صحيفة الاتحاد

الإمارات

وحدة العمل الخليجي في فكر زايد صنعت مبادرته لتأسيس «مجلس التعاون»

أولى المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، اهتماماً كبيراً بتعزيز العلاقة مع دول الخليج العربية بهدف التنسيق والتعاون في القضايا والهموم المشتركة التي كانت تسود منطقة الخليج العربي، إلى جانب بعض الأخطار التي كانت تواجه بعض الدول في أجواء من التقلبات السياسية والتحديات التي تبرز من حين لآخر وسط تفكك في الصف العربي، ما جعل الشيخ زايد، رحمه الله، يتقدم الصفوف، ويدعو إخوانه قادة دول الخليج العربي إلى جمع الشمل تحت أي شكل للعمل، متحدين لمواجهة الظرف السائد حينئذ والتحديات التي قد تواجه منطقة الخليج العربي في أي وقت وتحت أي ظرف. وقد كان بعد نظره في هذا الأمر يجسد النقطة الثالثة في رؤيته مع أولى خطواته في الحكم التي تضمنت بناء أبوظبي الحديثة أولاً ثم إقامة الاتحاد بين الإمارات المتصالحة ثانياً ووحدة العمل لدول الخليج العربية ثالثاً، وهو ما تحقق بفضل الجهد الخاص الذي بذله المغفور له الشيخ زايد، طيب الله ثراه، لإقامة أي شكل من التنسيق والتعاون بين الأشقاء في الخليج، والذي توج بإعلانه، رحمه الله، من أبوظبي قيام مجلس التعاون لدول الخليج العربية في ختام القمة الأولى التي جمعت قادة الدول الست يوم الاثنين الموافق 25 مايو 1981.

وفي الوقت نفسه، كان حرص الشيخ زايد، طيب الله ثراه، أرقى ما يكون في تعزيز الروابط الأخوية مع الدول العربية الشقيقة، وبكل أشكال التعاون الاقتصادي والسياسي، بل والعسكري من خلال أحداث مهمة في لبنان وعلى جبهات مصر وسوريا والاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة، إلى جانب قضية شعب فلسطين. وهكذا نجد أن ما بين رحلة البناء والتطوير ونهاية الشوط الذي قطعه الزعيم والقائد الشيخ زايد، رحمه الله، برؤيته الثاقبة، تجلت الروح القيادية، بما فيها من قوة وحكمة وبعد نظر بما تنطوي عليه من أفكار وآمال، تجعل منها نهجاً لتعزيز مسيرة الإمارات وحضورها الدائم لدعم الشقيق ومد اليد نحو الصديق.

أولى خطوات الشيخ زايد سبقت قيام المجلس بخمس سنوات

على نسق مسيرة الشيخ زايد، طيب الله ثراه، في إقامة الصرح الاتحادي الشامخ التي استغرقت 34 شهراً منذ اللقاء الأول الذي جمعه بأخيه الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، رحمه الله، في دبي يوم 17 فبراير من عام 1968، وانتهاء بإعلان قيام الاتحاد يوم الخميس في الثاني من ديسمبر عام 1971، فقد بذل، رحمه الله، جهوداً مماثلة نظراً للأخطار التي كانت تحيط بمنطقة الخليج العربي ولتشابك المصالح والسعي لوحدة العمل الخليجي العربي بهدف تحقيق الأمن والاستقرار وتلبية آمال وطموحات شعبنا. وهكذا يسجل التاريخ أنصع صفحاته لقادة دول المجلس، خاصة الشيخ زايد والشيخ جابر الأحمد أمير الكويت، رحمهما الله، اللذين جعلا منه حقيقة نتيجة لقائهما الأول في أبوظبي عام 1976، واتفقا فيه على الفكرة وتمريرها لإخوتهما في دول الخليج العربية كلما سنحت الفرصة.

سعى الشيخ زايد، رحمه الله، وعلى مدى سنوات للوصول بجامعة الدول العربية ودولها إلى موقف سياسي موحد، ولكن بنسب متفاوتة من النجاح لاختلاف سياساتها وتقلب الأحداث فيها، ولكنه في الوقت نفسه كان يرى أن جمع عدد أقل من الدول الشقيقة في الخليج العربي في إطار تعاوني، قد يكون منطلقاً لوحدة خليجية، وفي هذا السياق يقول، رحمه الله، لصحيفة الديار اللبنانية عام 1974:

«إن الوحدة الخليجية حقيقة واقعة لا مجرد مجاملات شكلية، لكن التحقيق الفعلي لهذه الوحدة يتطلب مناقشات هادئة ومتأنية بحيث يطمئن كل مواطن من مواطني الخليج إلى أن هذه الوحدة في مصلحته. إن للخليج مصيراً واحداً وأنا لا أتوق إلا إلى ما يتمناه الجميع».

