صحيفة الاتحاد

دنيا

مدفع رمضان.. بشارة الإفطار

هناء الحمادي (أبوظبي)

اعتاد الناس سماع صوته في الكثير من المناسبات، ورغم تعرضه للكثير من التقلبات الجوية من الرياح والغبار، إلا أنه صامداً، لا صوت يعلو على دويه، حتى أصبح عند غروب الشمس إشارة وبشارة حاسمة ومبهجة، تُعلم أهل كل إمارة بانتهاء ساعات الصوم.. فصوت المدفع يمكن سماعه في مناسبات أخرى، كالأعياد، لكنه ارتبط بشكل أكبر برمضان، ورغم وجود الوسائل الحديثة من فضائيات وإذاعات، ومساجد منتشرة في الأحياء والمناطق، لكن يبقي المدفع التقليدي، معبراً عن ماضي المنطقة وعاداتها وتقاليدها لما فيه من روحانيات الشهر الكريم، وفيه من الذكريات التي يعشقها الأهالي ويسترجعونها في مجالسهم.

البدايات
كانت الطريقة المتبعة للإعلان عن رؤية هلال شهر رمضان والأعياد في بداية العصور الإسلامية قاصرة على المساجد وبعض الأشخاص.. لكن الدكتور سعيد حمد الكلباني الذي أعد دراسة وافية عن بدايات المدفع في دولة الإمارات وأجرى العديد من اللقاءات مع الذين عاصروا هذه الحقبة، أكد أنه مع بداية التوسع العمراني وبُعد المسافات بين المدن أدى ذلك إلى إشكالية واختلافات في معرفة موعد الصيام والعيد، مما أوجد الحاجة إلى إيجاد بدائل متنوعة، كاستخدام الطبول أو البنادق وإرسال الرسل «المطاريش» على الخيول أو الدواب، واستمرت هذه الطرق وغيرها، حتى بداية ظهور المدافع، التي كانت تُستخدم للأغراض الحربية على اختلاف أنواعها.
تقليد وموروث
وأشار إلى أن الإمارات حافظت على هذا التراث، حيث ينطلق مدفع الإفطار في عدة إمارات رغم التطور العمراني الذي تشهده الدولة، حيث يفرح الأهالي والمقيمون باللحظة، لذا أصبح المدفع تقليداً سنوياً يُعبر عن ماضي المنطقة وعاداتها وتقاليدها، رغم وجود الوسائل الحديثة، موضحاً أن وسيلة إشعال المدفع كانت تتم من خلال المطارزية، حيث يحشى المدفع بالخيش ويضع في أسفله البارود، ثم يشعله المطارزية بالنار، فيؤدي الانفجار إلى صوت مرتفع يسمعه الأهالي، ولم يكن للقائمين على المدفع لباس خاص، وقد تم تطوير هذا التقليد إلى طرق ووسائل منظمة عن طريق وزارة الداخلية والقوات المسلحة.

سعيد الكلباني: حضور في الموروث
قال الدكتور سعيد حمد الكلباني، إن المدافع التي عُرفت بأنها وسيلة قتلٍ وتدمير وخراب لم تكن كذلك في جميع الأحوال، فهي تعد مصدراً من مصادر إدخال البهجة والسرور لدى سامعيها فيما عُرف بمدافع المناسبات، وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على أن هذه الآلة أو ما يعرف بمدافع المناسبات، سجلت حضوراّ وموروثاً في تاريخ تقاليدنا العريقة وعلى امتداد دولة الإمارات، فمن خلال استعراض ووصف تاريخي كان وما زال للمدافع دور معبر وراسخ فيما يسمى بمدافع المناسبات، وقد استمرت هذه العادة في بعض الإمارات لتكون أحد عناوين البهجة وصوت الفرح.

أبوظبي.. استقبال رمضان وإعلان العيدين
في السبعينيات تم استخدام مدفع واحد فقط لاستقبال شهر رمضان وإعلان العيدين في أبوظبي، حيث يطلق 3 طلقات في مصلى العيد، من قبل طاقم مكون من 4 إلى 6 أفراد مع الضابط المسؤول، ومنذ عام 2015 تم توزيع المدافع على مواقع عدة في الإمارات منها جامع الشيخ زايد وقصر الحصن، وبعض المناطق الأخرى في العين والظفرة.

دبي.. تلاحم بين الماضي والحاضر
تعود بداية انطلاق مدفع الإفطار في دبي إلى الستينيات، وكان هناك مدفعان وضع الأول عند منطقة الراس في ديرة، بالقرب من المكتبة العامة، والآخر في زعبيل، ومع التوسع العمراني تم إضافة مواقع أخرى، عند مصلى ديرة، وموقع الراس» وحديقة الصفا، ومصلى الكرامة، ثم أضيف اثنان عند مصلى العيد بمنطقة الراشدية، وند الحمر، وفي عام 2012 تم إضافة موقع جديد أمام برج خليفة ليقف المدفع شامخاً أمام هذا الصرح العملاق ليعلن التلاحم بين القديم والحديث في الإمارات وإيصال التراث الإماراتي إلى العالم، ثم أضيفت منطقة «GBR»، أما عن طاقم الإطلاق فيتكون من 5 أفراد شرطة.

