الأربعاء 28 سبتمبر 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم

درس التحول

27 ابريل 2011 22:02
محمد الزناتي كاتب مغربي يتزايد الاهتمام بشكل كبير وواضح بالتحولات التي تعرفها المنطقة العربية. وتعددت الآراء والاستنتاجات حول هذه الظاهرة في ظل عالم يشهد تطوراً عميقاً ومتسارعاً. ولا أود تفويت هذه الفرصة لإبداء الرأي فيما يحصل حولنا ولاستخلاص الدروس من التجربتين المصرية والتونسية، فلا أحد يختلف حول كون العالم العربي، ومنذ زمن بعيد، يمر بفترة عصيبة تتزامن المصالح الأجنبية المتزايدة مع انهيار الإرادة المستقلة ووجود الفساد والظلم الداخلي. لقد تحولت بعض الأنظمة العربية إلى وكلاء لواحدة أو أكثر من القوى الأجنبية المهيمنة. وتوهم البعض أنهم يؤدون خدمات جليلة لهذه القوى، والتي بدورها عليها أن توفر لهم الغطاء والدعم، أما الشعوب البائسة فقوانين الطوارئ والإرهاب والدساتير كفيلة بترويضها. وفي التجربتين المصرية والتونسية ثمة شعب أبعد واستبعد وقف ينظر إلى حكومات شكلية، وبرلمانات لا تراقب. أنظر إلى الثروة ومن يستحوذ عليها تتعرف سريعاً على النظام السياسي السائد، والشيء الوحيد الذي لا يستوعبه الطغاة هو صمت الشعب. فالشعب على حد قول ديكارت عندما يصمت فهذا يعني أنه يستجمع عناصر حركته، فصمت الشعوب صمت مخادع. لقد أثبتت الثورتان المصرية والتونسية أن هذه الشعوب كانت تغلي فوق صفيح ساخن وتعيش مرحلة ما قبل العاصفة، العاصفة التي دمرت سفينة القبطان. وهناك سفن عربية أخرى تبدو كبيرة ومتعالية ولكن تسير بمحركات إما انتهت صلاحيتها أو تدور في هياكل غير مزيتة. ومع غرق كل سفينة تلوح لنا في الأفق سفينة جديدة تشق طريقها بثبات. ورغم أنها مصنوعة على عجل وتتقاذفها الأمواج، لكن الشيء المؤكد أنها لن تغرق وسوف ترسو على الشاطئ في النهاية. ومع كل سفينة جديدة تنزل إلى المرفأ، يتعزز أسطول الحرية العربية. ومع كل دورة من دوراته حول العالم تنضم إليه سفن جديدة، ولقد توقع مارك بالمر في مؤلفه الشهير "تحطيم المحور الحقيقي للشر: كيف نطيح بآخر طغاة العالم" أن تكون سنة 2025 آخر سنة لآخر طاغية. وعلى هذا النحو، فإن أسطول الحرية العربية سيستكمل تشكيلته في أقصى الحدود قبل عام 2025. وهذا يعني أن الأنظمة العربية الاستبدادية صلاحيتها ستنتهي قبل هذا الموعد، وهذا ما يفسر في اعتقادي سباق الشعوب العربية المحموم مع الزمن. وليس هناك شعب عربي يرضى على نفسه أن يسجل عليه التاريخ أنه كان آخر من التحق بأسطول الحرية، فآخر من يلتحق ربما سوف يتم تحنيطه وحفظه في صندوق زجاجي تحت يافطة: آخر طاغية في العالم. ولكي تتمكن الشعوب العربية من ربح سباق آخر طاغية في العالم، عليها أن تستخلص بعض الدروس والعبر من ثورتي تونس ومصر: الدرس الأول: عندما خرجت الشعوب العربية في تونس ومصر إلى الشارع كان لديها إحساس عميق بأن كرامتها وحريتها لم تحترم قط. ولم تكن متأكدة من أن انتفاضتها سوف تحدث كل هذا التغيير. لكنها أصبحت الآن على يقين بأن الأوضاع التي كانت مذعنة لها أصبحت من الماضي. والدرس الذي يجب أن يستوعبه كل من يسير على نهج المستبدين، أن الشعوب لا تريد إلا الحرية والديمقراطية التي تستدعي أن نترك الفرد يردد بطلاقة ومن دون وصاية وتوجيه أنا أفكر إذاً أنا موجود، لا أن نحجر عليه ونلزمه بالتخلي عن حريته الفردية ليهتف للزعيم مطيعاً. الدرس الثاني: ما يلفت الانتباه في الاحتجاجات الأخيرة التي عرفتها كل من تونس ومصر، هو دور الشارع العربي في صنع التغيير. فهو بكل المقاييس قوة متغيرة حقيقية. والسؤال حول المفهوم الجديد للشارع العربي يتحدد من خلال فهم كيف تم هذا التغيير وما هي الوسائل الجديدة المتبعة؟ فالشارع العربي أصبح قوة تعبر عن إرادتها، ولا أحد يدعي أنه يمثله فهو ليس ملك لأحد أو فئة بعينها. فالشارع يرفض، في ذات الوقت، الأنظمة الحاكمة وجل الأحزاب القائمة أياً كان لونها، وهذا ما شاهدناه في تونس ومصر. فهذا الشارع الذي وقف لا يرد وهو يتلقى لكمات الحكومات الاستبدادية، ولغط الأحزاب، قال كلمته وأظهر قوته وإن كان لم يستخدم بعد كل عضلاته. فالحركة الاحتجاجية في مصر تتغذى من كل المآسي والظلم الذي أذاقه النظام لشعب مصر. ولو كان الأمر محصوراً فقط على تيار معين لما تأخر النظام في استخدام قانون الطوارئ البغيض وأذرعه الطويلة، الذي اعتبر دائماً خط دفاع أول للسلطة إن النظام في مصر واجه نوعاً جديداً من المعارضة غير المعتادة، واجه شباباً سئموا من حياة الذل والمهانة وهم يرون الفساد وقد أصبح له عقل يفكر ولسان ينطق. ينشر بالتعاون مع مشروع «منبر الحرية»
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©