الاتحاد

ثقافة

عابد عازارية يمزج روح الشرق بثقافات العالم

الفنان عابد عازارية وعلى يساره الإسبانية آنا فيليب

الفنان عابد عازارية وعلى يساره الإسبانية آنا فيليب

الحفل الموسيقي الغنائي العالمي الذي أقامه الفنان السوري عابد عازارية بمشاركة الإسبانية آنا فيليب، كان حدثاً فنياً وثقافياً بارزاً مهد للاحتفال الرسمي بإطلاق دمشق عاصمة للثقافة العربية لعام ·2008
في هذا الحفل المميز أطل عابد عازارية على الجمهور السوري لأول مرة، من خلال مسرح الدراما في دار الأوبرا بعد غياب في باريس دام أربعين عاماً، ليقدم استعادة فنية لروح الأندلس الإبداعية العالمية من خلال المزج بين الموسيقا العربية والغربية الكلاسيكية والفلامنكو الإسباني، حيث أعاد بأسلوبه الخاص تقديم عدد من النصوص الأندلسية من القرن الحادي عشر مع المغنية الإسبانية آنا فيليب، وفرقته التي تضم عازفين سوريين ومصريين وفرنسيين وأسبان·
وإذا كان عابد عازارية قد عرف باشتغاله على النصوص الصوفية القديمة معيداً قراءتها وتلحينها وتقديمها من خلال المزج بين الآلات الغربية والشرقية، فإنه في أمسيته الموسيقية استحضر الروح الشرقية بشكل معاصر عن طريق التغيير في الأداء والتنويع والتجريب الذي عرف به وعنه، كما أنه غامر باستخدام الآلات التي تبدو وكأنها متنافرة، فجاءت معزوفاته منسجمة، لتعبر عن قدرته على الإدهاش·
إن الفكرة التي يعمل عليها عابد، وينطلق منها في إبداعاته الموسيقية، تنبثق من أن حضارة الأندلس العربية لم تكن إلا نتيجة تمازج عدة ثقافات وشعوب، وهذه الفكرة يتم التركيز عليها من خلال فعاليات دمشق عاصمة للثقافة العربية، حيث تكررت الإشارة إلى أن الثقافة العربية هي ثقافة انفتاح وتفاعل مع ثقافات الشعوب الأخرى، وهكذا شاهدنا وسمعنا في الأمسية تداخلاً وتمازجاً مع لغة أسبانية مميزة، في غناء النصوص الأندلسية القديمة التي قدمتها ''آنا فيليب'' مع تداخل في الآلات الموسيقية المتنوعة التي قصد منها أن تكون جسراً بين الثقافتين العربية والأسبانية، حيث عكست أجواء الأمسية روح التفاعل بين فنانين من ثقافات مختلفة، فالمجموعة الموسيقية لعابد عازارية تألفت من موسيقيين عرب، ومجموعة من الموسيقيين الأسبان، وثالثة من الموسيقيين الفرنسيين، وكان على هؤلاء أن يشكلوا حالة من التمازج والانصهار، تقدم فناً جديداً ومختلفاً عن المألوف·
وهكذا تمكن الجمهور من الاستماع إلى عدة نصوص متنوعة ومتناغمة ثقافياً، وإلى مقطوعات إسبانية وعربية وفرنسية تعبر عن تفكير الفنان عازارية الذي يحمل روح الشرق ويمزجها بما عرفه من موسيقا فرنسية وإسبانية وإيطالية وأميركية، فإذا بنا نسمع مقدمة موسيقية (سماعي مع موليريا) لننتقل إلى ''نصيب'' ثم ''بين الرجا والتمني'' و''الحسن'' و''بين يديك'' و''صاح'' و''نقش'' و''يا غزال'' و''أيا قمراً''·
وقد أضفت المغنية الإسبانية آنا روحاً إضافية على الأمسية بصوتها الآسر وأدائها المميز، ثم برقصات الفلامنكو التي قدمتها مع الغناء·
لقد أمضى جمهور دمشق ساعتين من المتعة والانبهار بفن يعكس نظرة عربية للعولمة الإنسانية، وبتعبير أصيل عن عناق الثقافة العربية مع ثقافات العالم المختلفة، ولعلها رسالة تكون قد وصلت إلى الآخرين على الطرف الآخر من العالم·
يذكر أن عابد عازارية حلبي الأصل، وهو ملحن ومغن وكاتب استطاع في موسيقاه أن يجمع الآلات الكلاسيكية لأصوله العربية مضيفاً إليها الآلات الغربية، وقد وظف عابد في خدمة مؤلفاته صوته الدافئ الذي يلامس أجواء الطقوس الشعائرية الشرقية، مما حول أعماله إلى استحضار مستمر لذاكرة الروح الشرقية، دخل بموسيقاه إلى ملحمة جلجامش السومرية (2500 قبل الميلاد) وعرف كيف يعيد إلينا بصوته أهم قصائد المتصوفة كالحلاج والنفري ورابعة العدوية، كما غنى لكبار شعراء العرب الكلاسيكيين: المعري، المتنبي· والمعاصرين: أدونيس، ويوسف الخال، والماغوط، ومحمود درويش· ومن تسجيلاته الموسيقية: ملحمة جلجامش، وجد، توابل، عمر الخيام، فينيسيا، نصيب (تسجيل حي)، أغاني الحب والنشوة، وغيرها من الأعمال· وقالت عنه صحيفة ليبراسيون الفرنسية إنه يريد أن يضع جواهر الثقافة العربية في متناول الجميع·

اقرأ أيضا