الاتحاد

ألوان

الدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة

أحمد محمد (القاهرة)

لما انصرف المشركون عن قتلى أُحد، انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى منظرا ساءه، ورأى حمزة قد شق بطنه واصطلم أنفه، وجدعت أذناه، فقال: «لولا أن يحزن النساء، أو تكون سنة بعدي لتركته حتى يبعثه الله تعالى من بطون السباع والطير، لأقتلن مكانه سبعين رجلاً منهم»، ثم دعا ببردة فغطاه بها، وكبر عليه عشرا، ثم جعل يجاء بالرجل فيوضع وحمزة مكانه حتى صلى عليه سبعين صلاة، وكان القتلى سبعين فلما دفنوا، وفرغ منهم نزل قوله تعالى: «ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ» (النحل: 125)، فصبر ولم يمثل بأحد.
قال محمد أبوزهرة في «زهرة التفاسير»، بعد أن ذكر الله حال اليهود، وأشار إلى عنادهم، وفصل القول في حال المشركين وإيذائهم، أمر الله رسوله أن يستمر في دعوته لا يألوا، فهو مكلف بالتبليغ مهما تكن مناوأة المناوئين.
وصدع النبي، صلى الله عليه وسلم، بأمر ربه بعد أن أنذر عشيرته، وعمت دعوته ربوع البطحاء، وآذت قريش الضعفاء، فاستمر هادياً مرشداً، ولذا جاء أمر الله بأن يستمر في دعوته بالحكمة والموعظة ولا يخرجه ما يفعلون إلى غير الحكمة، فقال ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، مبلغاً رسالة ربك ومتبعاً سبله وهدايته إلى سبيل ربك، وسبيل الله هو الصراط المستقيم وهو التوحيد وشريعته التي لا عوج فيها، هو سبيل الحق الهادي المرشد بالحكمة والموعظة، والحكمة هي القول المحكم الذي يشتمل على الدليل الهادي والبرهان القاطع، والموعظة هي بيان العبر، وضرب الأمثال.
وأن يجادلهم بالتي هي أحسن، فقال تعالى: «وجادلهم بالتي هي أحسن»، أي بالطريقة التي هي أحسن في التوصيل إلى الإقناع، فإن لم يكن إقناع فتقريب، فإن لم يكن تقريب لا يكن تنفير، فهو يبين لهم الحق في غير مخاشنة، وفي غير غضب، فالنبي لا يغضب ولكن يهدي ويأتيهم بالحق مما يحبون، يكون ودودا، من غير أن يكون مداهنا في حق.
قال الطبري، يقول تعالى لنبيه، صلى الله عليه وسلم «ادع» يا محمد إلى شريعة ربك التي شرعها لخلقه، وهو الإسلام، بالحكمة، يقول بوحي الله الذي يوحيه إليك وكتابه الذي ينزله عليك، والموعظة الحسنة، وبالعبر الجميلة التي جعلها الله حجة عليهم في كتابه، وذكرهم بها في تنزيله، كالتي عدد عليهم في هذه السورة من حججه.
وقال الشنقيطي في «أضواء البيان»، أمر الله جل وعلا، نبيه، صلى الله عليه وسلم، في هذه الآية الكريمة، أن يجادل خصومه بالطريق التي هي أحسن طرق المجادلة، من إيضاح الحق بالرفق واللين، ونظير ما ذكر هنا من المجادلة بالتي هي أحسن قوله لموسى وهارون في شأن فرعون: «فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى، ومن ذلك القول اللين قول موسى له: هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى.
وقال الإمام الرازي، لما أمر الله محمداً، صلى الله عليه وسلم، باتباع إبراهيم عليه السلام، بيّن الشيء الذي أمره بمتابعته فيه، أن يدعو الناس بأحد هذه الطرق الثلاثة: وهي الحكمة، والموعظة الحسنة، والمجادلة بالطريق الأحسن، ولما ذكر الله تعالى هذه الطرق وعطف بعضها على بعض، وجب أن تكون طرقا متغايرة متباينة.
والدعوة إلى المذهب والمقالة لا بد أن تكون مبنية على حجة وبينة، والمقصود من ذكر الحجة، إما تقرير ذلك المذهب وذلك الاعتقاد في قلوب المستمعين، وإما أن يكون المقصود إلزام الخصم وإفحامه.
ومن لطائف هذه الآية أنه سبحانه قصر الدعوة على ذكر هذين القسمين، لأن الدعوة إن كانت بالدلائل القطعية فهي الحكمة، وإن كانت بالدلائل الظنية فهي الموعظة الحسنة، أما الجدل فليس من باب الدعوة، بل المقصود منه الإلزام والإفحام.

اقرأ أيضا

نمر يقتل زوجته المستقبلية في أول لقاء بينهما بحديقة الحيوان في لندن