعزلة الدافئة والحميمية التي تمنحها إياه البيوت الصغيرة في حجمها والكبيرة في وفادتها للأرواح، وكما يقول (باشلار): ' نحن نعيش كي نبني بيتا'، لذلك فإن في رمز (القوقعة) اختزال هائل لقيمة التوحد والتأمل والعبادة الداخلية المضاءة بألفتها وتوهجها اللطيف والبارد·

اقرأ أيضا