لم يعد الحديث عن مصير «الأدب» في عصر التقنية جديدًا، أو غائبا عن فكر الثقافة المعاصرة، منذ بدأ العالم قبل ربع قرن تقريبا في توظيف التكنولوجيا الحديثة بأشكالها، وتفرعاتها في شتى مجالات الحياة، وتغوّلها في أدق تفاصيل حياة الأفراد، والمجتمعات والمؤسسات على اختلافها، وأصبح هذا التوظيف لهذه التكنولوجيا، معياراً لقياس مدى تفاوت المجتمعات فيما بينها مع انتشار مصطلح «الثقافة الرقمية» واتخاذه معيارا لقياس الهوّة التي تفصل الدول المتقدمة عن سواها في مسار التفاعل مع لغة العصر الحديثة، وانفتاحها بلا حدود. ولما كان من البديهي أن تطال هذه الثورة التقنية، بوسائطها التفاعلية الجديدة «الأدب العربي المعاصر» بكل تفريعاته الإبداعية، باعتباره وسيلة تفكير، وأداة تواصل إنسانية شديدة الالتصاق بحياة الإنسان وتطوره، ومرآة له في كافة تمظهراته اليومية فإن سؤال مستقبل هذا الأدب الذي بدأ شفهيًّا، وانتقل كتابيًّا ورقيًّا، وها هو الآن يتحول لمرحلة جديدة عبر الوسيط التقني إلى ما يسمى «بالكتابة الرقمية»، و«الإبداع الرقمي» والثقافة الرقمية، يشغل بال الثقافة العربية المعاصرة كسؤال مركزي، يسير جنبا إلى جنب مع مسألة الإبداع الفكري، جعلت بعض النقاد يذهب في حماسه حدَّ ربط مستقبل الثقافة العربية المعاصرة، وتطورها حضاريا، بالنصّ الرقمي، وبمقدار الاندماج في الافتراضية التي يفرضها الإبحار الإلكتروني كما جاء في كتاب الناقد سعيد يقطين الأول «النص المترابط والثقافة العربية». وكما أن كل انتقال حضاري جديد للفكر، يثير تساؤلات حول شرعيته، ومدى فعاليته، وواقعيته نحاول في «الاتحاد الثقافي» في هذا التحقيق طرح أسئلة الواقع بهدف التحليل، والتفكير وفق أدوات المرحلة الرقمية ذاتها، بعد استعراض تجربتين عربيتين رائدتين عربيا: الأولى مع الأديب الرقمي الأول الكاتب «محمد السناجلة»، والثانية مع الشاعر الرقمي الأول الناقد العراقي «مشتاق معن» لنطرح بعدها على عدد من النقاد العرب الأسئلة التالية: * هل جاءت العلاقة مع الرقمية بنمط جديد في الكتابة، له بلاغته الأدبية التي نستطيع من خلالها أن نتحدّث عن جنس أدبي جديد يعبر عن حالة جديدة ومنطق جديد من التفكير؟ * ألا يمكن أن يكون الانخراط في مسألة الأدب الرقمي، مجرد نزوة أو موضة عابرة،؟ أم أن المسألة محسومة معرفيا وثقافيا؟ * أليس مفهوم الإبداع الرقمي بالطريقة التي فُهِم بها قد يؤدّي بالأدب إلى الانقراض، ليفسح المجال لشكل من أشكال اللعب التفاعلي بين الإنسان والآلة، تزول فيه الحدود بين الإبداع والتلقّي، أو الكتابة والقراءة، لتنشأ منظومة من المفاهيم والمصطلحات تعبّر عن تجربة أخرى يفنى فيها مفهوما الكتابة والقراءة؟. محمد السناجلة: الديناصورات الورقية إلى انقراض صنف نقاد أعمال الكاتب الأردني «محمد السناجلة» مؤسس اتحاد كتاب الإنترنت العرب وأمينه العام، بالتجربة الرائدة، والجريئة في خوض غمار الأدب الرقمي مع عمله الأول «ظلال الواحد» 2001، ومن ثم مع «شات، ونص صقيع» ومؤخرا «ظلال العاشق» 2016، والتي استخدم فيها تقنية النص المترابط هايبرتكست ومؤثرات الملتي ميديا المختلفة من صورة وصوت وحركة وفن الجرافيك والأنيميشن ضمن البنية السردية نفسها، في تجسيد لمفهومه النقدي ومؤلفه «الرواية الواقعية الافتراضية» التي تواكب إبداعه السردي وتعبِّر عن التحولات التي ترافق الإنسان بانتقاله من كينونته الأولى كإنسان واقعي، إلى كينونته الجديدة كإنسان رقمي افتراضي«على ما جاء في الكتاب». وعن تجربته كأول أديب عربي كتب الرواية الرقمية، والشعر الرقمي يقول السناجلة: الأدب الرقمي أو التفاعلي كما يطلق عليه بعض النقاد من وجهة نظري الخاصة هو أدب المستقبل، وذلك لأن هذا الأدب يعبر عن روح العصر الرقمي الذي أخذنا نعيش فيه بامتياز، وهو عصر جديد ومختلف عن كل ما سبق للبشرية أن مرت به. لنقل إنه نقلة نوعية أو قفزة حضارية جديدة للإنسان، وفي هذا العصر ولد إنسان جديد تماما، هو الإنسان الافتراضي الذي يعيش في مجتمع جديد هو المجتمع الرقمي. وهذا الإنسان الافتراضي بمجتمعه الرقمي الجديد، ومشاكلة المختلفة يحتاج لأدب خاص ومختلف يعبر عنه وهذا هو الأدب الرقمي. فالأدب الرقمي ليس بدعة ولا فقاعة في الهواء، بل هو شيء أصيل ولد من رحم المجتمع الرقمي، وسيسود تماما