الأربعاء 28 سبتمبر 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم

في أم الرمول...

في أم الرمول...
27 ابريل 2011 21:30
في شهر مارس، تقريباً، من العام الماضي (2010) كتبت مقالاً ونشرته هنا في “قفص الأمواج”، ولقد بدأ المقال بجلوسي على طاولة في “مقهى” مطل على الخور، هناك في فندق انتركونتننتال فاستيفال سيتي ـ دبي. في شهر أبريل من هذا العام، وجدتني أيضاً أجلس إلى ذلك المقهى، المشهد لم يتغير، الخور يتلألأ تحت الشمس، ورشة السفن الخشبية ومن ثم برج خليفة يمثلان أمامي من النافذة، على اليمين يخرج الخور أو يأتي من البحر، وعلى اليسار يتوغل الخور في الصحراء، أو التي كانت صحراء. المشهد لم يتغير، ولكن مناسبة إقامتي في ذلك الفندق تغيرت، ففي العام الماضي جئت تلبية لدعوة من مهرجان طيران الإمارات للآداب، كنت بصحبة الأدباء إذن: من عبده خال مروراً بأمجد ناصر وحتى بهاء طاهر، وكان يحوم حولي العديد من الكتّاب والكاتبات الأجانب، بل هنا في هذا المقهى بالذات كنت أجلس إلى جوار الكاتب الإنجليزي العنصري مارتن أميس، كنا نجلس طويلاً إلى جوار بعض دون أن نتبادل جملة واحدة (فإنجليزيتي لا تصلح لإنجليزيته)، الآن أميس زال، والمناسبة تغيرت، فأنا هذه المرة مدعو كعضو لجنة تحكيم في مهرجان الخليج السينمائي، وأكاد أضيع بين الممثلين والممثلات الحائرين في سماء حيواتهم كالنجوم، بل بعضهم يعتقد أنه من النجوم حقاً وبلا ريب، فهذا نجم يمشي في ردهة الفندق كطاووس يلبس “كندورة” بيضاء، وتلك “نجمة” أعرفها، تختال وهي تقود زوجها الوسيم نحو المصعد كالنياق التي تقاد نحو الآبار الناضحة، وذلك المخرج الإيراني الودود والمهم عباس كياروستامي يمشي خلف رفيقته (لربما هي مديرة أعماله) القصيرة والملونة كالمهرّجات (عربياِ هل جاءت كلمة مهرجان من مهرج؟ أو بصيغة أدق هل جاءت من المصدر: هرج....؟)، ثم هنالك العديد من الأصدقاء المصابين بفيروس السينما والفن: أمين صالح، قاسم حداد، عبدالله حبيب، فريد رمضان، يوسف الحمدان، سما عيسى وآخرون كثر، وكنت أمني النفس بالجلوس معهم واحتساء الإفطار، غير مدرك للورطة الجميلة التي وقعت فيها، إذ كان علينا كلجنة تحكيم مشاهدة مليون ساعة، وعدد وفير من الأفلام القصيرة والطويلة والوثائقية، المشرقة والبليدة والتافهة والمترددة، وللانتهاء من مشاهدة كل ذلك في فترة وجيزة قسمنا اليوم إلى وقتين، وعندما ننتهي من الوقت الثاني تكون الساعة قد تجاوزت العاشرة مساء، وحينها إما تلحق على الجلوس والاختلاء بنفسك، وإما لا تلحق. ولم يخفف من وطأة “لجنة التحكيم” هذه إلا زميلي في اللجنة: المخرج المصري المعروف مجدي محمد علي، والناقد والمخرج السينمائي العراقي قيس الزبيدي. مجدي أعرفه من القاهرة، فلقد عرّفني عليه أحد الأصدقاء، والتقينا بعد ذلك عدة مرات في أحد مقاهي الليل الواقعة بين ميدان الأستاذ طلعت حرب، والميدان الأستاذ، أو الذي صار