الشارقة.. طلقة واحدة في حالة «الشك» و3 للعيد
زين مدفع رمضان بوابات الكثير من المتاحف الأثرية في الشارقة، حيث كان يستخدم للحماية في القلاع والحصون، كما يُعد من التقاليد المميزة للشهر الفضيل والأعياد، حيث بدأ منذ الثلاثينيات، وكان الأهل يسمونه آنذاك «الراوية»، فكل من يسمعه كان يسارع إلى شرب الماء ليرتوي. كذلك كان في الشارقة مدفع ذا شهرة واسعة يسمى «مدفع الرقاص» أمام قصر الحصن، وسمي بذلك لحجمه الكبير واهتزازه الشديد عند الإطلاق، حيث كان له عدة استخدامات، منها مناسبة شهر رمضان وعيدي الفطر والأضحى، بإطلاق سبع طلقات عند دخول الشهر الكريم وبعد صلاة العيد، ولإعلان موعدي الإفطار والإمساك فطلقة واحدة، مسموعة من مسافات بعيدة.

رأس الخيمة.. عند رؤية هلال رمضان
يختلف الوضع في رأس الخيمة قليلاً عن المناطق الأخرى، وذلك لسعة مساحتها وتعدد القرى والبوادي بها، لذا نرى رغم وجود عادة إطلاق مدفع رمضان في مرحلة زمنية قديمة... ففي عام 1970، جرت العادة على إطلاق المدفع عند رؤية هلال شهر رمضان، وخلال الشهر من كل يوم عند غروب الشمس بالقرب من الحصن.
وفي نهاية السبعينيات أوقف العمل على الإطلاق اليومي واكتفى بأيام الأعياد وثبوت رؤية شهر رمضان واستمرت هذه العادة إلى عام 1995، حيث كانت المدفعية تطلق طلقة واحدة للإعلان عن ثبوت رؤية شهر رمضان وموعد العيد وبعد صلاة العيد، ويتكون الطاقم من الرامي والمساعد بلباس الشرطة، ثم أضيفت مواقع أخرى، كميناء صقر ومديرية الشرطة بجانب متحف رأس الخيمة.

أم القيوين.. تجريب 16 مدفعاً
يتمركز المدفع الكبير في منطقة اللبنة بأم القيوين، ومن على شاطئ البحر تطلق المدفعية ثلاث طلقات باتجاه البحر، معبرة عن الاحتفال بيوم العيد سواءً الفطر أو الأضحى، ولم تبرز الحاجة لدى أهل أم القيوين في استخدام المدفع لشهر رمضان بشكل يومي عند الإفطار لتقارب البيوت من بعضها، ومع العلم بأنه كان يتم تجريب 16 مدفعاً عند البيت البحري «بيت الحاكم» قبل العيد، وذلك لاختيار المناسب منها، مما يخلق جواً مرحاً بين الأهالي وخاصة الأطفال خلال شهر رمضان المبارك.

عجمان.. 3 طلقات بعد العيدين
يُطلق مدفع رمضان كل ليلة في عجمان، بالقرب من حصن الحاكم قديماً، وكذلك طلقات العيدين، ولكن توقفت تلك العادة بعد قيام الاتحاد، حيث استمر نظام الإطلاق للعيدين فقط.. ويبدو أن كثرة المساجد وسهولة وصول الصوت للناس غطى على صوت المدافع، وبالتالي أصبحت الحاجة إلى سماع صوت المدفع لكي يفطر الناس أمر غير مهم ولا يعتمد عليه، لذى ظل المدفع في عجمان بالقرب من الحصن يطلق ثلاث طلقات بعد صلاة العيدين من كل عام.

الفجيرة.. 3 مدافع في المناسبات
استخدمت في الفجيرة 3 مدافع لإطلاقها في المناسبات، وكانت توضع على الركبة، ومسندة بالحصا لتثبيتها، وقد أضيفت لها فيما بعد عجلات لسهولة حركتها، وهي حالياً معروضة أمام بوابة متحف الفجيرة.
واستخدم المدفع في شهر رمضان والأعياد، حيث تطلق المدفعية طلقة واحدة عند ثبوت شهر رمضان والإعلان بالعيدين، في حين تطلق طلقتان بعد صلاة العيد، ويتم الإطلاق عند باب الحصن من الجهة الغربية لوصول الصوت إلى أبعد مسافة ممكنة «7 كم تقريباً من مكان الإطلاق»، واستمر هذا العرف لسنوات عدة، ويتكون الطاقم من 5 أفراد مهمتهم الرماية والصيانة والإشراف.