الاتحاد

دنيا

البلاستيك تلوث أبيض يشوه سقف العالم


إعداد - محمد الحلواجي:
'العصر البلاستيكي' أحد أبرز المسميات التي أطلقت على العصر الحديث، نظرا لشيوع مادة البلاستيك بشكل جارف في حياتنا، بدءاً من الأجهزة الالكترونية والألبسة وانتهاء بالأوعية الحافظة وأكياس النقل والتخزين والتسوق، ولم يتوقف تمدد البلاستيك عند حد من الحدود، على الرغم من كونه واحدا من أخطر الملوثات لكوكب الأرض، حيث يحتاج لعشرة قرون حتى يتحلل تماما، لهذا دق العلماء والخبراء في مختلف دول العالم أجراس الخطر واستنهضوا الهمم لإيجاد وسائل بديلة، والسؤال اليوم هو: هل التخلص من البلاستيك اللطيف عملية سهلة بعدما تغلغل في كل نواحي الحياة العصرية؟ هذا ما تجيب عنه السطور التالية، عبر رحلة سريعة للتعرف على أسباب هذه المادة الفريدة، وأغرب وجوه تأثيراتها التي جعلت البشرية تقف تجاهها حائرة·
لقد تم تصنيع البلاستيك منذ زمن طويل نسبيا، إلا أن انتشاره الطاغي بشكل مثير، بدأ مع ظهور الأكياس البلاستيكية منذ ستينيات القرن الماضي، وقد بدت في حينها فكرة رائعة، فهي خفيفة الوزن، وصناعتها لا تحتاج إلى طاقة عالية، لذلك انتشرت بصورة خيالية، حيث يستخدم المتسوقون على مستوى العالم عشرات المليارات من الأكياس البلاستيكية سنويا، فأستراليا البالغ عدد سكانها عشرين مليون نسمة تستهلك وحدها سبعة مليارات من الأكياس البلاستيكية سنويا على سبيل المثال· واليوم أصبح خطر الأكياس البلاستيكية أو ما بات يعرف 'بالتلوث الأبيض' واحدا من أكبر الأخطار التي تتهدد العالم، إذ يرى المعنيون بشؤون البيئة العالمية أن الأكياس البلاستيكية العادية قد تحتاج إلى ما يصل إلى ألف عام لتتحلل، رغم أن الجماعات الصناعية تجادل بأن الأكياس لا تشكل إلا نسبة ضئيلة من الفضلات في العالم·
غير أن المهتمين بشؤون البيئة يقولون إن المشكلة المتنامية التي يمثلها التلوث جراء الأكياس البلاستيكية لا يمكن تجاهلها بعد الآن، فحتى التلال النائية الواقعة تحت سفح جبال 'الهيمالايا' أصبحت مليئة بآلاف الأكياس المستعملة، وفي جنوب أفريقيا أصبحت منظرا معتادا مزعجا للعين، ويطلق عليها اسم 'زهرات الربيع المزروعة على جانب الطريق' وهو ما أدى إلى تنظيم حملة لإبادتها· كما قتلت تلك الأكياس أعدادا كبيرة من الأبقار التي تتجول حرة في شوارع الهند، جراء مضغ الأكياس التي تحتوي على بقايا طعام، بينما تنفق الآلاف من السلاحف والطيور والحيوانات البحرية الأخرى سنويا بعد تناولها ملايين الأكياس في محيطات العالم بطريق الخطأ اعتقادا منها أنها حبّار أو قنديل البحر·
أخطار مفزعة
لكن في حقيقة الأمر تسبب هذه الأكياس البلاستيكية التي يجري التخلص منها في كل مكان، أخطارا أكبر من التسبب في مقتل الحيوانات في مختلف أنحاء العالم، ففي بنجلاديش ينحى عليها باللائمة في سد قنوات الصرف الصحي في العاصمة 'دكا'، وهو ما يسهم في حدوث الفيضانات المميتة في البلاد ذات الأرض المنخفضة· لهذا حظرت الحكومة منذ ذلك الحين ملايين الأكياس البلاستيكية التي تستخدم يوميا في محاولة لتخفيف حدة المشكلة·
وفي الهند يقول 'تشاندرا بوشان' المدير المساعد بمركز العلوم والبيئة إن 'التخلص من الأكياس يسبب دمارا في المناطق الحضرية، فمن وجهة النظر البيئية، فان البلاستيك أنسب للمنتجات ذات العمر الطويل مثل خطوط الأنابيب'· أما الحكومة الأسترالية فقد طالبت المتاجر الكبيرة بتخفيض استخدام الأكياس البلاستيكية إلى النصف حتى العام الحالي ·2005 وإلى جانب بنجلاديش فرضت دول أخرى من بينها إيرلندا وتايوان حظرا أو ضرائب على هذه الأكياس· كما أن عشرات الدول الأخرى مثل فنلندا وفرنسا وبريطانيا والصين التي تكافح كميات هائلة من 'التلوث الأبيض' بذلت جهودا كبيرة لخفض عدد الأكياس المستخدمة والعثور على بدائل عملية ورخيصة الثمن·
