الاتحاد

دنيا

خبز الإمارات···تنوع المواسم المختلفة

موزة خميس:
مثلما تنوعت بيئة الإمارات بين البحر والصحراء والجبل، وتعددت القبائل مابين البدو والحضر وأهل الحير- ويسمون أهل حيور-كان من الطبيعي ان يكون هناك تنوع في الأطعمة والمأكولات الشعبية، التي نجد ان منها ما هو محلي ومنها ماهو وافد، -دخل مع أهل فارس الذين قدموا للعمل منذ قديم الزمان بادئ الأمر- لتعقبها، لاحقا، العشرات من الوجبات الغذائية من مختلف الدول مع من وفدوا إلى الإمارات للعمل، حتى ليبدو ان هنالك 'مطبخا عالميا' لايوجد إلا هنا، بقدر ما رحبت هذه الأرض وأهلها· مثل سواهم من شعوب المنطقة، كان الخبز ضمن أهم الوجبات الغذائية لأهل الإمارات· فمن يستغني عن الخبز؟ ولربما امتلك خبز الإمارات ميزة قد لاتبدو مألوفة للجميع إلى حد ما، وهي ميزة التنوع: في مواده الخام، وأصنافه، ونكهاته العديدة· ورغم أن الكثير من الأسر الإماراتية في منتصف السبعينات وحتى منتصف الثمانينات، انبهرت بأصناف الخبز المستوردة من الدول العربية والأجنبية إلا أن تلك الموجة عادت للانحسار تدريجيا، وعادت الأسرة الإماراتية لصنع خبزها المنزلي من جديد، ولكن مع استخدام أحدث أنواع الأفران·
وقبل الخوض في حديث شهي بنكهة الينسون (السنوت) وبطعم القمح، نود أن نسترجع معا ذكرى من ساهم في تمسك الأسرة الإماراتية بالعادات الأصيلة وعدم التخلي عنها بعد ان قاد البلاد الى الحياة العصرية والحداثة والرخاء، وأقصد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله الذي لطالما أكد على أهمية التمسك بالنبيل الأصيل من القيم والموروث، مما ساهم في عودة الروح إلى هذا الموروث في كافة صوره·
لأهل الإمارات أنواع عديدة من الخبز، ومنها: خبز الرقاق، الخمير، المحلا، والجباب أو الكباب وقد سمي كذلك لأن عجينته سائلة وتكب على المخبز كبا، أي تراق على المخبز· ولغرض الوقوف على تفاصيل هذا الموضوع الأثير الى النفس، التقينا إحدى السيدات الخبيرات في صنع تلك الأنواع، مع انها اعترفت بانها لم تعد تعتبر اليوم عملة نادرة في صنع الخبز، حيث عادت معظم السيدات والنساء الشابات إلى صنع الخبز المنزلي من جديد بعد توفر كل المواد والأدوات التي تسهل عملية خبز الرغيف بأنواعه المختلفة·
حكاية رغيف إماراتي
وتبدأ حكاية الرغيف الإماراتي منذ كانت الزوجات والأمهات يخبزن على(الكوار) التنور وهو عبارة عن طبق دائري يشبه 'الطشت' المعدني الكبير يرتكز على أربعة قوائم، وكان يصنع من الخشب و توجد على حوافه الظاهرة من الخارج بعض النقوش المحفورة· وأحياناً يكون 'الكوار' مربع الشكل، ويتميز بأنه يملأ بكمية كبيرة من الرماد المعجون بالماء والذي يترك في الشمس حتى يجف فيصبح كالأسمنت، ليكون على هيئة حفرة في وسطه يوضع بها الجمر كي يوضع المخبز الذي يكون مصنوعا من الحديد الأسود، أو لوضع المقلاة أو القدور الصغيرة الحجم·
السيدة فاطمة عبيد عيسى أحمد أكملت قصة(الكوار) التنور فقالت:
كنا نخبز عليه-الكوار- ونحمص القهوة ونحضرها عليه ونصنع الحليب، ونطهو بعض الوجبات، وكان لنا ما يعرف بالتنور وهو مختلف عن الكوار، فهو يستخدم لشواء السمك· ولأننا نطبخ الأرز بكميات كبيرة عند الولائم، فقد كان التنور يعمل في حفرة خارج الغرف السعفية، أو المطبخ، فيما يكون الكوار داخل المطبخ لأنه يشعل بالجمر وليس بالحطب·