ويعبر، رحمه الله، عن موقف دولة الإمارات العربية المتحدة من خلال ثلاثة مرتكزات هي الخليج والعالم العربي والعالم عموماً. وفي حديثه إلى مجلة المستقبل العربي في شهر أبريل عام 1979 قال:

«إن أبناء هذه المنطقة هم أخوة ينتمون إلى جذور واحدة، ويتكلمون اللغة نفسها ويدينون بدين واحد، حتى الأرض التي يقيمون عليها منذ آلاف السنين كانت وحدة متكاملة عبر التاريخ».

كان لمشاكل الشرق الأوسط وتعقيداتها والانقلاب على شاه إيران والحرب العراقية الإيرانية في رؤية القادة والمسؤولين المعنيين تأثيرها بل وضغطها عليهم، وكانت لقاءات القمم العربية هي السبيل الوحيد لمعرفة مواقف الدول العربية، وكذلك المؤتمرات الإسلامية وعدم الانحياز. لكن العالم العربي تحديداً بدوله كانت تسودها اتجاهات متفاوتة ومتغيرة بين فترة وأخرى، ومن هنا كان تنظيم اجتماع شامل لهذه الدول يستغرق عدة أشهر.

مسار التأسيس

مع مرور الوقت أخذت أفكار الشيخ زايد، رحمه الله، تلقى قبولاً تدريجياً، ودفعت تصريحاته حول وحدة العمل الخليجي إلى محور الاهتمام، حتى إذا ما اندلعت الحرب العراقية الإيرانية بكل ما رافقها من تهديد لأمن واستقرار الخليج العربي، حتى عادت طروحات الشيخ زايد، رحمه الله، إلى بساط البحث، وجاءت بدايته على هامش القمة الإسلامية التي عقدت في شهر يناير من عام 1980 في الطائف، حين عقدت بطلب من المغفور له الشيخ زايد والشيخ جابر الأحمد، رحمهما الله، قمة هامشية لقادة دول الخليج العربية، ناقشوا فيها النقاط الرئيسة حول أمن واستقرار دول الخليج العربية، وضرورة التنسيق فيما بينها للوصول إلى موقف موحد ضمن أي مسمى، واتفق القادة لأول مرة على اعتبار فكرة الشيخ زايد هي أساس كل متابعة لهذا الموضوع. واتخذت وزارة الخارجية في دولة الإمارات العربية المتحدة زمام المبادرة بالدعوة إلى عقد مؤتمر لوزراء دول الخليج العربية لمتابعة ما اتفق عليه القادة في الرياض في الرابع من فبراير عام 1981 لوضع اللمسات الأخيرة على اتفاق القادة لإطلاق هذا التجمع، وفي وقت لاحق من اليوم نفسه، تم الإعلان عن إنشاء (مجلس التعاون الخليجي). وقد تبع ذلك مؤتمر آخر في مسقط بعد شهرين للإعداد للقمة التي اتفق على عقدها في أبوظبي من 22- 25 مايو.

وفي إشارة إلى أن رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة كان صاحب المبادرة في قيام مجلس التعاون الخليجي، قالت صحيفة الوطن الكويتية: «إن الشيخ زايد سيكون أول رئيس للجنة العليا لمجلس التعاون الخليجي المكونة من قادة الدول الست الأعضاء، وإن أول اجتماعات هذه اللجنة سيعقد في أبوظبي».

وفي 22 مايو التقى وزراء الخارجية الست مجدداً، ولكن في أبوظبي لوضع الأسس النهائية لهذه المنظومة الإقليمية التي التقى قادتها في يوم تاريخي في انتركونتيننتال أبوظبي هو يوم الاثنين 25 مايو 1981 وهم الشيخ زايد، طيب الله ثراه، والشيخ جابر الأحمد الصباح أمير الكويت والملك خالد بن عبد العزيز ملك المملكة العربية السعودية والشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة أمير البحرين والشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أمير قطر، «رحمهم الله أجمعين» والسلطان قابوس بن سعيد، سلطان عُمان.

وفي كلمته مفتتحاً القمة الأولى قال الشيخ زايد رحمه الله: «إنني على أمل كبير في أن ينجح هذا المؤتمر وأن يتطور مجلس التعاون الخليجي ليصبح منظمة فعالة ومنتجة تستفيد منها كل دولة من دولنا الست».

وبعد أن وضع القادة تواقيعهم على الميثاق الأساسي للمجلس، أصبحت هذه المنظومة كياناً قانونياً قائماً. وتبرز التعليقات التي تلت الإعلان مدى الانسجام بين الكلمات والتقييم الحقيقي الذي وصل إليه قادة دول المجلس، خاصة في دور المبادر إلى جمع دول الخليج العربية والمضيف الشيخ زايد، رحمه الله، الذي كان أساساً في قيامه منذ لقائه الأول بالشيخ جابر الأحمد الصباح أمير الكويت، رحمه الله، عام 1976 في أبوظبي ومناقشتهما الفكرة منذ ذلك اليوم.