في المستقبل بينما ستتلاشى رويدا رويدا بقايا الديناصورات الورقية التي لم تستوعب بعد كل تداعيات هذه الثورة التي لم يسبق لها مثيل في التاريخ. وعن تفاعل الجمهور مع هذا النوع من الأدب يضيف السناجلة « في بدايات تجربتي قبل نحو 15 عاما كان التجاوب قليلا بل وعدائيا في كثير من الأحيان، وذلك شيء طبيعي وقتها، حيث لم تكن تجليات الثورة الرقمية واضحة كما هي الآن، وقد هاجمني الورقيّون بشدة، وقسوة في بداياتي، أما الآن فالوضع مختلف تماما، الإنترنت في كل مكان، وأصبحت ضرورة لا غنى عنها للجميع، وهذا انعكس بشكل إيجابي كبير على ما أكتبه، وغدت كبريات الجامعات العربية تدرس رواياتي في كلياتها، وهناك عدد كبير لا أستطيع حصره من رسائل الماجستير والدكتوراه حول الأدب الرقمي عموما، وتجربتي الشخصية بشكل خاص، والأمر في تزايد مستمر. ويرى الكاتب والصحفي الرقمي محمد السناجلة «أننا أمام لغة كتابية جديدة وبلاغة جديدة وأدب جديد لعالم جديد ومختلف، ويقول: بالتأكيد، نحن أمام بلاغة أدبية رقمية جديدة ومختلفة، وهذا الأدب ــ أطلقت عليه اسم «الواقعية الرقمية» ــ يعتمد أكثر على الصوت، والصورة والحركة ومؤثرات الملتي ميدا المختلفة من جرافيكس وأنيميشن والبرمجة وغيرها، لغة جديدة تماما تتشكل وتغدو معها الكلمات جزءا من كل، بل إن هناك مشاهد ومقاطع كاملة في رواياتي وقصائدي لم أستخدم فيها كلمة واحدة، حيث كانت اللغة المستخدمة هي لغة حركية تفاعلية بالكامل. ما نشهده هو عصر إبداعي جديد، يهضم كل ما سبقه من أجناس أدبية، وإبداعية وتقنية، ويعيد خلقها في أدب جديد ومختلف. وعن الأدوات اللازمة التي يجب على الكاتب والشاعر التعامل معها في استيعاب لعبة التفاوضية الرقمية يقول السناجلة من واقع تجربته: من أهم صفات الكاتب الرقمي استخدام وسائل العصر الرقمي في الفعل الكتابي الإبداعي، ويدخل ضمن هذا الباب استخدام مؤثرات الملتي ميديا من صوت، وصورة وحركة، وجرافيكس..الخ في الكتابة، أي اجتراح لغة جديدة كاملة ومختلفة لا تعتمد على الكلمة فقط، بل تغدو الكلمة جزءا واحدا منها، وفي بعض الأحيان يمكن الاستغناء عنها تماما، كما فعلت مع بعض روابط قصة «صقيع» مثلا. أيضا على الكاتب أو الأديب الرقمي أن يستخدم البعد التشعبي (الترابطي) في الفعل الكتابي، فلم تعد الكتابة خطية أفقية، بل أصبحت كتابة ذات أبعاد مختلفة ومتعددة، يوفرها إمكانية استخدام الروابط، أو الهايبرتكست، وهذه إمكانية هائلة تعطي للكاتب والكتابة غنى لم يكن متوفرا لها في السابق. ما سبق يعني تغير معنى الكتابة والكاتب نفسه، فلم تعد الكتابة مجرد كلمات على ورق، والكاتب نفسه أصبح مطلوبا منه إتقان لغة أخرى، الكلمة فيها جزء من كل. وهذا الكاتب الجديد هو الكاتب الرقمي الضليع بهذه اللغة الجديدة. مشتاق معن: التفاعلية تؤمن بالآخر شريكاً لا جحيماً الشاعر الدكتور العراقي مشتاق معن (دكتوراه من كلية اللغات في جامعة صنعاء)، لا يستسيغ على ما يبدو اصطلاح «الواقعية الرقمية»، فنادى بـ «المجازية الرقمية»، لأنّ المجاز حسب تعبيره: هو المنفذ الحيّ الذي تنفذ منه الإبداعات نحو العوالم الموازية، الموصوفة بالحرية والمغايرة، ومن دونها لا يكون الشعر شعراً. شكلت مجموعته الشعرية التفاعلية « تباريح رقمية لسيرة بعضها أزرق» العام 2007 أول شكل من أشكال القصيدة الرقمية التفاعلية، وعن تجربته يقول: على المبدع أن يحيا عصره، ليستطيع أن يتناغم و (أفق انتظار) المتلقي الذي يجايله، ومن الطبيعي أن يفشل ذلك التناغم إذا بقي المبدع يتنفّس هواء عصور غير عصره، فالحياة هي ما (آن) وما (سيكون) لا ما (كان)، لذا واكبَ تجربتي الرفضُ من بعض المتلقين المتخصصين، نقادّا وسواهم، فضلا عن المتلقين العامين الذين يتحكمون في تلقي الرسائل الإبداعية أو غيرها بانطباعية ذهنيتهم ومساراتهم الثقافية التي تضادِد الخطوات التي اعتادوها، لكن التفاعلية تؤمن بالآخر شريكاً لا جحيماً – بحسب سارتر-، وتؤكّد أنفاس المتناولين لها بالنقد أكثر من المؤيّدين، لأنها تسعى إلى صناعة توازن نفسي بين أفراد المجتمع الكونيّ، سعياً للتعايش بانفعال إيجابيّ، والخروج من قيود الواقع إلى بحبوحة الافتراضي، ذلك العالم الذي يوازي عوالمنا بانفتاح وأريحية من دون مناكدة، فأفضل ما قدّمته لي تلك التجربة: أنْ جعلتني