وكان الناس يعتمدون على خبز الرقاق في الصيف أكثر من الشتاء، ولكن لم تكن تلك قاعدة دائماً، حيث كنا نخرقها في بعض أيام الصيف لنصنع أنواع أخرى من الخبز·
ولكن كانت الغالبية العظمى من الناس تصنع الرقاق في الصيف أو في معظم أيامه، وكان يقدم في الصباح الباكر بجانب التمر والقهوة كإفطار، ويضع المقتدرون على وجه الخبز شيئا من السمن ليرش فوقه السكر ويتم تناوله مع القهوة· و كان يصنع بكمية وفيرة تكفي أهل المنزل ومن يأتون لزيارتهم في الصباح من الجيران·
الرقاق وخواصه
ويمكن لخبز الرقاق الاحتفاظ بخواصه لعدة أيام دون أن يفسد، حتى وإن أصبح جافا وتكسر· حيث يمكن أن يصب عليه اللبن الحامض فيصبح وجبة غداء أو عشاء، يفضلها أهل الإمارات سحورا في رمضان· وقد يؤكل يوميا، وهناك مجموعة من الروايات في السنة النبوية تقول إن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يفضل تناول هذه الوجبة· وهي مشبعة وتقي الجوع والعطش في رمضان بشرط أن يكون الخبز قليل الملح أو بدون ملح لأن اللبن في الغالب مالح·
وتكمل فاطمة: يعتبر الرقاق أيضا وجبة أساسية في رمضان، وأساساً لوجبة (الثريد) ويقال لها محليا (فريد) وهي وجبة قديمة منذ مئات السنين· ولكن قديما كانت تصنع بسكب المرق على الرقاق، ولم يكن ذلك المرق يتضمن إلا شيئا قليلا من اللحم أو ديكا صغيرا وبعض البصل المطبوخ بشيء من الكركم والكزبرة (الجلجلان)، ولم يكن يضاف لتلك المرقة الطماطم (لاصلصة ولا طازجة) ولا أنواع الخضروات كما يصنع الثريد اليوم· كما يتم تناول الرقاق في رمضان مع الزبادي(الروب) عند السحور ويعطي القوم الطاقة الكافية لصيام يومهم دون عطش أو مشقة مع حبات من التمر·
وأدخل البعض - من القادمين من إيران والذين أقاموا أفرانا تجارية - على الرقاق لمساتهم الخاصة إذ يضيفون الجبن والبيض، أو الجبن، والمشاوة (وهو خلاصة تخمير سمك السردين مع الملح وبعض البهار الخاص حيث يؤخذ السائل الناتج عن ذلك ليوضع على الخبز)· وقد يباع مع الجبن والبيض والمشاوة حيث يفرد كل ذلك على الوجه ويضاف السمن التجاري المعلب· ويستعمل الرقاق عند طبخ الذبائح المشوية التي تصنع على هيئة (غوزي) بالمكسرات والصلصة والبصل وتغطى كل ذبيحة (غوزي) مشوية بخبز الرقاق·
عجينة خبز الرقاق رخوة بعض الشيء تكال بواسطة اليد على شكل لقمة ثم تبسط على المخبز، ويسميه أهل القرى والحيور: (الطابي) بواسطة اليد أيضا، وتترك على النار حتى تجف الخبزة ثم تقش أو تقلع الخبزة بواسطة أداة هي عبارة عن يد مصنوعة من الحديد أو النحاس، وتستعمل أيضا لتحميص حبوب القهوة على النار (وتسمى محماس)· ولا تحتاج عجينة الرقاق لتخمير، ولكنها تترك دقائق لا تتجاوز 5 أو 10 لتستريح ثم تصنع منها الأرغفة، واليوم تبسط عجينة الرقاق بواسطة قطعة معدنية أو بلاستيكية·
خبز المحلى
خبز المحلى هو ذاته الرقاق ولكن يضاف له البيض والسمن· تكون العجينة رخوة إلى درجة معينة و تكال بواسطة الملعقة الكبيرة (تستعمل العلبة بعض الأحيان) وتبسط شيئاً فشيئاً على المخبز المدور، وتبسط بواسطة قطعة صغيرة من سعف النخيل قديما أو بواسطة أسفل الملعقة، ثم تقلب الخبزة ويوضع عليها شيء من مزيج البيض والسمن وهي على المخبز، وتؤكل في الصباح·
لم يكن المحلى يصنع بشكل يومي قديما لحاجته للسمن البلدي والبيض اللذين لم يكونا متوفرين لكل الناس· ولذلك كان يعتبر من خبز المناسبات السعيدة، كأن يكون هناك فرح، أو يكون اليوم هو يوم جمعة، أوعندما تحتفي النساء بمناسبة كعودة الزوج من السفر، أو جني محصول وفير، أو غيره من المناسبات·
