الاتحاد

دنيا

البريد الإلكتروني يطيح بخادم الصحافة الجميل


إعداد ـ محمد الحلواجي:
خلال عقود طويلة من القرن الماضي، كانت لفظة 'الفاكس' مجهولة تماما لدى معظم الناس، نظرا لاقتصار استخدام تلك التقنية الرائعة على الصحف وأجهزة التلفزيون وكبريات الشركات التجارية لاحقا، وعندما بدأ الفاكس ينتشر عبر المكاتب التجارية والشركات، كان العملاء ينظرون بحيرة ودهشة لكلمة 'الفاكس' أو 'الفاكسميلي' وهي تذيل عناوين المراسلات للشركات المرموقة، بل كان الفاكس غريبا حتى على العاملين في الصحف العربية التي كانت تخصص موظفا للإشراف على ذلك الجهاز النفيس، قبل أن ينتشر في بيوت عامة الناس، حتى فقد دهشته اليوم وبدأ بالاحتضار تحت وطأة عجلات التقدم التكنولوجي التي لا ترحم· فما هي قصة هذا الخادم التكنولوجي الصامت؟
يعتبر الفاكس قديم وحديث تكنولوجياتنا المعاصرة، فقد لا يصدق أي من الناس اليوم أن آلات الفاكس أقدم من الهاتف! حيث يعود تاريخ أول براءة اختراع لآلة الفاكس إلى العام 1843م، وحينها لم تكن هذه الآلات تستخدم خطوط الهاتف طبعا، لعدم وجود الهواتف في ذلك الوقت أساسا، ومع أن الهدف كان من استخدامها هو ذاته الهدف الحالي، إلا أن التكنولوجيا المستخدمة آنذاك كانت مختلفة، وقد تم إرسال أول صورة بالفاكس عام 1914م في تقرير إخباري فرنسي، وبحلول عام 1924م، أضحت أجهزة الفاكس التي بدأت باهضة الثمن، جزءا اعتياديا من نشاط الصحف·· واليوم أضحى من المعروف أن تكنولوجيا الفاكس، عبارة عن تقنية يتم بواسطتها نقل الرسائل عبر خطوط الهاتف من خلال تحويل النصوص والحروف والصور إلى نسق من النقاط الصغيرة·
سحر البدايات
كان ذلك الجهاز الساحر يشق طريقه ببطء وثبات إلى سطوح المكاتب المرموقة، نظرا لثمنه الذي كان مرتفعا جدا، لذلك كان مجرد وجوده على سطح مكتب أي شركة، يعد مفخرة وسببا من أسباب الوجاهة والأهمية في عالم الأعمال، وقد كانت الصحف تخصص غرفة خاصة له، وموظفين مناوبين متخصصين في استخدامه، للحرص على سلامة إرسال واستقبال الرسائل العصرية، كانت بمثابة هدية عظيمة للصحف وكبار المراسلين الذين ينقلون أهم الأخبار السياسية والاقتصادية والرياضية في العالم، كان يختصر الجهد والوقت والنفقات، ومع أنه لم يأخذ طريقه للعالم العربي إلا متأخرا نسبيا، إلا أنه سرعان ما انتشر في الصحف العربية التي لا تزال تعتمد عليه اليوم، وبخاصة في الدول الفقيرة التي لم تدخل بعد غياهب شبكة الإنترنت، أما بالنسبة للصحف والشركات في الدول المتقدمة التي قطعت شوطا هائلا في العالم الرقمي، فقد أضحى جهاز الفاكس بالنسبة لها، مجرد جهاز ثانوي ينتمي لذكريات الزمن العتيق، حيث يقبع في المكاتب كتحفة تكنولوجية أثرية لا تتخذ في الغالب دورا أكثر من كونها ديكورا تجميليا للمكان، فقد بدأت أيام الفاكس في العد التنازلي تدريجيا، حين أخذ البريد الالكتروني يحتل موقعه في صدارة أجهزة نقل البيانات·
المخترع المجهول
رغم شيوع استخدام الفاكس بين الناس، إلا أن أحدا لا يكاد يعرف أن الفضل في اختراع الفاكس يعود إلى المخترع الأسكتلندي 'الكسندر باين' عام 1843م، فحتى ذلك الحين كانت خطوط التلغراف هي المسؤولة عن نقل البيانات،
وقبل ما يزيد على عقدين من وقتنا الحالي كان جهاز الفاكس الذي يعمل بالخط الهاتفي بحاجة إلى ست دقائق لإرسال صفحة واحدة وكان يستخدم ورقا حراريا تفوح منه رائحة كرائحة البلاستيك المحترق، وكان يتطلب من مستخدمه الاتصال بمستقبل الفاكس عبر سماعة الهاتف لإبلاغه بإرسال الفاكس للبدء بتسلمه، أما اليوم فإن أجهزة الفاكس التي تستخدم الورق العادي تكلف أقل من مئة دولار وأصبحت شائعة في المنازل، كما هو حالها في مكاتب العمل، ومع ذلك فإن أيام الفاكس باتت معدودة، خاصة مع إدراك الشركات والأفراد أن البريد الإلكتروني يقدم خدمات مشابهة من دون الحاجة إلى تكديس الأوراق التي يحتاجها الفاكس وكذلك فهو يقلل فواتير الهاتف إلى حد كبير ولا يستدعي ترك الموظفين لعملهم بين الحين والآخر لمعرفة ما إذا وصل فاكس أم لا؟ لقد وصلت مبيعات أجهزة الفاكس إلى قمتها عام ،2000 حيث بيع منها 14 مليون جهاز حول العالم كما يقول 'بيتر ديفيدسون' مالك مؤسسة 'ديفيدسون' للاستشارات في كاليفورنيا والتي تقوم برصد صناعة الفاكس، ويتوقع ديفيدسون أن مبيعات هذه الأجهزة ستنخفض لتصل إلى أقل من 13 مليون جهاز عام 2006م·
