الاتحاد

دنيا

العيش المصري···لقمة ونعمة وقطع ووصل

القاهرة ـ حمدي أبوجليل:
الخبز عند المصريين يعني الحياة لذلك يسمونه العيش· فلا حياة لمن لا يجد العيش· والعمل في مصر يعني الرزق والقوت· والمصريون يقولون إنهم يعملون ليجدوا 'لقمة العيش'· ويقول الواحد منهم للتعبير عن تمسكه بعمله هذه 'لقمة عيشي وعيش عيالي' و'انا عايز وظيفة آكل منها لقمة عيش'· وعندما يخاف الرجل ممن يحرضونه على العصيان او التمرد يقول: 'يا عم سيبنا ناكل عيش يا عم متقطعش عيشنا'، ويضربون بالعيش مثلا للود والعلاقات القوية فيقولون 'احنا كلنا عيش وملح مع بعض'· والخبز وحده هو الذي يسد الرمق ويقتل ويقاوم الجوع· والمثل العامي المصري يقول: 'الجعان يحلم بسوق العيش'·
بل إن المصريين اتخذوا الخبز قسما ويمينا فيحلفون قائلين: 'وحياة العيش والملح' ويضعون ايديهم على رغيف الخبز حالفين: 'وحياة النعمة دي'·
و الخبز في مصر يرتدي اثواباً متعددة وفقاً لمناسبات تقديمه فهو البلدي او المصري على المائدة العادية اليومية وهو 'الفينو' الذي تكون له السيادة عندما تبدأ المدارس، وهو الكعك والغريبة في عيد الفطر، وهو المرحرح في عيد الاضحى، و'الفايش' للمسافرين الذين يودون حفظه لمدة طويلة من التلف، وهو عيش الرحمة عند زيارة الأموات·
الخبز في مصر أشكال وألوان لا حصر لها ولا عدد وأشهرها ما يسمونه 'العيش البلدي' الذي يخرج من الأفران المنتشرة بطول البلاد وعرضها ويقف الناس من أجله طوابير طويلة· الخبز البلدي هو ملك المائدة او سلطانها المتوج سواء أكانت المائدة للطبقة الفقيرة ام المتوسطة ام الغنية، أي أن العيش هو القاسم المشترك الأعظم على موائد المصريين باختلاف طبقاتهم· ومهما اختلفت أصناف الطعام على المائدة فإن الخبز هو الحاضر الذي لا يغيب·
غزا العيش البلدي الريف المصري بعد أن كان قاصراً على المدن فقط، وأصبح اهل الريف يشترون الخبز من الأفران الآلية ونصف الآلية مثل اهل المدن، ولم يعد سوى قليلين جداً يخبزون العيش في البيوت· وكان خبز البيوت ذا اشكال والوان مختلفة وله اسماء عديدة منها العيش 'الشمسي' الذي اشتهر به اهل الصعيد وسمي 'الشمسي' لأنه بعد عجنه وتشكيله، يترك على 'طراحات' من الطين الجاف في الشمس حتى 'يخمر'، ثم يزج به في الفرن البيتي لينضج تماماً، ويتم تقليبه في 'بلاطة الفرن' بأدوات ذات اسماء متعددة منها المغرفة والبشكور·
واسماء الخبز بلا نهاية ابتداء من الاسماء المصرية القديمة مثل الشمسي والبلدي الذي يطلق عليه اهل الريف العيش المصري، لانه كان خاصاً بأهل القاهرة زمان· والقاهرة عند اهل الريف تسمى مصر، كما يسمي السوريون دمشق الشام·
وهناك العيش 'المرحرح' الذي كان له في الماضي صناع مهرة من السيدات اللاتي يأتين الى بيوت الأغنياء في عيد الأضحى لصنع 'المرحرح' بأجر معلوم لاستخدام هذا العيش في فتة العيد او في مرق لحم العيد·
وبعض المناطق في مصر خاصة في الدلتا تطلق على العيش المرحرح 'البتاو' لكن 'البتاو' عند اهل الصعيد يطلق على نوع آخر من العيش المصنوع من الذرة الرفيعة، او الشامية او نبات الحلبة لذلك يسمون 'البتاو' طبقا للنبات المصنوع منه· فهذا 'بتاو ذرة' وهذا 'بتاو شامي' والاخر 'بتاو حلبة'·
