الاتحاد

دنيا

أليساندرو ديركولا: شخصية زايد بهرتني

روما - منار محمد:
في صالة خاصة بمدينة 'كالكتا' الأثرية القريبة من روما كان موعدي مع معرض نظمته جماعة الفن الإيطالي الحديث كافتتاح للموسم الشتوي، وهناك وكالعادة تجمهر العشرات حول أعمال الفنان الكبير أليساندرو ديركولا، أو ملك الحديد كما يطلقون عليه، قدمتني صديقة مشتركة إليه، وما أن علم بأنني عربية حتى دعاني إلى زيارة مرسمه لمشاهدة لوحته عن الشيخ زايد، فاجأني الخبر، ولوهلة تصورت أنها لوحة تم تنفيذها بتكليف من دولة الإمارات أو أحد رعاياها، لكنه ابتسم قائلاً: لا هذه لوحة استلهمتها مباشرة مما قرأته عن دولة الإمارات، وتجربة الشيخ زايد الرائدة، ثم أردف: شاهدي اللوحة أولاً ثم نتحدث·
في الخامسة من مساء اليوم التالي كنت برفقة المصور في مرسم أليساندرو ديركولا نقف مبهورين أمام اللوحة التي يزيد ارتفاعها عن مئة وعشرة سنتيمترات ويقارب عرضها تسعين سنتيمتراً، صفائح الحديد السميكة تم تطويعها لتعانق الألوان وخامات أخرى في تحد حقيقي لقدرة الإنسان على التعامل مع الطبيعة، وفوق هذا الخليط طغى حضور ملامح الشيخ زايد على الخامات الصلبة والقوية، وبينما كان المصور يعمل آلة التصوير دار بيننا الحوار التالي:
هل زرت الإمارات من قبل؟
لا، وأتمنى أن أجد الوقت قريباً للقيام بهذه الزيارة، لكن لي أصدقاء كثيرين قد زاروها، وقد سمعت الكثير عن الحياة هناك، كما أنني قرأت عدداً من المقالات، واطلعت على معلومات تفصيلية عنها من خلال الإنترنت، قبل أن أشرع في لوحة الشيخ زايد·
صورة الإمارات
هذه المرة الأولى التي تتوجه فيها بأعمالك نحو العالم العربي، فلماذا؟
إن فكرتنا في الغرب عن الثقافة العربية مستوحاة من التراث الاستشراقي الذي يختصر العالم العربي والشرق عموماً في الإطار الفلكلوري، ولكن التغيرات السياسية التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة قد أظهرت أن الواقع العربي مختلف تماماً عما كنا نعتقد، فهناك حراك فكري وثقافي، ونهضة ملموسة في مختلف الميادين، ودولة الإمارات لها دور أساسي في تنبيهنا إلى صورة هذا الواقع الذي لا نعرفه، وأعتقد أن التوجه السياحي للإمارات هو العامل الأهم في هذا المجال، فقد اعتدنا كإيطاليين زيارة بعض البلدان العربية كمصر وتونس والمغرب، وهذه بلدان فضلاً عن أنها تعاني بعض المشكلات الاقتصادية فهي تحتفظ برصيدها الثقافي في الداخل، وبشكل ما بعيداً عن الشواطئ الجديدة المخصصة للسياح الأجانب، ونتيجة عشقنا كإيطاليين لسياحة الشواطئ فنحن عندما نزور تلك البلدان نعود دون صورة واقعية عن ثقافتها، بل نحتفظ بصورة من الخارج، وفي بعض الأحيان مشوهة بسبب بعض انعكاسات المشكلات الاقتصادية في تلك البلدان، أما الإمارات فهي بلد جديد ومتقدم، وله صورة حديثة وإيجابية جداً، وهذه الصورة مرتبطة تماماً بالشواطئ الرائعة التي بدأت في جذب السياح الأوروبيين، لذلك فالكثير منا اليوم يعرف ما هي الإمارات، ويحكي عنها لأصدقائه قصصاً رائعة·