أقنع نفسي – على الأقلّ – أني أحيا عصري. وحول الأدوات الجديدة التي يفرضها الأدب التفاعلي يضيف «معن»: لاشك أن لكل ثورة معرفية وسائلها المعبّرة عن ملامحها، فالكتابية التي بانت ملامحها على هامش الشفاهية، كان «الوسيط» الناقل لمعارفها ورسائل تواصلها هو الحدث الأوفر حظاً في واجهتها التجديدية، لأنّه في محكّ مباشر مع تخاطبات البشر ونتاجاتهم، وهو ما حدث مع الثورة الأحدث – أعني: الإنفوميديا – فهي قدّمت وسيطاً جديداً تمثّل بـ «الكمبيوتر» الذي جاور الوسيط التقليديّ – طويل العمر – أعني: الورق، فوسيط الثورة الجديدة عوّض كثيراً من فاقات الوسيط التقليدي «الورق»، فالأول؛ وسيط مشارك بحيث يمكّن المتلقي من إعادة تخليق النصّ من جديد عبر التعديل في برمجة النصّ وهو ما لم يكن متاحاً لمتلقي النصّ الورقي، إذ كان عليه أن يتلقّى النص الورقي كما هو ولا يتدخّل في تعديله إلا عن طريق التأويل، وعليه كان الوسيط الإلكتروني «الكمبيوتر» وسيطاً مشاركاً على خلاف الوسيط الورقي الموصوف بالحياد، أنّه ينقل ما يريده المرسل غير متيح للمتلقي أن يبدي مشاركته في العملية التبادلية للإبداع، لذا كان المتلقي مع النصّ الرقمي مشاركاً لا متلقياً فقط، إيذاناً ببداية تحوّل جديد في وحدات التواصل الكلاسية. فالنصّ التفاعلي الرقمي – في اعتقادي – منفذ لتحقيق أحلام المبدعين. لذا لا يمكن أن تكون فلسفة الإبداع التي تحكم المبدعين في العالم الورقي هي عينها فلسفة الإبداع في العالم الرقمي التفاعلي، ولعل أهم موازين التغيير: مناقشة قيدية الملكية الإبداعية للرقميين، فالمبدع ينتهي دوره بإنتاج نصّه ليتمكن المتلقي من مشاركة النصّ، فيتحوّل بذلك إلى مبدع ثانٍ للنصّ، وهكذا، فهذه «القيدية» لم تكن موضع مناقشة في فلسفة المبدعين في ظل العالم الورقي، بل كان يحكمهم نسق (علينا أن نقول وعليكم أن تتأوّلوا)- بحسب الفرزدق-، فليس للمتلقي أن يشارك المبدع في توجيه النصّ سوى تأويله. وعن مفهومه لمصطلح «الجملة التفاعلية»، كما جاء في كتبه ولا سيما «ما لا يؤديه الحرف»، أوضح الشاعر معن: إنّ تأثير التفاعلية في الإبداع لا يتوقّف عند حدود فلسفة الإبداع وطبيعة الوسيط، بل تعدّاه إلى طبيعة النصّ ومكوناته، فقبلا كان الحرف هو سيد النصّ الورقي، ولا قيمة للصوت أو الصورة إلاّ كمؤثرات خارجية، أو ربما تكون الصورة زينة، إلاّ في بعض التجارب التي حاولت أن تقدّم للشكل العام للنصّ على نحو ترسيمة أو شكل تقريبي لكائن أو سواه، وما عدا ذلك فالحرف هو السيد الرئيس للنصّ الورقي، أما الوسيط الجديد «الكمبيوتر» وبإمكاناته البرمجية الفائقة فقدّم بديلا لسيادة الحرف، مفاده مساواة المستويات الثلاثة الأخرى له في بناء النص، وهي المستوى الحرفي، المستوى البصري، المستوى السمعي، المستوى التوليفي، لا بوصفها مؤثرات خارجية، أو مكونات تزيينية، بل على أنها عناصر بناء داخلية للنصّ، لذا طرحتُ مفهوم «الجملة التفاعلية» بديلا عن مفهوم «الجملة» التقليدي في اللسانيات، لأن المفهوم التقليدي لا يحكم إلاّ الحرف، على حين الجملة التفاعلية تحكم أربعة أنماط من المكوّنات هي الحرف، الصورة، الصوت، التوليف، مضافاً إلى لحاظ الثقافة وتأثيراتها في توجيه البناء والدلالة والمقصد. محمد هندي: الرقمي لا يعني اختفاء الورقي الأدب يتغير بتغير المجتمع: الدكتور الشاب محمد هندي (مدرس الأدب الحديث في كلية الآداب جامعة سوهاج - مصر) يقول: بات معروفا في النظرية النقدية والأوساط الإبداعية أن الأدب يتغير بتغير المجتمع من حوله، فما كان يميز العصر الجاهلي مثلاً يختلف كما وكيفا مع ما أنجزه عصر اليوم، عصر التكنولوجيا الرقمية، كذلك من المسلمات النقدية أن مع تغير الوسيط الناقل للتجربة الأدبية يتغير الإبداع المنتج، فالتجربة التي تقدم في وسيط ورقي تختلف عن تلك التي تقدم في وسيط سينمائي أو رقمي (الكمبيوتر). ومن هنا لمّا ظهر الوسيط الجديد المتمثل في التكنولوجيا الرقمية الممثلة في الكمبيوتر المتصل بالإنترنت، كان طبيعيا أن يظهر الأدب في شكل جديد، فهو أدب، لأنه يتضمن تجربة ذاتية معبرا عنها بالكلمة، ورقمي، لأنه قُدِّم من خلال العالم الرقمي، مع الإفادة من المعطيات التقنية التي يوفرها من صوت، وصورة، وحركة، وهيبرلينك، وهذا ما ظهر في كثير من الأعمال الإبداعية العربية، مثل: رواية شات لمحمد سناجلة، وأعمال محمد اشويكة القصصية، وقصة ربع مخيفة لأحمد خالد توفيق. وردا عن سؤال حول هل يمكن للأدب الرقمي أن يحل مكان الأدب الواقعي؟ يقول د هندي: هذا السؤال كثيرا ما طُرح في الكتابات النقدية التي تهتم بالرقمية وعلاقتها بالأدب، وأن الرقمي سيكون بديلا عن الأدب الواقعي الذي يقدم عبر الوسيط الورقي، ويمكن القول إن تطور الأدب لا يعني انفصاله عما قبله، بل إنه في كل مرحلة من مراحله يعد تكملة واتصالا للمرحلة السابقة لكن في ثوب جديد، يتلاءم مع روح العصر، وأن القضية الأساسية تكمن في قدرة المبدع على التعبير، والإفادة من الوسيط، وكما قلت آنفا إن الأدب الرقمي في كثير من جوانبه واقعي، لأنه يعبر عن تجربة ذاتية مرتبطة بإنسان واقعي، لكن الاختلاف يكون في الوسيط الناقل للتجربة، كما أن ظهور الوسيط الرقمي لا يعني اختفاء الوسيط الورقي. سعاد العنزي: القراء السطحيون خطر على الأدب د. سعاد العنزي أستاذة النقد الأدبي بجامعة الكويت تقول في هذا السياق: نحن لا نستطيع تجاهل التقنية لأنها تقدم الكثير لنا، أهمها تسهيل سبل الوصول إلى المعرفة وتوصيلها إلى القارئ، بالإضافة إلى التواصل مع القارئ العربي والأجنبي بأقل تكلفة. وما دام الشيء مفيداً، لم لا نربط المستقبل الإبداعي والثقافي والتعليمي والتربوي به، ولكن مع الكثير من الوعي بطريقة تعاملنا معها، بأن تكون وسيطاً مفيداً للكتابة الجيدة التي تستند إلى معايير معينة، لا نردمها تحت شعارات الاستسهال السائدة في الثقافة الراهنة. كتابة النص الجيد تتطلب ثقافة ووعياً بالأجناس الأدبية واشتراطاتها، أتمنى أن لا تكون التقنية والبهرجة السمعية والبصرية والمتلقي الإلكتروني سهل المراس المعرفية سبباً كافياً لتجاوز شروط الكتابة الإبداعية الرصينة. وحول تأثير التقنية على معايير الأدب العربي بشكل خاص قالت د. العنزي: «الأدب العربي بشكل خاص كان في خطر قبل تغول التقنية، وذلك بسبب عوامل ثقافية متنوعة أهمها ضعف الاشتغال المعرفي والجمالي والفلسفي على النصوص الإبداعية، والاستسهال في النشر، اعتماداً على شبكة العلاقات الثقافية، وعدم تطوير الذات الإبداعية، والاكتفاء بالنجاحات الإبداعية المبكرة، وغيرها من أسباب محاربة المؤسسات السياسية والاجتماعية للمثقفين الجادين. وفيما بعد عهد التقنية ظهرت لدينا أزمة القراء السطحيين الذين يبحثون عن نوع بسيط من الأدب يقدم لهم القصص العاطفية الساذجة، والعبر والمواعظ الدينية المباشرة، وهم الذين يساهمون برفع أسهم كتاب معينين لبساطة أفكارهم وقربها من عالمهم الفكري المتواضع. أعتقد أن هذه أهم الأسباب التي تجعل الأدب في خطر. غسان عبد الخالق: سلطة الورقي لانهائية غسان إسماعيل عبد الخالق - رئيس جمعية النقاد الأردنيين - عميد كلية الآداب والفنون في جامعة فيلادلفيا الأردنية يقول: لست من أنصار النظريات القيامية! وأعني بها تلك النظريات التي تربط المستقبل، بأدوات أو وسائل أو أشكال محددة. الأدب الرقمي شكل من أشكال التعبير عن الأدب ومرحلة تاريخية أساسية. لكنني تعلمت من تاريخ الأدب أن الأشكال تتصارع ظاهرياً لكنها تتضافر في العمق لتلد المزيد المزيد من الأشكال. وباختصار شديد فإن من يعتقدون ثقافة الورق ستختفي فهم واهمون جداً جداً، لأن التاريخ البشري، واقعياً، وميتافيزيقياً، ليس سوى نتاج السلطة اللامتناهية للحرف والكتاب والورق.. وأضاف قائلاً: أجد أن النقاد الذين يربطون مستقبل الأدب بالمدونة الرقمية هم منقوعون في المبالغة من قمة رؤوسهم حتى أصابع أقدامهم، وليسوا أكثر من متزلّقين على سطوح الإثارات الإعلامية التي لا تليق بالنقاد الرصناء. وأكد «عبد الخالق: «لا شك في أن الفضاء الأزرق من فيسبوك وسواه منبر استثنائي إذا أُحسن استخدامه من جانب المثقفين والمبدعين، بعيداً عن المهاترات، لكنه - الآن - يكاد يتحول في كثير من الأحيان إلى كوارث حقيقية لا تقتصر على حدوده الافتراضية، بل تمتد لتطال كثيراً من مساحات الواقع. مشكلة الفضاء الأزرق تتمثل - في تقديري - بأن العامل الحاسم في المفاضلة بين المحلّقين في أجوائه هو المثابرة وليس الإبداع! ويضيف غسان عبد الخالق حول سمات الأدب الرقمي الجديدة قائلاً: هذا النوع لا شك باتت له بلاغته وسماته الاتصالية العامة، والأدبية