طوفان البريد الالكتروني
إن الانخفاض في عدد الصفحات المرسلة بالفاكس يبدو واضحا بشكل لا يمكن نكرانه، رغم الحاجة القائمة إليه، فما بين عام 1998 و2000م، انخفض عدد الصفحات بنسبة تفوق الخمسين بالمئة بالنسبة لمئة وسبعين مليون شخص من بين ثلاثمئة وخمسين مليون حول العالم، حيث يؤكد ديفيدسون: 'لقد تلاشى أولئك الناس الذين يرسلون صفحة واحدة لأنهم باتوا يستخدمون البريد الإلكتروني بدلا عن الفاكس، غير إن عالم الأعمال لا يزال يستخدم أجهزة الفاكس في إرسال الإشعارات وطلبات الشراء، وعلى ما يبدو فإن هذا العالم لن يغادر استخدام الفاكس بسرعة' ومع ذلك يشهد أحد فروع صناعة الفاكس نموا لا بأس به، فذلك النوع من الأجهزة الذي يوفر عدة ميزات في جهاز واحد، يعمل كماسح ضوئي وطابعة وفاكس إضافة إلى قيامه بإرسال نسخة من الوثيقة إلى الكومبيوتر لترفق مع البريد الإلكتروني إذا أراد المستخدم ذلك، ويبدو أن بيع هذا النوع من الأجهزة في تزايد، حيث يتوقع أن تصل مبيعات هذا النوع من الفاكسات متعددة الاستخدام ليصل إلى ثمانية ملايين ونصف المليون جهاز عام 2006م، وهي زيادة بنسبة عشرين بالمئة عن مبيعات عام 2001 التي بلغت 7 ملايين جهاز فقط·
حلول الأجهزة المدمجة
إن قدرات إرسال الفاكس التي تتمتع بها هذه الأجهزة ليست هي السبب الذي يدفع المستخدمين إلى اقتنائها، إذ يقول 'بول فونتين' مدير منتجات شركة 'هيوليت باكارد' العالمية: 'إن أجهزة الفاكس المتعددة الاستخدام التي ننتجها عبارة عن آلات طباعة مركزية، وإن إرسال الفاكس ليس سوى جزء من قابليات هذه الأجهزة التي بات بإمكانها الطباعة والاستنساخ'· فلا يزال الفاكس يتمتع بأهمية خاصة، بالرغم من أن البريد الإلكتروني أكثر سرعة وأقل كلفة وسهل التنصيب في كومبيوترات الموظفين، إلا أن المراسلة عبر الفاكس مازالت لها مزاياها، فأجهزة الفاكس أسهل في التشغيل وذات تكاليف تشغيلية أقل، ومن السهل إرسال وثائق بخط اليد من خلالها، مقارنة بعملية إرسال ذات الوثيقة عبر البريد الإلكتروني لأن ذلك يتطلب استخدام الماسح الضوئي 'السكنر' قبل إرسالها كمرفقات مع الرسالة، كما أن الفاكس يصل كورقة مطبوعة وهو شيء مهم بالنسبة لطلبات الشراء عبر المتاجر وذلك يسهل على صاحب المتجر حملها في متجره لجمع البضاعة التي طلبها الزبون فورا، كذلك فإن ورقة الفاكس الموقعة تقبل كوثيقة قانونية، فقد قرر الرئيس الأمريكي 'بيل كلينتون' قانونا للتوقيع الإلكتروني جعل من الوثيقة الموقعة إلكترونيا قانونية، كما هو حال الوثيقة الموقعة بالقلم، إذا ما وافق الطرفان على ذلك، وقد ظهرت مؤخرا نسخة حديثة من البرنامج المسمى 'أدوبي أكروبات' يمكن أن يصنع ملفات ذات نسق 'بي دي أف' قابلة للتوقيع إلكترونيا، مع قابلية إضافية لحماية التوقيع الشخصي بكلمة سر، وإذا ما تم تغيير الوثيقة فيما بعد بأي شكل من الأشكال، يظهر تحذير بعد اسم صاحب التوقيع· ومن المزايا الأخرى التي تحسب لصالح الفاكس هو كونه مؤرخا 'يحوي ختم تأريخ الإرسال' إضافة إلى وصوله بشكل فوري، وبالرغم من إمكانية تغيير الساعة والتاريخ في جهاز الفاكس، فإن سجلات شركات الهاتف لن تكذب في الفصل في هذه القضايا، أما وقت إرسال البريد الإلكتروني والنص المرسل فيمكن تغييرهما بسهولة، ونظرا لغرابة تصرف بعض الكومبيوترات الخادمة 'السيرفرز' (إذا جاز التعبير) فإن البريد الإلكتروني قد يصل بعد ساعات، أو حتى أياما أحيانا من تاريخ إرساله، وأحيانا لا يصل أبدا!