أستاذاً: ميدان التحرير. أما الزبيدي فكان قادم من دمشق، وهو مصاب بعدوى التثاقف، إلا أن الساعات الطويلة التي كان علينا مشاهدتها خففت من تماديه في تلك العدوى. مشاهدات خصبة وأياً يكن فإن جلسات مشاهداتنا تلك كانت خصبة، للمشاهد المشرقة والخلاقة التي رأيناها، وإن كانت في الحقيقة قليلة جداً في ذلك الركام المصور، كما وفرت لنا تلك الجلسات فرصة لنتقارب ونتعارف جيداً نحن الثلاثة، ولهذا وبعد انتهاء أيام المشاهدة، كنا وصلنا إلى مرحلة معقولة من الانسجام وفرت علينا الكثير من النقاشات السقيمة التي تتفاقم عادة في لجان التحكيم، وجعلنا نحسم موضوع الجوائز المطلوبة بسرعة ورضا، مودعين ذلك العناء الذي تكبدناه طوال ما يقرب من الخمسة أيام. وثَم ملاحظات عديدة اتفقنا حولها نحن الثلاثة، إلا أنني سأذكرها هنا كملاحظات لي، حتى لا أحوِّل نفسي، بلا تكليف، إلى ناطق رسمي باسم تلك اللجنة العزيزة. من أهم تلك الملاحظات، ما يمكن أن أسميه بـ”تقمص الإنجليزية”، وبدءاً أنا لست ضد أي لغة، بل العكس، فاللغات وتعلمها والحياة في حقولها الغنية مطلب ثقافي وإنساني مهم، مهم لدعم التنوع، ومهم لتطوير أفق الحياة، ومهم لتوطيد المشاركة الإنسانية، ولكن بالمقابل فإن “مهرجان الخليج السينمائي” يقام في بلدة عربية، والمفروض أنه يخاطب جمهوراً عربياً، وبالتالي فإن الأفلام المعروضة فيه، كان من الأساسي أن تكون ناطقة بالعربية، وإن كانت ناطقة بلغات أخرى كالإنجليزية أو الفرنسية أو الكردية حتى، فإنه كان من الأساسي أن تصاحبها في هذه الحالة ترجمة للعربية. كل هذا كان غير متوفر في أغلب الأفلام، بل هناك ما هو أسوأ على هذا الصعيد، ففيلم “محلي” يخرجه شاب مبتدئ من أبوظبي يتحدث عن أمور فلسفية معقدة وينطق من أوله إلى آخره بلغة أجنبية دون أي ترجمة عربية، أنت لا تعرف حقاً ما علاقة ذلك الشاب بذلك الفيلم، أو بمعنى آخر: الفيلم لا يعكس حتى ببنت شفة مشهدية عن شخصية مخرجه، لغة الفيلم المشهدية لا تنتمي لذلك المخرج، ولا لغة الحوار، لا شيء ينتمي في ذلك الفيلم لا للمخرج ولا للإمارات ولا لي ولا لكم ولا لمهرجان الخليج السينمائي المقام في بلدة عربية. فيلم آخر يتحدث عن مدرسة ابتدائية في الشارقة وعنوانه بالإنجليزي، آخر يتحدث عن خلافات زوجية، بين زوجين من المفترض أنهما إماراتيان، ناطق بالإنجليزية، ومن الجيد طبعاً أن يتسع عالم شخصيات الأفلام، وخصوصاً في الخليج، لما نعيشه من خليط هادر، كما من المفهوم أن توجد شخصيات في أفلامنا تتحدث بلغات أخرى: إنجليزية، كردية، هندية، تاقالو، مالايلام.. إلخ، ولكن ذلك من المفروض أن يكون في داخل الفيلم والسيناريو، في سياقه وليس مقحماً عليه من جهة، وأن يترجم ذلك الحوار “الأعجمي” إلى لغة الجمهور المفترض، وهي بهذه الحالة العربية، ولكن أغلب الأفلام المشاركة في المهرجان كانت تمارس الأسوأ على هذا الصعيد، فيلم يتحدث عن الحرب في الكويت يحاول أن