الخاصة من ناحية التكثيف اللغوي، تعميق الدلالة والمعنى، إلى جانب تفعيل نظرية تداخل الأجناس، تصعيد الصورة، العمل على ابتكار المزيد من الاستعارات، إلى جانب تفعيل إمكانات الاستعارات النائمة في أحضان معجم الحياة اليومية، والإفادة من المفارقات اللغوية والدلالية والصورية التي يحفل بها هذا المعجم، تعزيز النصوص بالعديد من المؤثرات الصوتية والبصرية حرصاً على تفعيل نظرية تراسل الحواس وامتلاك ما يسمى البلاغة المضاعفة، ولكن هذا يقتصر على ما يستحق أن يسمى أدبا، وهو قليل جداً للأسف _ لأن المدونة الرقمية تشتمل أيضاً على كثير جداً من الغثاء الذي لا يستحق مسمى الأدب أو البلاغة. ثائر العذاري: الشكل الرقمي مسألة حتمية الدكتور ثائر العذاري «أستاذ الأدب الحديث في جامعة واسط - العراق» يقول: إن الانتقال إلى الشكل الرقمي للأدب قضية حتمية، ولن يستطيع أحد الوقوف في وجهه، بالضبط كما كان الانتقال من الشفاهية إلى الكتابية حتمياً، لكن هذا لا يعني إطلاقاً موت الأدب الكتابي كما لم تؤدِّ الكتابة إلى موت الأدب الشفاهي الذي ما زال حاضراً خاصة في الفنون الشعبية، ولكن منزلة الأدب الكتابي ستتراجع ليصبح في منزلة الأدب الشعبي، فحركة التاريخ حتمية، ولا يستطيع أحد عرقلتها، ومن يحاول ذلك يضيع وقته، وجهده حتى يستفيق ليجد نفسه وقد أصبح في ذيل الركب الإنساني. وأضاف د. «ثائر» قائلاً: برأيي نحن نعيش الآن عصراً انتقالياً يشبه تماماً عصر تحول الإنسان من الشفاهية إلى الكتابية، وما تغير ليس مادة الوسيط بل نوعه، وأسلوب عمله. وحتماً للأدب الرقمي بلاغة جديدة يفرضها الوسيط الجديد يمكن أن نسميها (البلاغة المتعددة الوسائط) أو (بلاغة الملتيميديا)، وهذا ما نراه اليوم من أثر كبير أدت إليه الكتابة، فقد أصبح للنص الأدبي وجود بصري مع كل ما تبع هذا من تطور في فنون البلاغة والرمز والعلامة. ونحن ما زلنا نعيش مرحلة التحول ومحاولة التمسك بالوسيط الورقي. وحول تأثير هذا التطور الرقمي على الأدب يضيف د. ثائر قائلاً: إن أهم ما يمنحه الفضاء الرقمي للأديب هو سهولة الوصول إلى أي مكان في العالم ومخاطبة أي نوع من المتلقين، فضلاً عن الإمكانيات الإبداعية اللامحدودة التي تتيحها الوسائط المتعددة. أما سلبياته فهي عديدة أيضاً وتحتاج لمساحة أكبر. نبيل سليمان: واقع خُلَّبي سببه الانبهار الناقد السوري «نبيل سليمان اقترح مصطلح «الواقع الخُلَّبي» بدلاً من «الواقع الافتراضي»، ورأى أن يسمى هذا النوع الجديد من الأدب أي اسم إلا رواية. وقال: من المؤكد أن لوسائل الاتصال الحديثة صلة ما بالأدب، وشكل الأدب القادم، لكن يبقى مدى عمق هذه الصلة مرهوناً بقوة المؤثرات من جهة، وبالزمن من جهة أخرى، فعندما اخترع الهاتف النقال أصبح فجأة جزءاً أساسياً، ووسيلة الاتصال والتواصل بامتياز، ورأيناه يتسلل بقوة إلى الرواية سواء عبر صيغة الرسائل القصيرة، أو عبر غزارة الحوارات الهاتفية، لكن الفورة الكبرى جاءت مع الفيس بوك، والتويتر والإنستغرام التي جاءت معها غزوة وسائل التواصل الاجتماعي لكل جوانب الحياة، وكان لذلك لا شك وجوه إيجابية في غزارة التعبير، وتمتين العلاقات الإنسانية، كما كان له آثار سلبية في الكثير من التمظهرات الأدبية نتيجة المنبهرين بسمات هذه الفضاءات الزرقاء الافتراضية من سرعة، وبساطة، وتواصل فكانوا فريسة وضحايا السهولة والبساطة، وعدم العمق الفكري، والثقافي أو حتى اللغوي كما خدعتهم النجاحات السريعة والكبرى في الوصول إلى شرائح كبرى. فالآن بتنا نسمع عن الشاعر التويتري، أو الشاعرة الفيسبوكية وعن آلاف اللايكات منذ السطر الأول دون معيار جاد أو حقيقي لماهية وعمق هذا الإعجاب السريع الذي لن يخلق تأثراً، وتأثيراً حقيقياً له عنصر الديمومة وكل هذا لا شك على حساب الجوهر الحقيقي للأدب. وختم سليمان حديثه بالقول: «إن زمن الرواية العربية الآن يتلاطم بالأمية، والرقابة، ومعوقات النشر والترجمة، لذا نتساءل عن الرواية العربية التي تنحو نحو الافتراضي والواقعي، والتي تنحو نحو العاطفة، أو عن الضوء الذي يمنح العين أيادي، واللمس البصري، متسائلاً عن مصير الكاتب الأعمى الذي هيأت له التكنولوجيا الرؤية عبر تشكيلات الضوء وتحولاته. زهور كرام: كل شكل تعبيري جديد يقترح بلاغة جديدة النّاقدة والروائية المغربية