الثلاثاء 4 أكتوبر 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم

تسويق الإبداع.. لا «تسليعه»

تسويق الإبداع.. لا «تسليعه»
27 ابريل 2011 21:33
بالتأكيد لا تبلغ جائزة البوليتزر الأكاديمية الأميركية بحقولها الإبداعية الستة مقام جائزة نوبل، ليس لجهة العراقة وحدها بل لمحدودية البوليتزر ضمن الحدود الأميركية فقط.وقد تقف البوليتزر، من ناحية أخرى إلى جوار المان بوكر البريطانية، غير أنها أقل انفتاحاً تجاه المنجز الناطق بالإنجليزية، في حين تقل عنها المان بوكر في أنها تُمنح في حقل الرواية فحسب. غير أن أهمية جائزة البوليتزر لا تحقق لصاحبها النجومية وحدها ولا تجعل من كتابه أو مؤلَّفِهِ الأكثر مبيعاً في العالم الناطق بالانجليزية فقط، فهي فضللاً عن كل ما تقدَّم تهيء لصاحبها أن يكون مسموع الكلمة على المستوى الجماهيري، أميركياً، وبالتالي عالمياً، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمناقشة السياسات الأميركية الخارجية وعلاقاتها الدولية، أي أن البوليتزر تمهِّد الطريق أمام الفائز بها ليصبح نجماً عالمياً كما هي حال العديد من الروائيين والشعراء الأميركيين تحديداً، مثل شارلز سيميك واهتماماته السياسية المنصبة على ما كان يُعرف سابقا بيوغسلافيا التي هي البلد المنشأ لهذا الشاعر الكبير. جهاد هديب لكن ذلك لا يعني أنه لا يمكن لرجل الشارع النيويوركي مثلا أن لا يقرأ لمثقف أميركي إلا عبر مرشَح البوليتزر، بل إن الكثيرين أداروا ظهورهم للجائزة، بل إن البعض منهم قد رفض أن يستقبله الرئيس الأميركي في البيت الأبيض استنكاراً لسياسات داخلية أو خارجية. والملاحظ أيضا أن سبب اهتمام الكثير من الشعراء والروائيين الأميركيين بالبوليتزر هو أنها تلفت الانتباه النقدي بما يؤهل هذا المبدع أو ذاك للترشح لجائزة نوبل في حقل الأدب، وتحديداً إذا أخذنا بعين الاعتبار الديناميكية الأميركية في “تسويق” مبدعيها مثلما تسوّق سِلَعِها و”صرعاتها” على قدم المساواة. على أي حال، فقد جرى الأسبوع الماضي إقامة حفل توزيع جوائز البوليتزر حيث توزّعت على الحقول التالية: الرواية وفازت بها جينيفر إيجان عن روايتها “زيارة زمرة القاتل المأجور”، والشعر لكاي رييان عن ديوانها “الأفضل من بينها: قصائد جديدة وأخرى منتخَبَة”، والموسيقى للمؤلف الموسيقي من أصل صيني زو لونج، والمسرح للكاتب المسرحي بروس نوريس عن “حديقة كلايبورن” (التخم أو النهر أو الحدّ أو الجدول المستدير)، والتاريخ للباحث إيريك فونر من جامعة كولومبيا عن “طريق عنيف: أبراهام لينكولن والعبودية الأميركية”، والسيرة الذاتية لرون تشيرناو عن “واشنطن: حياة”، والعلوم العامة للباحث سيدهارتا موخيرجي عن: “امبراطور الأمراض ـ سيرة ذاتية للسرطان”، وأخيراً الحقل الصحفي حيث حازت صحيفتا “نيويرك تايمز” و”لوس أنجيليس تايمز” أغلب جوائز هذا الحقل كما هو متوقع. وقد لوحظ أن الأعمال التي فازت في الحقول الإبداعية هي أعمال قد انحازت للحداثة الأميركية وما بعدها دون إفراط أو تطرّف. وفيما يلي بعض على الأعمال الفائزة في الحقول الإبداعية الأربعة وهي: الرواية والشعر والمسرح والموسيقى. أميركا المعاصرة عنوان رواية جينيفر إيجان: “زيارة زمرة القاتل المأجور” يجعل منها صوتاً يشبه كثيراً سلسلة من الأحداث المترابطة أكثر مما أنها تصوير تجريبي لأميركا المعاصرة، لكنه ليس تصويراً ساذجاً. لقد