وحصلت الأنواع الاجنبية من الخبز على الجنسية المصرية بسرعة كبيرة، فعرف المصريون خصوصا الطبقات الميسورة العيش 'الفينو' الذي يسميه عامة الناس في مصر العيش الافرنجي، لكنهم في السنوات الاخيرة ألفوا تسميته 'الفينو' كما عرفوا 'الكايزر' و'البتي بان' وغيرهما·
العيش الأسمر
وفي مصر ايضا ومنذ سنوات طويلة هناك الخبز الأسمر المصنوع من نخالة القمح او الردة وكان طعام الفقراء و علف حيوانات الأغنياء· ولكن في السنوات الأخيرة أصبح الخبز الأسمر ذا قيمة كبيرة عندما كثرت نصائح الاطباء بأنه صحي أكثر من الخبز الأبيض، وان الخبز المصنوع من النخالة او الردة يساعد على الهضم ويحافظ على المعدة ويقيها الأمراض· وبالتالي أصبح العيش الأسمر موضة او تقليعة منذ صرح الموسيقار الراحل محمد عبدالوهاب يوما بأنه يسف يوميا حفنة من النخالة او الردة ليحافظ على معدته وامعائه وانه ينفذ نصيحة طبية في هذا الشأن·
والعيش الأسمر يسمى الآن 'عيش السن' والسن اسم آخر لنخالة القمح او الردة ويباع بالكيلو في افران 'الفينو' الكبرى وفي محال الحلويات الشهيرة· ويقال إن الرئيس المصري الراحل انور السادات كان من عشاق 'عيش السن' وكان يفضل اكله مع الجبن القريش·
وعندما يختلط الخبز باللبن او العسل او السمن في مصر يحصل على اسماء واشكال اخرى، فيصبح الفطير المشلتت كما يطلقون عليه في القاهرة والدلتا، بينما يسميه اهل الصعيد المسفط او المصفط او المطبق·
وهناك العيش المقروص او المقرص الذي يصنع على هيئة قطع صغيرة للغاية ويخلط بالعسل او السكر ويسمى في الصعيد القرص· وهذا يختلف عن عيش الأقراص او القرص· فالقرص الأول بضم القاف وتسكين الراء والقرص الثاني بضم القاف وفتح الراء والنوع الثاني هو عيش فينو مدور يباع في الأفران الافرنجية او أفران الفينو·
كما يحصل الخبز المخلوط بمواد اخرى كاللبن والعسل والسمن على اسماء متعددة لا حصر لها· فهناك 'الفايش' وهو خبز مخلوط بالسمن واللبن ومواد اخرى على ان يكون مقرقشا او ناشفا· وهذا الفايش يسهل حفظة عدة شهور وهو وجبة دسمة جدا مع الشاي واللبن ويسمى في الصعيد والريف 'القرقوش او الهايش'· كما يصبح الخبز المصنوع من القمح انواعا اخرى من المأكولات مثل البسكويت والغريبة والبيتي فور والكعك المخلوط بالسكر ويسمى في الريف الكعك الناعم للتفرقة بينه وبين نوع آخر من الكعك تسمى الخشن·
والكعك الخشن هذا يسمى عيش الرحمة او قرص الرحمة او كعك الرحمة وهو بلا سكر ومخلوط بالسمن فقط، وسمي عيش الرحمة لأنه يوزع على المقابر عند زيارة الأموات الذين رحلوا حديثاً· ويقال انه يوزع 'رحمة ونور' على أرواحهم وهي عادة فرعونية·
صنع في مصر
والغريب أن 'العيش' ظل مصرياً في صنعه مئة في المئة رغم استيراد اسمائه او بعضها من الخارج ورغم الوجود العثماني في مصر على مدى قرون، ثم الاحتلال الانجليزي وقبله الفرنسي· لم تعرف مصر الخبز التركي أو الإنجليزي أو الفرنسي ربما لأن صُناع الخبز منذ الفراعنة كانوا دائما ومازالوا مصريين أباً عن جد· فلم يعمل أي أجنبي في صناعة الخبز في مصر رغم انها عرفت الساعاتي الأجنبي وصانع الأحذية الأجنبي، والطبيب الأجنبي ومعظم المهن عمل بها اجانب ما عدا مهنة الفران او صانع العيش·