مشكلة أكوام الورق
للمستخدمين الأساسيين آراؤهم الهامة في قضية التنافس بين الفاكس والبريد الإلكتروني، إذ يقول 'ريتشارد روبن' الذي يعمل منتجا تلفزيونيا في نيويورك إنه أحد الذين كانوا يعتبرون الفاكس جزء مهما من حياتهم اليومية، فقد كان يستخدمه لاستلام الفاكسات التي تأتيه بالمئات عند قيامه بإنتاج برنامج واحد فقط، غير إنه منذ العام 2001م تحول نحو استخدام البريد الإلكتروني بعد أن لمس مزاياه ولذلك يقول 'إنني منذ ذلك الحين بدأت أطلب ممن يرسلون الفاكس لي أن يرسلوا ما يودونه عبر البريد الإلكتروني مستقبلا، لأنه يخلصني من أكوام الورق، على الأقل'، وقد كانت النتيجة أن توقفت أجهزة الفاكس عن تنبيهاتها بوصول فاكس، فيما بعد، مما جعله يدخر مبلغا يقدر بمئتين وخمسين ألف دولار كان يدفعها كأجور للموظفين المسئولين على تشغيل الفاكس والورق والاستنساخ وأجور المكالمات الهاتفية البعيدة المدى· أما ريك 'سيترون' فهو المحامي ورجل الأعمال في 'لوس آنجلوس' فقد كان يستخدم ثلاثة فاكسات في مكاتبه لمدة عشر سنوات، ولكنه يقول اليوم: 'شكرا للبريد الإلكتروني، فقد كنا نتلقى ستة فاكسات في الساعة وانخفض عددها الآن لتصبح ثلاثة في اليوم الواحد، كما أن فواتير مراسلاتنا انخفضت من ثماني مئة دولار في الشهر إلى مئة دولار'، فإذا لم يكن لدى أي شخص ما، بريد إلكتروني فإني لن أستطيع مراسلته لأنه ليس لدي الوقت الكافي لأقضي عشر دقائق في مكالمة عبر الهاتف مع عميل يتحدث عن أمور ليس لها علاقة بالعمل'، ومع ذلك فإن 'سيترون' لا يزال يلجأ إلى الفاكس عندما يتطلب الأمر وثيقة موقعة على الفور، وبمجرد تلقيه للتوقيع يقوم بمسحها عبر الماسح الضوئي 'سكنر' وينقلها إلى كومبيوتره ليرسلها إلى من يرغب كمرفقات عبر البريد الإلكتروني·
ألوان فاكس المستقبل
إن صناعة الفاكس على عكس صناعة الكمبيوترات المكتبية من غير المحتمل أن تعثر على مزايا وتقنيات جديدة تعيد إليها أمجادها السابقة حتى مع ظهور الفاكسات الليزرية ذات الذاكرة الذاتية العالية نسبيا، إذ يقول 'فونتين' مدير 'هيوليت باكارد': 'ليس لدينا الكثير لنطور به هذه الصناعة، وأقصى ما قد نقدر عليه هو إضافة مزايا ملحقة مثل جعلها ذات مزايا لاسلكية، فكل أجهزتنا المتعددة الأغراض من الفاكسات يمكنها إرسال فاكسات ملونة لكن جهاز فاكس الشخص المستقبل يجب أن يكون ملونا ليستلمها بالألوان'· أما 'موري كوفمان'، مالك مجموعة 'كوفمان الاستشارية' المتخصصة بصناعة الفاكسات بولاية تكسون الأمريكية فهو يقول: 'إن هذه الصناعة لن تجاري البريد الإلكتروني لأن سرعة بث الفاكس لن تزداد والناس لا يرغبون في إرسال فاكسات ملونة لأن الحبر مكلف'·

اقرأ أيضا