وكانت المرأة تصنع المحلى فتدعو جاراتها وتضع إلى جانبه الكامي أو الرطب والبطيخ والشمام إن كان متوفراً، أو يقدم مع التمر والقهوة، ويعتبر من الوجبات الصباحية في الأساس ولكن قد يقدم عند العصر أيضا وهذا نادر·
خبز الجباب (الكباب)
لأن أهل الإمارات يقلبون أحيانا الكاف، في اللهجة العامية، وهذه لهجة قديمة في كثير من القبائل العربية نراهم يقولون 'جلب' بالجيم الفارسية ويقصدون 'كلب' ويقولون: يجب على وجهه جبا، ويريدون يكب على وجهه كبا، وهكذا· ومن هنا جاءت تسمية خبز جباب، وهي من الخبز الشتوي، وكان يعتبر غاليا في قديم الزمان لأنه يحتاج إلى بيض وكان الغالبية لا يملكون دواجن، فمن أين لهم بالبيض؟··· هكذا تقول فاطمة متسائلة، وتكمل: لكن الغالبية لم يكونوا يصنعون الجب بالبيض·
ويؤكل الجب في الصباح مغموسا بالسكر أو في الدبس -وهو عسل التمر-، ويصنع مخلوطا بالزعفران والهال (ويسميه العرب الحبهان والهيل) و كان يضاف اليه ماء الورد في بيوت المترفين· ولكن من فضل الله ونعمته أصبح الكل يخبز الجب بهذه الطريقة اليوم· ويصنع خبز الجب أو الكب من عجينة رخوة بعض الشيء تكال بواسطة علبة صغيرة، أو ملعقة، وتصب على مخبز أسود من الحديد ومقاسه وسط وهو مقعر بعض الشيء، فتتكور في الوسط ثم تبسط العجينة قبل أن تجف، ويجب أن يكون المخبز على نار هادئة· وعندما تجف الخبزة وتظهر منها فقاعات، تقلب على الوجه الآخر حتى يصبح لونها أصفر مائلا إلى الحمرة، وترفع ليتم وضع السمن والسكر عليها، أو بدون سكر إن كان سيتم تناولها مع الدبس·
خبز الخمير
وتستطرد فاطمة في حديثها عن الخبز في الإمارات قائلة: يعتبر خبز الخمير أفضل أنواع الخبز، وهو مثل الرقاق في المنزلة، وهو شعبي جداً، ويؤكل في كل المواسم ولكن يفضل أن يؤكل في الشتاء مع الدبس والسمن والبيض ليعطي حيوية وقوة· ويعتبر خبز الخمير وجبة غذائية كاملة لأنه يتكون من النشويات والبروتين والدهون· ويتم تناول الخمير في الصباح، ولكنه لا يحتفظ بخواصه بعد يومين حيث يبدأ في التفتت، بعكس الرقاق الذي يتكسر، ولذلك إن كان لدى أهل البيت كمية وفيرة منه ولم تفسد، فإنهم يفتونها ويسكبون عليها مرق السمك ليتم تناولها كعشاء وهي عادة قديمة جاءت نتيجة الحاجة والفقر· ولكن اليوم بعض الأسر تحن إلى تناول هذه الوجبة ولكن دون أن يكون عليها البيض· حيث أصبح الناس اليوم يتناولون الخمير مع المربيات والعسل والجبن، وأصبح له مخابز حديثة على هيئة (طنجرة- قدر) يعمل بالكهرباء، ويتم صنع خبز الخمير من عجينة من الدقيق الممزوج (مع مريس التمر)··· وهو عبارة عن ماء دافئ وقليل من التمر الذي يمرس في الماء· وكانت تخمر مع خميرة مصنوعة من بقايا عجينة قديمة تستعمل كخميرة، وتترك هذه العجينة من الليل وحتى صباح اليوم التالي ثم تقطع إلى عدة قطع، وتكور ثم تبسط هذه القطع على شكل دوائر ثم تقلب الواحدة تلو الأخرى على المخبز الذي كان قديما حديدة سوداء· وكان القلة من الناس يضيفون السنوت (الكمون) أو (المثيبة) أو (الينسون) حسب الرغبة، ولكنها اليوم تضاف تقريبا من معظم الأسر كمنكهات ومطيبات ولأنها صحية، كما يضاف الزعفران، ويرش السمسم على الوجه· وللّه الحمد أولاً وأخيرا·

اقرأ أيضا