الدكتورة «زهور كرام» من القلائل الذين تصدوا بجرأة، نقدية وتنظيرية، لمفهوم الأدب الرقمي، وخاضوا فيه بحثاً وسجالاً نقدياً عميقاً، تقول: لنُذكّر أولاً بضرورة التفكير في «الأدب الرقمي» أو علاقة الكتابة الأدبية بالتكنولوجيا، من مدخل نظرية الأدب، والدعوة إلى اعتماد هذا المدخل في عملية تمثل هذا الشكل من الكتابة، الذي يسمح بتحصين هذا الموضوع من كل انفلات معرفي قد يشوبه. وتضيف: إن هذا المدخل يُقدّم لنا إمكانات متعددة لإنتاج وعي موضوعي بمنطق تحول وتطور الكتابة والأدب معاً. ذلك، أننا إذا انشغلنا بـ«الأدب الرقمي» خارج منطق نظرية الأدب، فإن مجالات أخرى كالتكنولوجية مثلا قد تؤثر في عملية الفهم، مما يُعطّل انخراطاً مسؤولاً، معرفياً، ومنهجياً في هذا الشكل من الأدب. تحوّل وترى الدكتورة كرام أن نظريّة الأدب تُعبر عن مسارات تحوّل وتطوّر الأدب نظاماً وشكلاً، ومن ثمّ رؤية، لأن تحوّل نظام الأدب مشروط بتحول وسائط التواصل. فلا يمكن الوعي بالتّحول التاريخي للمجتمعات، في غياب الوعي بتحوّل شكل التعبير لهذه المجتمعات. الأمر الثاني الذي ندعو إلى التركيز، عليه باعتماد مدخل نظرية الأدب، أن هذا الشكل الجديد في الكتابة الأدبية مع الوسيط التكنولوجي، لا يشكل قطيعة مع الشكل المألوف للكتابة الأدبية، كما لا يُعتبر ظاهرة استثنائية ذات علاقة بلحظة تاريخية، سرعان ما يتم التراجع عنها، إنما هي استمرار للكتابة الأدبية، في إطار منطق التّحول والتّطور الذي يعرفه الأدب بشكل عام، ومع الكتابة الرّقمية ندخل عالماً جديداً في التعبير، ومختلفاً جوهرياً في طبيعة دعامته التكنولوجية، وتقنياته الجديدة التي تفتح المجال أمام ظهور لغات جديدة. وتوضح كرّام أن كل شكل تعبيري جديد يقترح بلاغة جديدة، إنما تحقق البلاغة يظل مشروطاً بصدق التجربة. ونعني بمفهوم الصدق عدم افتعال الكتابة الرقمية، أو الاحتكام إلى الوسيط التكنولوجي دون المرور من منطق الأدب، والذي يظل قائماً مع كل أشكال التعبير في مختلف الوسائط. للأدب جوهرٌ تبحث فيه نظرية الأدب، وتُحذر من الانفلات منه. وعندما نتحدث عن أدبية الأدب، فنحن نشير إلى القوانين التي تُحصّن جوهر الأدب، حتى لا يتحوّل الأدب إلى خطاب غير رمزي. ولهذا، عندما تتحقق تجربة الكتابة الأدبية الرقمية، فإنّها تبني شكلها ونظامها، وبلاغتها التي تقترح رؤية جديدة للعالم. هذه الرؤية التي يُحوّلها النقد عند تفكيكها، وبناء خطابها إلى معرفة ووعي جديد يُساهم في الفهم والمعرفة. خواصّ وحول سؤال عن كيفية تحديد خوّاص هذا الادب الجديد، وما الذي ينطوي تحت هذا المفهوم من تغييرات أدبية، تقول الدكتورة كرّام: إن الاقتراب النقدي من كل شكل أدبي جديد، هو اقتراب من المعنى الجديد الذي تقترحه العلاقة بين الشكل الأدبي وشكل العالم. وكل تحول «إبستيمي» للمعرفة والكتابة والأدب، ينتج مقاربة جديدة للمعنى، ويتمثل ذلك في إعادة ترتيب مكونات العملية الإنتاجية للمعرفة والكتابة والأدب، حيث يُقدّم الأدب الرقمي نظاماً مُغايراً للنّص، عبر ترتيب مُغاير لعناصره، ودخول عناصر جديدة، إلى مجال التأليف، تصبح لها سلطة تصريف نظام النّص. ولعلّ أهم خصوصيات هذا الأدب تبدأ من كونه يُكتب ويُقرأ عبر شاشة الكمبيوتر، وعبر وسيط البرامج المعلوماتية، ما يجعل اللّغة المعلوماتية تدخل عنصراً مكوناً لعملية النّص، إلى جانب لغات أخرى مثل الصورة وعناصر أخرى. فنحن إذن، أمام لغات عديدة تابثة ومتحركة تُنجز نصا بشكل ممكن. والممكن هنا، يُعطي الصلاحية لدخول القارئ، ليس باعتباره مجرد متلق لنص جاهز، أو مُفكك لنظام قائم، إنما القارئ يتغير أيضا مع تجربة الأدب الرقمي، لأن نظام النص الرقمي خاصة مع عنصر الترابطي يقترح أن يكون القارئ مُؤلفا. وتوضح كرّام أن التأليف يتشكل في مستوى القراءة من علاقة القارئ بتجربة النص، وقدرته على اختيار الرابط وتجربته في السفر بالروابط. وهناك لم نعد نتحدث عن تكوين سابق للقارئ، إنّما القارئ يتكوّن مع لحظة التجربة، وذلك مشروط أيضاً بنوعية التجربة، وإذا كانت في المستوى الأدبي، بمواصفات رقمية غير مُفتعلة، فإن القارئ يبدأ في التكوّن والتشكل، وإن أبدى اندهاشه من التجربة في البداية، وعبر عن الإحساس بالصعوبة، فإن شيئاً ما قد بدأ يتغير في أسلوب القارئ، وفي موقعه، وانتظاراته، وقدرته