الاتحاد

الاقتصادي

المركبات ذاتية القيادة.. عجز عن منافسة السائقين المهرة

هل هذه المركبات آمنة، كما نتمنى أم أن نظيراتها  التقليدية  «المحسنة» تكنولوجياً مازالت تحتفظ  بعرشها في هذا المجال؟

هل هذه المركبات آمنة، كما نتمنى أم أن نظيراتها التقليدية «المحسنة» تكنولوجياً مازالت تحتفظ بعرشها في هذا المجال؟

يشتري أحدنا سيارة من أي نوع ومن الطراز الذي يفضله اليوم، وتصيبه الدهشة لعدد الأمور التي يمكن لهذه السيارة أن تفعلها من تلقاء ذاتها، وبعكس الحال في سيارته القديمة.
ببساطة، ستأخذ سيارتك الجديدة زمام المبادرة منك عندما تدرك أنك ارتكبت خطأ ما. وفي خلال الأعوام القليلة المقبلة، ستفعل السيارات الجديدة أكثر بكثير من هذا، بل ستقود نفسها بنفسها ولو على الطرق السريعة.
ولن يقتصر الأمر على الأنواع الفاخرة مثل أحدث طرازات أودي/8 أو كاديلاك/ سي تي 6، بل سيمتد الأمر إلى سيارات أكثر شعبية مثل نيسان روج.
وكانت شركات السيارات قد عكفت، خلال الأعوام الماضية، على تطوير هذه التكنولوجيا، من أجل المركبات ذاتية القيادة حصرياً.
ونعني بذلك تكنولوجيا التعرف على الأشياء، واستخدام موجات اللاسلكي وأشعة الليزر لرصد ما يحيط بالمركبة، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي الأسرع على الإطلاق لخدمة هذا كله، واتخاذ ما يلزم من قرارات في التوقيت المناسب.
وتتوقع بعض الشركات الرائدة في هذا المجال أن يشهد العامان المقبلان بدء تشغيل أساطيل من سيارات الأجرة، والنقل الجماعي، ذاتية القيادة على الطرق الأميركية.
وقد يقنع ذلك بعضنا بالتخلي عن فكرة تملك سيارات خاصة نهائياً، والاكتفاء بخدمة «التنقل بالطلب». ولعل هذا يكون حلماً بعيد المنال، إذا ما أخذنا في الاعتبار حقائق أخرى مهمة.
فالشركات الكبرى، مثل تسلا وألفابيت، تطور هذه التقنيات المتقدمة، وتضيفها إلى سياراتها العادية بوتيرة يتعذر معها تحقق هذا الحلم على أرض الواقع، وهنا تكمن المفارقة.
فعندما تزود مثل هذه الشركات السيارة العادية بجانب من التطبيقات الموجهة أساسا للمركبات ذاتية القيادة، فإنها تجهض، دون قصد منها، الميزة الافتراضية المطلقة للمنتج الجديد، وهي عامل الأمان.
بمعنى آخر، عندما نزود السيارة العادية بتكنولوجيا استشعار المحيط الكامل (360 درجة) وسرعة الرصد والاستجابة في جزء من الثانية، مع تجهيزات ميكانيكية ممتازة، ونضعها تحت تصرف عقل بشري يقود السيارة، فلا بد أنه سيخرج بحلول مبتكرة لمشكلات طارئة، تتفوق نوعياً على بدائل تطبيقات الذكاء الاصطناعي المعتادة.