يكون عالمياً، وتقتصر محاولته تلك على مجرد التحدث أو التشدق باللغة الإنجليزية، فيلم آخر يؤديه أو يتحدث فيه ممثل خليجي بالإنجليزية ولا ينطق بالعربية إلا حين يتكلم بالتلفون مثلاً أو حين يأمر على هذا العامل أو تلك. ولا تعرف معنى ذلك، هل هو استلاب أم انسحاق أم تظاهر أم تبكيت للذات، أم سادية فلغوية، فذلك الممثل الخليجي كان يريد أن يوحي لنا بأنه حين يتحدث أو يفكر ويعبر فإن اللغة الإنجليزية هي المفضلة لديه، أما العربية، لغته الأم، فهي لغة حياة، أو حتى أقل من ذلك، لغة تصريف حياة. وهذه الحالات “المريضة” لغوياً، كما أظن، ينبغي أن تناقش وتدرس فهي تتحول شيئاً فشيئاً إلى ظاهرة، في السينما والكتابة، وقبل ذلك في الحياة اليومية، حيث صادر ترديد كلمتين محفوظتين بالإنجليزية نوع من التباهي المطلوب. المهرجان أو إدارته ليست مسؤولة عن هذا بالطبع، لكنها مسؤولة عن إلزام الأفلام المشاركة بأن تكون إما ناطقة بالعربية، أو تصاحب عناوينها وحواراتها ترجمة عربية على الأقل. بلا جهات ولا أدري هل هي من قبيل الصدفة (فالصدفة، على ما يبدو، بلا جهات) أم لا، إنني ناقشت هذه الموضوعة أو ما يقترب منها في مقالي ذاك الذي كتبته قبل عام، هنا، في “قفص الأمواج” عن مهرجان طيران الإمارات للآداب. وإذا ما كنت أتذكر جيداً، فإنني لاحظت بأن المكان الذي يطل عليه “فاستيفال سيتي” من الخور، كان له بالتأكيد اسم محلي، وأن التسمية الحالية، هذه التسمية الأجنبية، هي في الحقيقة إلغاء لذاكرة المدينة، وبالتالي لإنسانها. وهذا العام لم يكن إلى جواري ولمحاسن الصور الكاتب البريطاني العنصري مارتن أميس، بل جلست مرة مع أحد الدبويين، فقال لي بأن هذه المنطقة كانت تسمى بأم الرمول، إنها تسمية جميلة جداً، تسمية من داخل الذاكرة، ومن قلب الإنسان، إذاً لماذا بدلاً من “فاستيفال سيتي” لماذا لا نقول ونسمي المنطقة: مدينة أم الرمول للاحتفالات أو المهرجانات ولماذا لا يكون اسم هذا الفندق “انتركونتننتال أم الرمول” لماذا؟ أسئلتي على ما يبدو لن تتوقف، وكان بودي أن أناقش في هذا المقال أفلام الحرب الكويتية، وما أحسسته من دوران حول النفس في الأفلام الإماراتية التي تحاول الشاعرية، وأن عليها بدلاً من أن تحوم بشكل صار معتاداً ومكرراً حول ثنائية العطش والماء، أن تذهب أبعد في تقليب هذه الثنائية سيناريو ومشهداً، أو أنها تحاول اجتراح ثنائيات أخرى في أفق التعبير والتخليق السينمائي. كان بودي أن أناقش كل ذلك، لكن صفحات هذا المقال انتهت، كما انتهت إقامتي الطويلة في فندق “انتركونتننتال أم الرمول”، وعليّ الآن توديع ذلك “المقهى” المطل على الخور، الخور يتلألأ تحت الشمس، ورشة السفن الخشبية ومن ثم برج خليفة يمثلان أمامي في النافذة، على اليمين يخرج الخور أو يأتي من البحر، وعلى اليسار يتوغل الخور في الصحراء، أو التي كانت صحراء.
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©