على خوض التجربة والتعلم منها. لهذا تعتبر كرّام أن القراءة الرقمية هي تجربة وثقافة وحالة، ونحن نحتاجها حتى نستوعب أشكال التحوّل التي تحدث للإنسان مع استخدامه للتكنولوجيا، التي أصبحت أمراً يفرضه شرط الحياة العامة، لكننا نحتاج إلى وقفة تأمل في هويتنا الجديدة، مع الزمن التكنولوجي وموقعنا، وأفعالنا، ومن ثمّ رؤيتنا للعالم والذات. وعن تحمّس بعض النقاد لمفهوم الأدب الافتراضي أوالرقمي، وربطهم لتطور مستقبل الثقافة العربية بالنص الرقمي، وبمقدارالاندماج في الافتراضي. وهل يمكن التعويل على حامل مادي كعامل حاسم، وأساسي في عملية فكرية تخيلية نفسية إبداعية، تشرح الناقدة كرّام قائلة: إن مقاربة هذا السؤال تأتي من وضعية التعبير الشفهي الذي لم يندثر عندما حلت الطباعة، وبقي وسيطاً تعبيرياً، من خلاله تُعبر المجتمعات عن طموحاتها وعوالمها وثقافاتها، بل نرى اليوم، حتى مع زمن التكنولوجيا، عودة إلى التعبير الشفهي من خلال الاهتمام به علمياً، وأكاديمياً، وثقافياً ومعرفياً. حيث إن الشفهي والطباعة والتكنولوجيا هي وسائط يُعبر بها الإنسان عن ذاته والعالم من حوله، ولكل زمن وسائطه التي تتطور مع تطور العقل البشري، ووظيفته، وفي ذات الوقت تستجيب لحاجيات الإنسان، وبالتالي، فإن ظهور وسيط جديد للتعبير لا يعني موت أشكال التعبير الأخرى. فقد تحدث الهيمنة للتعبير عبر الوسيط الجديد، إذا كانت الشروط تسمح بتطويره، لكن لا يمكن أن نتحدث عن موت الأشكال السابقة. وبالنسبة للوسيط التكنولوجي تقول الناقدة والروائية المغربية إن هناك حقيقة لابد من التعبير عنها، وهي أن هذا الوسيط لم تتشَربه بعد التربة العربية، لكي يتحوّل إلى وسيط طيع أمام التعبير الإبداعي والفني. لذلك، فنحن نفكّر ونتحدّث عن الأدب الرقمي أكثر من الحديث عن تراكم النصوص الرقمية، وهنا أيضاً لابد أن نسجل هذه الملاحظة، ونُحوّلها إلى سؤال نشتغل به. وهي: لماذا لا نتوفّر على نصوص أدبية رقمية كثيرة، تشكل متناً مهماً يسمح بالتأمّل في الظاهرة الأدبية عبر الوسيط التكنولوجي؟ ولعلّ هذه الوضعية تُفسّر علاقتنا بالتكنولوجيا، هل هي علاقة وظيفية أو استهلاكية؟. وعندما تبقى التكنولوجيا في مستوى الاستهلاك، فإنها لاتستطيع أن تُؤثر في الذهنية، ولاتسمح بتحريرها. وعند سؤالها: هل يمكن للوعي الإبداعي، والوعي النقدي أن يكون رقمياً، أجابت: الرقمي هنا يعني طريقة التفكير في الأدب الرقمي. وعندما يتغير نظام الكتابة الأدبية، ويختلف ترتيب عناصرها من شكل إلى آخر، ومن وسيط إلى آخر، فإن فعل التفكير في هذه الكتابة يتغيّر أيضاً. وعندما يتغيّر نظام التعبير، تتغير مفاهيم الأدب، ورؤيته، ومن ثم يتغير التفكير الأدبي. وقارئ النّص الرقمي ليس هو القارئ عبر الورقي، كما أن كاتب النص الرقمي ليس هو الكاتب عبر الورقي. المفاهيم تتغير، فتُحدِثُ تحولاً في منظور الأدب. نعم يمكن الحديث عن الوعي الأدبي الرقمي، والفكر النقدي الرقمي، لكن بشرط ألا يتم توريط الأدب، ومعه النقد في أسئلة لا أدبية، مثل تكنولوجية الإبداع، وهل التكنولوجيا تستطيع أن تمنح الإحساس للقارئ، وكيف يستطيع القارئ أن يتذوّق الإبداع عبر التكنولوجي. إنّها أسئلة قد تُبعد بالنقاش خارج الإطار المعرفي الذي تتم فيه عملية الأدب وقراءته. وكل أدب جديد يقترح من خلال نظامه شكل تلقيه، فيطور نفسه، وفي ذات الوقت يُطور القارئ معاً. وهكذا، يحدث التطور الثقافي والحضاري من هذه العلاقة التفاعلية بين الإنسان وشكل تعبيره عن ذاته في زمن معين وعالم محدد، وتُحوّل القراءة هذا التعبير إلى نظام تأويلي للذات والعالم. فالمسألة ذات علاقة بالإمكانات البنيوية التي يقترحها النّص الرقمي للقارئ من جهة، ثم قدرة القارئ على الانخراط في هذا التحول والانتماء إلى نظام الكتابة الجديد من جهة ثانية، حتى يستطيع أن ينتج وعياً من شكل تعبير الإنسان عبر الوسيط التكنولوجي. ولعل أهم مكون يقترحه النص الرقمي هو عنصر الترابطي الذي يميزه، والذي يُؤدي إلى تحول في موقع القارئ ووظيفته وفعله. إذ ينتقل من مجرد متلق، أو مُشارك، لكن من خارج النص، إلى مؤلف يدخل في شراكة مع المؤلف الرقمي للنّص. ولعل المسألة مرتبطة بمفهوم الشراكة، والتدبير الجماعي وأحقية الفرد في صنع نظام المادة، كما تقترح المعرفة الاقتصادية، وفلسفة