شكوك منطقية
يقول راج راجكومار أستاذ الهندسة في جامعة كارنيجي ميلون: «نحن البشر كائنات حية، ونملك القدرة على التفكير استناداً إلى مبادئ أولية، أو لنقل من الصفر، في حين تعجز تطبيقات الذكاء الاصطناعي عن إدراك ما حولها، بل ولا تدري مغزى وجود عالم ملموس أساسا». وتستفيد شركة جنرال موتورز الأميركية من أبحاث راجكومار في هذا المجال.
أما داني شابيرو، مدير قسم السيارات في مؤسسة نفيديا، فيقول: إن نظم القيادة الذاتية يجب أن تتفوق على مستوى المهارة البشرية لتحقيق الأهداف المرجوة عند المستوى الثالث وهو التحكم الآلي في السيارة في وجود سائقها وراء المقود.
وتورد هذه الشركة تكنولوجيا القيادة الذاتية إلى شركتي أودي ومرسيدس بنز. وتقسم السلطات الأميركية القيادة الذاتية إلى ستة مستويات من صفر إلى خمسة. وإحقاقاً للحق، فإن بعض تطبيقات القيادة الذاتية باتت بالغة الأهمية بالنسبة للسائقين.
ولنأخذ أحد مكونات المستوى الأول وهو نظام مكابح الطواريء الآلية، على سبيل المثال، إذ تتوقف السيارة آلياً عندما يرصد النظام خطر الاصطدام بسيارة أخرى من الخلف، أو الارتطام بعائق على الطريق.
وتظهر الإحصاءات الصادرة عن معهد التأمين لسلامة الطرق السريعة، أن هذا النظام على وجه الخصوص خفض حوادث اصطدام السيارات ببعضها من الخلف بنسبة 50% وحد من الحوادث التي ينجم عنها إصابات بنسبة 56%. وذكر مجلس سلامة النقل الأميركي أنه في عام 2012، سجلت الولايات المتحدة 1.7 مليون حادث تصادم لسيارة بأخرى من الخلف ونجم عنها 1700 حالة وفاة، ونصف مليون إصابة. ويتوقع المجلس انخفاض الوفيات والإصابات الناجمة عن مثل هذا النوع من الحوادث بنسبة 80%، إذا ما تم تركيب هذا النظام بتوسع في السيارات الجديدة.
وبحلول عام 2022، سيتم تركيب نظام مكابح الطواريء الآلية في معظم السيارات الجديدة المنتجة في الولايات المتحدة.
وكانت 20 شركة مصنعة قد اتخذت هذا القرار من تلقاء ذاتها بالفعل.
وتضم تطبيقات الذكاء الاصطناعي على المستوى الأول من القيادة: مكابح الطواريء الآلية، والتحذير من الانحراف عن حارة السير، ورصد النقطة العمياء، والتوقف التلقائي وقت الخطر عند القيادة إلى الخلف.
وتعرف هذه المجموعة باسم نظم المعاونة المتقدمة للسائق (أداس). وهذه هي البداية فحسب.
كما بدأت شركات السيارات في دمج أنواع أخرى من التكنولوجيا المطورة خصيصاً للسيارات ذاتية القيادة في السيارات العادية.
ونعني بهذا الخرائط فائقة الدقة لمعظم الطرق السريعة الأميركية، وتعرف هذه الخدمات باسم المستوى الثاني.
وتنطلق السيارات المزودة بهذا النظام، استناداً إلى الخرائط، وبالتعاون مع تقنيات تحديد المواقع بالأقمار الاصطناعية المثبتة في السيارة.
ويمكن للسائق أن يترك القيادة للسيارة على هذه الطرق، بشرط الاستمرار في وضع راحتيه على المقود مع الانتباه للطريق.
وحتى تتأكد السيارة من الالتزام بالتعليمات، تقرر تثبيت كاميرا داخل السيارة لمراقبة السائق والتأكد من مستوى انتباهه للطريق. وينتظر من المستوى الثاني لتقنيات القيادة الذاتية أن يجعل قيادة السيارات أكثر أماناً، لأنه مبرمج للقيادة بصورة أكثر تحفظاً من الآدميين.
ولكن لم تتحدد بعد أبعاد ذلك القدر من التحفظ.
وتتسابق الشركات الأميركية واليابانية، حالياً، على اختبار نظم القيادة الذاتية الأعلى، وصولاً إلى المستوى الخامس. وتعتزم دفع بعض طرزها إلى الأسواق تدريجياً، اعتباراً من عام 2022.

الجانب الآخر للحقيقة
برغم براعة صنوف التطبيقات الذكية المستخدمة، يرى جون كرافسيك، رئيس مجلس إدارة شركة وايمو، أن القيادة الذاتية الكاملة للمركبات اختيار بالغ الصعوبة، وقد يبقى حلماً لعقود مقبلة.
ويوضح أن مثل هذا النوع من السيارات المبرمجة سيعجز عن القيادة في ظروف الطقس المزعجة، على سبيل المثال.
ومن جهة أخرى، مازالت هناك عوامل عدة تخضع للتقييم المستفيض، حالياً، قبل الانتقال إلى ذلك العصر.
ولهذا يميل المصنعون إلى الحفاظ على الوضع القائم (سيارة ذكية يقودها سائق بأمان) إلى حين حسم هذه العوامل ومن أبرزها: مدى قبول المستهلك لها، والإطار التشريعي المنضبط الخاص بتنظيم عملها، والمسؤولية القانونية في حال الحوادث!
ونضيف إلى هذا كله عوامل فنية لا تقل أهمية، ومنها على سبيل المثال «المستشعرات» المثبتة بالسيارة وهل يجب أن تعمل بالليزر مثلاً فيزيد السعر كثيراً؟ وماذا عن المستشعرات وأجهزة الرصد على الطريق ذاته؟
ففي حال تركيبها للتفاعل مع السيارات الآلية الجديدة، سترتفع الكلفة إلى عنان السماء، وهو أمر لا يمكن التغاضي عنه، وقد يعيق التقدم إلى مثل هذا العصر. ‎أما العامل الأهم على الإطلاق، فهو المستهلك ذاته.
فإذا ما كان مرتاحاً لعوامل الأمان التي تضيفها الشركات المصنعة، عاماً وراء عام، إلى السيارة التي يقودها بنفسه، فما الذي يدفعه إلى الانقياد وراء اقتناء سيارة ذاتية القيادة؟
ويعني هذا فقدان قوة الدفع لأحدث صيحة في عالم المركبات، وبالتالي تقلص الاستثمارات المخصصة لها.

بقلم: كريستوفر ميمز

اقرأ أيضا

اتفاق البيت الأبيض والكونجرس نهاية واقعية لـ "قانون ضبط الموازنة"