نجاح ضريبة البدائل
مع تعاقب السنوات، ثبت نجاح فكرة فرض الضرائب والرسوم على استخدام الأكياس البلاستيكية، حيث تفرض أيرلندا رسما قدره خمسة عشر 'يوروسنت' على الكيس الواحد، ما أدى إلى انخفاض عدد الأكياس المستخدمة بنسبة 95%، وجمع ملايين الدولارات للحكومة لتنفقها على مشروعات بيئية·
وفي تايوان حيث تحصل معظم المتاجر على دولار تايواني واحد مقابل الكيس، انخفض الاستخدام بنسبة 80% بعد أن منعت المتاجر ومطاعم الوجبات السريعة والعاملين في مجال صناعة الأغذية والمشروبات تدريجيا من إعطاء أكياس للمستهلكين مجانا·
وفي بريطانيا حيث يستخدم المستهلكون ما يصل إلى 20 مليار كيس سنويا، تعطي المتاجر الكبرى للمستهلكين بدائل قابلة للتحلل بيولوجيا، فيما يفكر علماء أستراليون في استخدام بلاستيك طبيعي مصنوع من 'السكروز' أو الحبوب التي يمكن أن ينتهي بها الأمر على أكوام السماد· كما صنعت مؤسسة 'سيمفوني بلاستيك تكنولوجيز' البريطانية بديلا للأكياس البلاستيكية العادية، وذلك بإضافتها محسنا إلى 'البوليثيلين' يستمر بحالة جيدة لفترة طويلة، غير أنه يتحول إلى ماء وثاني أكسيد الكربون وتراب بعد تحلله·
حلقة مفرغة
إن الفائدة التي تعود من وراء تلك الإجراءات ستكون عالمية، فلدى أوروبا الكثير من مشاكل مخلفات البلاستيك، ويبذل الكثير من العمل في الاتحاد الأوربي لحل تلك المشكلة، وما يحدث اليوم سيكون بمثابة بداية تغيير كبير للغاية، لكن التكاليف العليا ستظل أيضا مشكلة بالنسبة لكثير من المنتجات القابلة للتحلل، حيث يقول المنتقدون لتلك البدائل، إن بعض المنتجات البديلة تتحول إلى مئات الرقائق التي يمكن أن تضر بالحياة البرية لنعود للدوران في حلقة مفرغة· ومع ذلك تستخدم بعض الدول أساليب جديدة، حيث تتطلع مدينة 'بنجالور' في جنوب الهند إلى استخدام خليط من 'البيتومين' واللدائن المعاد تدويرها في إقامة الطرق· غير أن التوعية البسيطة للمستهلكين هي واحدة من بين أكثر الطرق فاعلية، حيث تفيد المتاجر الكبيرة في أستراليا بحدوث ارتفاع كبير في مبيعات الحقائب المصنوعة من القماش، إذ بدأت حملة لحث الزبائن على التخلي عن استخدام الأكياس البلاستيكية في تحقيق شعبية·
أما بالنسبة للمصنعين الغربيين للأكياس البلاستيكية، فمن غير المدهش مطلقا أن يكون رد الفعل الجماعي تجاه منتجاتهم خطيرا ومقلقا، إذ يقع كثيرون منهم تحت وطأة ضغوط بسبب الواردات رخيصة الثمن من آسيا، حيث يتحول المستهلكون من الحقائب الرقيقة المصنوعة من 'البولي إيثيلين' ذات الاستخدام الواحد، إلى البدائل المصنوعة من الورق أو البلاستيك المقوى وما إلى ذلك· وفي هذا الصدد تؤكد 'جمعية صناعات البلاستيك والكيماويات': إن إحدى الشركات الأسترالية التي تصنع الأكياس البلاستيكية اضطرت إلى تسريح بعض العاملين بها كنتيجة مباشرة· في حين يعلق 'إكسيل كيستينماخر' مدير الشؤون البيئية بشركة 'بلاستيكس يوروب' بقوله: 'إن حظر استخدام جزء من طوفان الفضلات، لن يحل مشكلة القمامة، حينذاك سيتم العثور على بديل وسط تيار الفضلات· إذا كانت الأكياس بلاستيكية اليوم فستكون ورقية غدا'·

اقرأ أيضا