حقوق الإنسان، وسياسات التدبير مع الزمن التكنولوجي. موقف النقد وعن تعامل النقد العربي مع التطور الرقمي، كالفتح العظيم في دراساته وأبحاثه، بينما الدراسات الغربية تحذر من تشيؤ الإنسان، ومن تعطيله عن العملية الإبداعية، وتعطيله للقدرات الذهنية والفكرية، قالت الدكتورة زهور كرام: يمكن الحديث عن حماس النقد في علاقته بالتعبير الرقمي ودهشته لهذا المُنجز الأدبي عبر التكنولوجي أكثر منه فتحاً عظيماً. والدليل أننا لا نتوفر على نقد رقمي بمعنى الكلمة في الثقافة العربية، إنما مقاربات وقراءات، والكتب النقدية التي حاولت أن تفكر في هذا الأدب ضمن شرط نظرية الأدب، تعد قليلة جداً. فالمسألة تبدو طبيعية، لأننا لا يمكن أن ننتظر نقداً عربياً رقمياً في الوقت الذي لا نتوفر فيه على نصوص رقمية تشكل متناً مهماً، لكي يقترب منها النقد، ويُنتج منها وعياً جديداً بالأدب وهو يتشكل عبر التكنولوجيا. ما يحدث في الغرب مختلف. لأن التكنولوجيا في الغرب وسائط خدماتية بطريقة وظيفية، وبالتالي، سمحت بإنتاج حالة تاريخية واقتصادية واجتماعية، أهلت الفرد لكي يصبح تفكيره تفكيراً رقمياً. لا يعني الرقمي هنا التكنولوجيا، إنما منطق تصريف التفكير. وعندما تصل المجتمعات إلى منطق الوسيط فلسفياً، وتُصبح حياة الأفراد والمجتمعات تسير بهذا المنطق، وبشكل وظيفي، ساعتها يُصبح تعبير الفرد تعبيراً رقمياً. وضعف الانخراط في الأدب الرقمي إنتاجا في التجربة العربية، سؤال كبير، يجب التفكير في منطقيته، والبحث عن أسبابه. وتجيب الناقدة والروائية المغربية عن أسئلة استباقية لوضع لم يتحقق بعد. من قبيل: هل يستطيع الأدب الحالي أن يستوعب شروط التقنية ومستلزماتها؟ أم أنه يجب أن يتخلى عن مكانته لمصلحة أشكال تعبيرية أخرى، أكثر قدرة واتساقاً مع حدود الافتراضي. بمعنى، ما دمنا لم نشهد بعد تراكماً معقولاً للنصوص الرقمية في التجربة العربية، والتي من خلالها نستطيع أن نفكك الظاهرة الأدبية، ونحلل خطابها، وننتج معرفة بمنطقها، يصبح الحديث عن وضعية الرواية والشعر حديثاً مُفترضاً. وإذا رغبنا في أن نرصد وضعية الأجناس الأدبية المألوفة مع الوسيط التكنولوجي. لكن، ما يمكن الإشارة إليه، أن الرواية أو الشعر أو الفن التشكيلي وغير ذلك هي أشكال يمكن أن يستوعبها الوسيط التكنولوجي، ولكن بطريقة مختلفة. فعندما نقول إن النص الرقمي تنتجه لغات متعددة ومن بينها لغة البرامج المعلوماتية، فإن هذه اللغة تصبح فاعلاً في التشخيص في وضعية الرواية، وعندما نعتمد الصوت، والصورة، والميلتيمديا في النص الرقمي، فإن الشعر تصبح له قوانين جديدة، وغير ذلك. لكن الشيء الذي يمكن التأكيد عليه، وذلك باعتماد نظرية الأجناس الأدبية، أن كل وسيط جديد يُنتج شكلاً أو أشكالاً جديدة. لهذا، نتحدث كثيراً عن النص الترابطي أو التفاعلي أو الرقمي أكثر من ما نتحدث عن الرواية الرقمية أو الشعر الرقمي، لأن الشكل الجديد يفرض منطقه في وضعية التوصيف. نحن نحتاج إلى تراكم في النصوص حتى نتمثل هذا الأدب ونظامه، وقبل أن نحقق هذا التراكم، علينا أن نفكر في سبب ضعف أو قلة أو غياب الأدب الرقمي في التجربة العربية. وفي سؤال أخير عن احتمال أن يكون التنظير للأدب الرقمي والتهويل حوله مجرد نزوة عابرة، أم المسألة محسومة معرفيا وثقافيا، وربما سلوكيا، توضح زهور كرام: لنعتمد المنهجية العلمية في التصدي لأي ظاهرة، حتى نستطيع أن نتبين حدود الظاهرة المعرفية أو الأدبية. قد نجعل نحن من الأدب الرقمي ظاهرة عابرة، إذا لم نشتغل به من خلال نظرية الأدب، ونُحسن الاقتراب منه بأدوات نقدية، ونُدخله إلى الدرس الأكاديمي لكي نتمثله في إطار وضعه الصحيح وهو نظرية الأدب، ونجعله موضوعا في البحث العلمي باعتباره إشكالية للتمثل وإنتاج المعرفة. وقد نُسهم في عدم تطوير تجربته، عندما لا نبحث له عن موقع ضمن سيرورة الأدب، ونفهمه على أساس أنه قطيعة. المسألة هي مسألة الوعي بهذا الأدب، والوعي يُحصنه الجهد العلمي والمعرفة الموضوعية والاشتغال بهذا الأدب من دون أحكام جاهزة، أو إدخاله ضمن منطق (مع/‏‏‏ ضد). لهذا، على النقد العربي أن يتحمل مسؤولية تدبير فهم هذا الأدب. عندما أقول النقد، فأنا لا أعني القراءات، إنما الخطاب المعرفي الذي يُفكر في الظاهرة الأدبية وفق شرط نظرية الأدب.