الاتحاد

منوعات

فاطمة الشحي: تعلمت «سفّ الخوص» في كهوف الجبال

فاطمة الشحي تواصل شغفها بحرفة «السّفة» (تصوير حسام الباز)

فاطمة الشحي تواصل شغفها بحرفة «السّفة» (تصوير حسام الباز)

خولة علي (دبي)

التراث روح المكان ونبضه الذي يعزف على أوتار الماضي، منشداً أعذب الألحان وأدق التفاصيل لتصوير مرحلة مهمة من تاريخنا وموروثاتنا، حيث كانت مساعي الأهالي قديماً تتمثل في تقديم مهن وحرف ومنتجات يدوية نستدل بها على ثقافة وتاريخ وحضارة المنطقة، لندرك مدى ما بذله أولئك الأولون في سبيل النهوض بهذه المهن والحرف التراثية التي ما زالت تشهد حضوراً نتيجة رغبة الشباب في التعرف على مكوناتها وتعلم تقنياتها والاطلاع على ماهية مفرداتها، منذ أن أفرزتها ظروف البيئة المحلية لتذليل مصاعب الحياة وقسوتها، بكل أبعادها الاجتماعية والاقتصادية وحتى السياسية.

ملامح أصيلة
وتنوعت الحرف والفنون والموروثات الشعبية، التي تجلت في أدوات وعناصر منوعة أصبحت مكوناً أساسياً لملامح البيئة المحلية في الماضي، حيث يحتضنها مركز الحرف الإماراتية، الذي يستضيف العديد من الزوار والسياح ليتعرفوا إلى جوانب عديدة من الحرف التراثية المحلية، وملامحه الأصيلة، كما يستقبل كثيراً من الباحثين الشغوفين بدراسة التراث الإنساني والتعرف على تاريخ وثقافة الإمارات، والوقوف على أهم المشغولات الحرفية الشعبية، التي تحاك وتنتج على أيدي الأمهات اللاتي عاصرن تلك الحقبة الزمنية، حيث سنحت لهن فرصة أن يتعلمن فنون هذه الحرف من أمهاتهن وجداتهن، فالمهن البدائية تمثل مرحلة مهمة في تاريخ وتطور الشعوب.

إرث مجتمعي
هنا تستوقفنا الباحثة والحرفية فاطمة الشحي، المختصة بعمل «السفة» (سف الخوص)، وهي صناعة أدوات من خوص النخيل، لتكشف عن محتوى ما تنتجه من أدوات ومشغولات تحولت إلى إرث مجتمعي يتم غرسه في نفوس الأجيال حتى يبقى حياً وحاضراً في الحياة العصرية كجزء من ثقافة الشعوب، لافتة إلى أن المرء لا يمكن أن يتخلى عن ماضيه، فهو امتداد لواقعنا اليوم وما نشهده من تطور، فنحن عبر بوابة الحرف نحاول جاهدين الحفاظ على هذا الموروث الذي نرى فيه ذكريات الزمن الجميل، ويصور رحلة أمهاتنا وجداتنا اليومية وهن يطوعن خامات البيئة المحلية كي يصنعن أدوات قادرة على تلبية احتياجاتهن اليومية.
وتذكر فاطمة الشحي بساطة الحياة قديماً على رؤوس الجبال وما فيها من مشقة وتعب وجهاد، فلم تكن أدواتنا سوى ما تنعم به الطبيعة القاسية، ومع ذلك لم نجلس مكتوفي الأيدي وإنما زرعنا وحصدنا ووضعنا الحجر تلو الآخر كي نشيد به المساكن القديمة ونحتمي بها من برد الشتاء القارس ولهيب الصيف القاسي، حيث اكتسبنا أساليب التعايش مع الطبيعة والاستفادة منها لنواصل مسيرة التعلم والإنتاج.

«المكبة» و«المهفة»
وتتابع الشحي، قائلة: ونحن صغار، كثيراً ما كانت تشدنا الحرف اليدوية باعتبارها مصدر التسلية الوحيد، فتعلمت حرفة «سف الخوص»، حيث كنا نجتمع أنا وصديقاتي من بنات القرية في كهوف الجبال كي نتعلم هذه الحرفة، ونتبادل الخبرات ولا ينتهي يومنا إلا وقد أنجزنا مرحلة جيدة من العمل، لنعيد الكرّة من جديد في اليوم الثاني، كما تعلمت الكثير على يد والدتي رحمها الله، من مهارات «سف الخوص»، وبعض الحرف الأخرى التي كانت البيوت قديماً تحتاج إليها.
وتشير الشحي، موضحة «مع تطور الحياة وتغير وتيرتها، ما زالت الحرف والمنتجات التراثية تعيش بيننا، حيث أحرص على العمل وإنتاج أدوات يمكن الاستفادة منها في الوقت الحالي، كالسفرة، والمكبة (غطاء الطعام)، وأغطية علب المناديل، ومروحة يدوية (المهفة)، وحقيبة لحمل الأغراض واستخدامها للرحلات أو التنقل، والكثير من الأدوات التي تواكب الحياة العصرية».

قصة فنانة فرنسية
تشير فاطمة الشحي، قائلة: بعض الجنسيات والثقافات الأخرى، تحرص على الإلمام بثقافة الشعوب وماضيها، وأذكر فنانة تشكيلية فرنسية كانت تتردد على مركز الحرف الإماراتية، لتتعلم بعضها، ومنها حرفة «السفة»، وكنت أقدم لها دروسا نظرية وعملية حول فكرة «سف الخوص»، بدءا من طريقة الحصول على الخامات وكيفية تطويعها، وحتى تناغم الأنامل مع الخوص لتبدع أشكالاً وأنواعاً مختلفة من المنتجات.
وبالرغم من صعوبة ومشقة الأمر، إلا أنها كانت حريصة على التعلم والتجربة واكتساب مهارات جديدة، فهي ترى أن الثقافات جميعها متشابهة، فمن الجميل أن يتعلم المرء جانباً من هذه الثقافات ويبحث في تفاصيلها، وكيف يمكن أن ينجز من خلالها أعمالا جديدة قائمة على المهارة والتعلم.

اقرأ أيضا

رقاقة ذكية تخزن البيانات على طريقة العقل البشري