قال أمير قطر في هذا السياق: «إن الجهود التي بذلها الشيخ زايد في سبيل تضامن الدول الست ووحدتها هي من دون شك، موضع تقديرنا جميعاً، وكل واحد منا يريد أن يكون فريق عمل متجانساً يسعى في خير مجموعتنا بكاملها»، وقال الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة أمير البحرين: «أود أن أشكر أخي العزيز الشيخ زايد على استضافته هذا اللقاء الأول لقادة مجلس التعاون الخليجي الذي نرجو أن يحقق كل أحلامنا بمقاربة مشتركة لما يواجهنا من مشكلات إقليمية ودولية».

وفي يوم 27 مايو بعد انتهاء القمة الأولى لمجلس التعاون الخليجي، شارك الشيخ زايد، رحمه الله، الذي وصفه إخوانه باعتباره الأب المبادر إلى تأسيس المجلس في المؤتمر الصحفي الذي ضم جميع قادة المجلس بشكل يندر أن يعقد اجتماع مثله. وفي رده، رحمه الله، على سؤال وجه إليه قال:

«نحن مشهور عنا بأننا وحدويون لأن إيماني بهذا المفهوم عميق الجذور. إننا نرى في الوحدة بين دول المنطقة هي وحدة بين شعوبها وليس بين حكامها، لأن الشعوب أخلد وأبقى. إننا نؤمن إيماناً مطلقاً بأهمية الوحدة بين دول المنطقة كأساس للوحدة العربية الشاملة».

وعلق، رحمه الله، على سؤال وجه إلى أحد إخوانه وأجاب عليه قائلاً: «نشر الحديث عن خلاف يكون الهدف منه ضد المصلحة العامة والمصير المشترك وسعادة الجماعة، وكما تقول الحكمة المأثورة: ليس كل من أصدر الأحكام هو على حق في حكمه، وفي النهاية أجمع الكل على رأي واحد، وهو سعينا جميعاً نحو التعاون والتكامل، ومساعدة بعضنا البعض الآخر في كافة المجالات الاقتصادية والأمنية وسواها مما يتطلب تعاوناً جدياً ومخلصاً».

واستمر الشيخ زايد، رحمه الله، طوال ربع قرن منذ تأسيس المجلس وحتى وفاته، متمسكاً بأهداف المجلس، ومدافعاً قوياً عن كل ما من شأنه تعزيز مسيرته في تحقيق الأمن والاستقرار لدوله وشعوبها وبناء قواعد ثابتة لتحقيق الرفاه والتقدم لها، وإغلاق الباب أمام كل محاولة للنيل منها. ولعل من أهم المواقف التي عاشها، إقرار الاتحاد الجمركي الذي وحد التعرفة الجمركية، وإقرار سياسات الدفاع المشترك بإنشاء قيادة مشتركة وشبكة دفاعية مشتركة والتي انتهت بتشكيل قوة درع الجزيرة، نتيجة اجتماعات متواصلة لمدة أربع سنوات ابتداء من عام 1983، وهو ما أعطاه مساحة واسعة للمشاركة في حرب تحرير الكويت، ولتكون قوات الإمارات المسلحة أول من يصل إلى المملكة العربية السعودية للانضمام إلى القوات المشتركة.

كذلك عقدت اجتماعات لتنسيق الإنتاج النفطي ودراسة الأسعار، بالإضافة إلى التوجهات المختلفة في مجال الجوازات والزراعة والثقافة والإعلام، جنباً إلى جنب مع نظم الاستثمار والأمن ومكافحة الإرهاب. كل ذلك جعل الشيخ زايد، رحمه الله، يشعر بالطمأنينة من خلال تجسيد وحدة العمل لدول الخليج العربية من خلال مجلس التعاون الخليجي، إنجازاً للنقطة الثالثة في رؤيته الثاقبة منذ أن كان حاكماً لمدينة العين وممثلاً للحاكم في المنطقة الشرقية في بناء أبوظبي المتطورة، وجمع الأشقاء في الإمارات في دولة اتحادية، وأخيراً في تحقيق وحدة العمل بين دول الخليج العربية.

ومع قمة الإنجاز الذي تحقق لرؤية زايد عبر سنين طويلة، عاش، رحمه الله، أثناء انعقاد جلسات قمة مجلس التعاون الخليجي في أبوظبي، لحظات قلق على صحة أخيه الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، رحمه الله، الذي أصيب بأزمة صحية حادة، وهي سبب غيابه عن حضور القمة، وخلال يوم واحد، يجري مكالمتين للاطمئنان على صحة أخيه، وبعد انتهاء القمة يزوره في دبي ثلاث مرات في أسبوع واحد بعيداً عن الإعلام.

رحم الله الشيخ زايد، مؤسس وباني الاتحاد، والمبادر الأول لتأسيس مجلس التعاون، والشيخ راشد العون والسند الصادق لأخيه في قيام صرحنا الشامخ، يتابع مسيرتهما خليفة بن زايد ومحمد بن راشد ومحمد بن زايد وإخوانهم أعضاء المجلس الأعلى للاتحاد حكام الإمارات، ومن حولهم شعب الإمارات الوفي لوطنه ورايته وقادته، حفظهم الله.