نعود إلى لوحتك، لماذا اختيار الشيخ زايد بالذات؟
أولاً نهضة الإمارات أساسية في تغيير نظرتنا للواقع العربي، وهي ذات خصوصية استثنائية كونها تمت في فترة قصيرة نسبياً، وعندما قرأت عن شخصية الشيخ زايد، وعلمت أنه كان وراء هذه النهضة، ووراء عملية بناء الدولة وتحديثها، كل ذلك جعلني مبهوراً بشخصيته، وخاصة أنه قاد بلده، ووفر لها سلاماً واستقراراً في منطقة مضطربة، تعرضت للكثير من العواصف والأحداث الجسام خلال فترة حكمه، لذا قررت أن أنفذ هذه اللوحة تخليداً لذكراه·
هذا الخلط في الخامات، هل هو ضرورة تقنية أم اختيار فني؟
في الواقع لا يمكن الفصل بين الجانبين، فهو من ناحية ضرورة أو فلنقل اختيار أفضل من الناحية التقنية، حيث يوفر إحساساً مختلفاً، والذي يصعب الحصول عليه من الحديد بمفرده، وهو أيضاً اختيار فني جمالي، وهنا لا بد أن أعترف أن هذا الخلط بين الخامات في البورتريه هو اختيار منقول عن الفن الفرعوني، حيث كان المصريون القدماء يلجأون لخامات مضافة إلى الخامة الأصلية كما في قناع توت عنخ آمون، وتمثال رأس كليوباترا، وهو ما تكرر بعد ذلك في بعض أعمال الحضارة الإسلامية، لذا فهو اختيار مناسب عندما نكون بصدد لوحة عن زعيم عربي·
صمود
تعتمد في عملك على الحديد فماذا يمثل بالنسبة لك؟
الحديد يمثل بالنسبة لي التحدي الإنساني للفناء، فهو من ناحية خامة قوية تستطيع الصمود، وإبراز الرغبة في البقاء، ولكنها من ناحية أخرى مهددة بالصدأ إذا لم نوفر لها الحماية الكافية، تماماً كما الإنسان، لذا فأنا أشعر بأنها أقدر في التعبير عن المشاعر الإنسانية المتعلقة بتحدي الفناء، والطموح إلى الخلود·
إذن لماذا لا تلجأ للصب كما يفعل الكثيرون، لماذا التعامل على البارد مع ألواح الحديد، رغم صعوبة ذلك؟
هذا يشعرني شخصياً بالمشاركة في التحدي الإنساني الذي تحدثت عنه، فهذه الطريقة تجعل العمل أكثر التصاقاً بي، وبمشاعري المباشرة أثناء العمل·
هل يمكننا القول إنك فنان حديث يحن إلى الرومانسية؟
نعم يمكن قول ذلك، فأنا رومانسي من حيث الأفكار، ولي أعمال نحتية عديدة ذات محتوى رومانسي، كما في تمثال البهلوان، أو الجوكر كما يفضل البعض تسميته· كما أن رغبتي في تخليد الحديد في حد ذاته من خلال استخدامه في عمل مجوهرات رمزية، هذا أيضاً تفكير رومانسي، لكن طبعاً أسلوب العمل يبدو حديثاً تماماً·
هل تنوي عرض هذه اللوحة قريباً؟
في الواقع هناك عرض من دار فنية في دبي من أجل هذه اللوحة، وأعتقد أنها يمكن أن تسافر قريباً إلى الإمارات العربية للعرض هناك ضمن مجموعة أعمال فنية أخرى، وهو ما أدعو له دائماً من خلال التجمعات الفنية المختلفة التي أشرف عليها أو أنتمي إليها، فأنا مؤمن بأن التبادل الفني والثقافي هو أوسع الأبواب للتعرف على الآخرين وفهم ثقافتهم، ومن ثم فتح الطريق للحوار معهم، وهو ما نحن بحاجة إليه هذه الأيام، سواء كأوروبيين أو كشرق أوسطيين·

اقرأ أيضا