استُقبل الكتاب بإطراءات من عروض الكتب لدى صدوره في الولايات المتحدة أواخر العام الماضي، وذلك لأسباب جيدة: فقد قامت تلك العروض منذ ذلك الحين بتسمية اللاعب النهائي للجائزة الأميركية الأكثر نفوذاً. لقد قالت جنينفر إيجان إن تلك الرواية استُلْهمتْ من مصدرين: “البحث عن الزمن المفقود” لمارسيل بروست و”أصوات السوبرانو”. وذلك ليس بخلق إحساس بالمرجعية بالتأكيد، إنما بجعل “زيارة زمرة القاتل المأجور” كتاباً يدور حول الذاكرة والأقرباء، والزمن والسرد، والتواصل والانقطاع، وتلك العلاقات المتحوِّلة ثم الثابتة على نحو يشبه مشهداً متغيّراً مختلف الألوان. لكنها أيضا ليست رواية ولا جموعة قصص قصيرة إنما هي، بعض الشيء، بين بين: يُبرز تسلسل الفصول شخصيات متشابكة في نقاط من حياتها، حيث تمتزج تلك الأصوات الفردية لتبدع عملا سيمفونياً من ذلك النوع الذي يستخدم شكله المترابط داخلياً لاكتشاف أفكار حول الترابط الإنساني. و”القاتل المأجور” الذي يخصّ العنوان ليس بحدّ ذاته مرجعية لـ”السوبرانو”: إذ ما من قطّاع طرق هنا. إنه اسم من أسماء يخص شخصيات زمن هو زمن قاتل مأجور، حسنا؟ فهل تترك ـ أيها القارئ ـ لقاتل مأجور أن يدفع بك هنا وهناك؟ كل شخصية في هذا الكتاب مدفوعة بزمنها وبحالة تخصُّها، مثلما تكشف إيجان بأناقة واقتصاد عن أقواس من النور المتذبذب الذي يحيط بحيوات شخصياتها؛ ماضيهم المؤلم ومستقبلهم خائب الرجاء. وتلك الشخصيات التي تبدو هامشية في أحد الفصول، يصير الضوء مسلّطاً عليها في فصل تالّ؛ ذلك أن السرد يتعاقب ليس فقط بين أهميّتَيْ الشخصية الولى والشخصية الثالثة، بل تقوم إيجان بالإضافة إلى ذلك بإظهار القصة الفعالة للشخصية الثالثة على نحو عابر، ربما لأن الكاتبة لا تستطيع سوى ذلك فحسب. ففي ذلك الفصل الذي يروي فيه انتحاري شاب قصته بـ”لهجتك الدارجة” أنت، تقوم هي أيضا بإبدالات سردية دراماتيكية عبر أزمنة وأمكنة: قاطعو الطريق الصغار؛ مراهقو سان فرانسيسكو السبعينيات، يصبحون أكثر نضجاً وتحرراً من الأوهام في ضواحي نيويورك التسعينيات، الذين نشأ أبناؤهم في مستقبل مُتخيّل لا علاقة لهم فيه بوسائل التطور الحديث إلا على نحو طفيف في صحراء كاليفورنيا ولم يستمعوا إلى حفل موسيقي خرافي على خشبة مسرح “أثر القدم” حيث أبراج مزدوجة ينبغي لها أن تكون موجودة في وقت ما من عشرينيات القرن الحالي. في مفتتح الجزء الثاني من “فاوست” غوته، تُنْهَكُ فاوست من صِدام معذِّبٍ مع غريتشن، لكنه يجد “قوسَ المتغيّر ـ اللا متغير في قوس قزح وقد تبدّى على مقربة من مسقط شلال الجبل”. إن قراءة كتاب “الأفضل من بينها: قصائد جديدة وأخرى منتخبة” تعرض لنا خبرةً شبيهةً في التغيُّر. تلك التجربة التي تبقى أساس الخرسانة الصلبة الموصِلَةِ إياها بالأرض والقلق الفعّال، اللذين هما بلغة كاي رْيان بمثابة الأفكار الرئيسية في صنيعها الشعري وفي التأمل الطويل هي التي أقلعنا عن متابعة تطورها الأسلوبي منذ أكثر من ست عشرة سنة. وقصائد رْيان التي يُعاد تقديمها في هذا الكتاب، هي قصائد قصيرة كلها، وفي أغلب الأحوال يجري تقديمها في مقاطع شعرية فردية من النوع عالي التركيز، حيث العالم الطبيعي والحيوانات والتعبير التجريد هي موضوعاتها التي تدور حولها القصائد. لكن قد نستخرج بعض القصائد عن الناس في أي شأن من شؤونهم ما عدا الوعي الأخلاقي العام. إن كل ما يصوّره عمل كاي رْيان