وربما تعد مصر البلد الوحيد الذي يسمى فيه الخبز 'عيشا' وهناك بلاد عربية خليجية تسمى الأرز 'عيشا'· والأرز له قيمة كبيرة على مائدة اهل الدلتا في مصر· لكنه رغم ذلك لا يصل الى مكانة الخبز او العيش، بينما في الصعيد لا يعلو صوت فوق صوت العيش، ولا يحظى الأرز بمكانة تذكر على المائدة الصعيدية لأنه ليس محصولاً قبلياً، أي لا يزرع في الوجه القبلي بينما يزرع بكثافة في الوجه البحري· وهكذا فإن 'العيش' ضارب بجذوره في أعماق المحروسة، وهو الذي يحق له ان يقول بصدق وفخر: انا المصري كريم العنصرين· وما قاله الشاعر الكبير احمد شوقي عن التمر ينطبق في مصر على الخبز· فهو طعام الفقير وحلوى الغني وزاد المسافر والمغترب·
'العيش'···والأمن القومي
الخبز في مصر من المقدسات ومن أخطر الخطوط الحمراء التي لا يمكن تجاوزها· واللعب جائز في أسعار كل السلع ما عدا الخبز· والدولة تتحدث كثيراً عن دعم السلع الأساسية وكيفية وصول هذا الدعم الى مستحقيه وتتحدث عن ترشيد الدعم مرة والغائه مرة اخرى، ولكنها في كل مناسبة تؤكد بما يشبه القسم، انه لا مساس بدعم رغيف الخبز، بل هناك اتجاه لزيادة الدعم· ويبلغ الدعم السنوي لرغيف'العيش' المصري سبعة مليارات جنيه· ولا يزيد سعر الرغيف على خمسة قروش للخبز البلدي وعشرة ل'لفينو' أي الإفرنجي·
ويبدو ان الدعم السنوي للخبز المصري سيرتفع الى حوالي تسعة مليارات جنيه، لمواجهة الارتفاع العالمي لأسعار القمح· فهذا المحصول الاستراتيجي تضاعف ثمنه في السنوات الماضية، إلا أن سعر الخبز في مصر بقي على حاله لأن الدولة تعلم تماما ان المساس بأسعار الخبز يعني المساس بأمنها القومي· وكأن شرعية أي نظام في مصر مستمدة من رغيف الخبز· ولم تفلح أي إشارات او تلميحات او تصريحات حول ضرورة ترشيد استهلاك العيش البلدي في زحزحة الحكومة عن موقفها الداعم لرغيف الخبز، خاصة وأن البعض يقول إن العيش يستخدم كعلف للحيوانات والدواجن -خصوصا الخبز البلدي-·
وتقول الاحصاءات إن ثلاثة ارباع رغيف الخبز الذي يأكله المصري مستورد من الخارج وأن الربع المتبقي انتاج محلي· فمصر تنتج حوالي اربعة ملايين طن من القمح سنوياً بينما تستورد حوالي تسعة ملايين او أكثر· وقد تضاعفت فاتورة الاستيراد كثيراً في السنوات الماضية بسبب ارتفاع مستوى المعيشة وتحول معظم المصريين إلى خبز القمح بعد أن كان قسم كبير منهم يعتمد على خبز الذرة·
خبز 'الجراية'
كان العيش الأسمر او عيش السن في الماضي يسمى 'الجراية' وكانت هذه الجراية توزع على المجاورين ممن يدرسون في الازهر مع العدس والفول والجبن· وسميت 'الجراية' نظراً لأنها أجريت عليهم مجاناً وبلا مقابل من جانب إدارة الأزهر أو الميسورين من أهل البلاد· و'جراية' تعني مقرراً يومياً متكرراً من الطعام، ثم اقتصر الاسم على الخبز فقط· والجراية أيضا توزع على المساجين، وهي عبارة عن خبز أسمر وبعض الفول والعدس وغيرهما· لكن 'جراية' مجاوري الأزهر كانت صدقة أما 'جراية' المساجين فهي جزء من العقوبة·

اقرأ أيضا