الشعري يعكس اندفاعة نحو القول المأثور (الحكمة)، وحتىفي حالة عَرَضية عندما يكون هناك “قصد” يتجه نحو معنى شكل الحكمة فإنه يُطاحُ به من قِبَل الشاعرة كي تبقى الاندفاعة، وربما لذلك فقصائدها قادرة على جرِّنا بعيداً عن عوالم شديدة الضجيج في العمل؛ كالإعلام والمجتمع.. قصائد رْيان تقدم لنا فرصة لتأمل الصورة والفكرة عبر عين قلبها دون شرود ذهن. وبالنتيجة تلك، وفي الأفضل من بين قصائدها المنتخبة هنا نستطيع أن نرى ثانية اقتطاعة من العالم التي تسلط رْيان الضوءَ عليها كي نتأمل طرقا في العالم تأخذ شكل هذه الاقتطاعات التي قد توجِّه مجرى حياتنا. قالب كوميدي لقد اختارت “حديقة كلايبورن” رؤية وموقفاً خاصين، شديدي الوضوح لكنهما بـ”ناحراف” لترى الحاضر الذي كما لو أنه كان الماضي. تتكون المسرحية، الكوميدية الجديدة التي تتركز حول العامين 1959 و2009، من مشهدين منفصلين تماما غير أنهما مشهدان شائكان انكتبا بنفاذ بصيرة وعلى نحو يورث المرء اللعنة. وفي هذين المشهدين يختبر المؤلف بروس نوريس يختبر موضوعاته من خلال التلسكوب ذاته في المشهدين، هو التلسكوب الذي يتصف بعدم الرحمة، فيما يتسلح المؤلف ببرود المؤرخ والفرز العرقي الذي يمارسه باحث في علم أصول الأعراق والثقافات. ولمزيد من التحديد، تنشغل “حديقة كلايبورن” بالاقتباس من رايموند كارفر، من جهة: ما الذي نتحدث عنه عندما نتحدث عن العرق. يسلط نوريس الضوء على التهرب والششل الذي يصيب بعقدة اللسان والتعبيرات الملطّفة عن شيء بغيض تلك التي توجع بشدة في الحوار ثم تأتي الخاتمة التي تتحدث ـ على الأقل بين الأنانيين الأميركيين كلّهم الذين يرسمهم نوريس ـ “غنه أسوأ من حقير” و”إنها تافهة”. والناس في “حديقة كلايبورن” يتحدثون، لكنهم لا يصغون إلى بعضهم البعض. وحديثهم يُبرز تأسيس تلك العبارات وقد أُعيد تشكيلها في نظام تعريف شخصي حادّ الحافة. والأزياء يمكن أن تُستبدل بدرع لفظي يمكن تغييره على نحو يشبه إلى حدّ بعيد تغييرهم الملابس. لكنّ الكلمات تبقى ما يخفي الناس خلفهم حتى عن الأقرب إليهم. إن إدراك نوريس بكيف أن الدفاع وحده فقط يغادر الناس هو ما يوفر الحماية ل”حديقة كلايبورن” من تحجُّر القلب. فتبدو شعرية حقا لأسباب ينبغي أن تكتشفها من أجل ذاتك، بكلمات الشخصية “يولان باتور” التي تقولها شخصية “روس” بمقاطع لفظية طويلة لتصير حنونة على نحو مؤثر في المسرحية. الشرق والغرب أوبرا “السيدة الأفعى البيضاء”، قام بتأليف موسيقاها الأميركي من أصول صينية زو لونج وهو حائز جائزة البوليتزر في حقل الموسيقى، وليس أوبرا بوسطن التي أنتجت العمل العام الماضي. تستعير “السيدة الأفعى البيضاء” قصة تقليدية تتحدث عن أفعى أسطورية يمكنها التحول إلى امرأة وممارسة الإغواء. وقد امتازت هذه الأوبرا بنصها الأوبرالي الذي كتبه وأعده للعرض سيريس ليم جاكوب، كما أن زو لونج بإبرازه واستفادته العميقة من أنواع مختلفة من الموسيقى. وقد كتب الناقد الموسيقي في “البوسطن غلوب”: “مقطوعة زو الموسيقية خلّاقة بالفعل بمزجها تقاليد موسيقية شرقية بأخرى غربية” في حين أخذ البعض من النقّاد على أوبرا “السيدة الأفعى البيضاء” أنها لم تخلُ من بعض الكبح للآلة الموسيقية كما أُخِذَ على التأليف الصوتي للنص الاوبرالي أنه كان يمثل عقبة كبيرة أمام نجاح العمل بكافة تفاصيله.
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©