الاتحاد

دنيا

أمي هي السبب

سعاد جواد:
ما الذي يجعل شابة في الثامنة والعشرين من عمرها، حزينة ويائسة وكئيبة إلى هذا الحد؟
الكل يسألني هذا السؤال، فأسكت ولا أجيب، ماذا أقول؟ هل أقول الحقيقة؟ وإذا قلتها هل سيصدقني الناس؟
حسناً··· اسمحوا لي أن اعترف لأول مرة في حياتي بالسبب الحقيقي وراء هذا الوضع الصعب الذي أعيشه: فتاة شابة في أجمل سنوات العمر، ولكنها وحيدة، مشردة، محطمة، ومريضة· أعيش وحدي بلا أسرة، والسبب هو أمي··· نعم، هذه هي الحقيقة، لقد دمرتني تدميراً نفسياً وجسدياً بشكل انعكس على حياتي كلها· قد أعذرها لأنها لا تعي ما تفعل بسبب جهلها وبسبب الضغوط النفسية التي تعرضت لها في طفولتها، ولكن ما ذنبي أنا؟ وما ذنب بقية أخواتي البنات؟
لقد آذتنا جميعاً دون أن تحس بالذنب ولو للحظة واحدة، وحولت بيتنا إلى كتلة من الصراع المستمر الذي لا أول له ولا آخر، حتى باتت النيران تشتعل بيننا لأتفه الأسباب فتتحول جلساتنا إلى معارك ضارية·
لقد أدخلت الشياطين إلى منزلنا، استعانت بالسحرة وهي تعتقد بأنها تفعل الخير من أجلنا، صارت أيامنا كلها سوداء معتمة لا نور فيها·
سامحك الله يا أمي وهداك إلى طريق الصواب، لقد أتعبتني كثيراً وجنيت علي أنا بالذات أكثر من الباقين·
أنا البنت الثالثة في العائلة ولي خمس أخوات وثلاثة إخوة، أمي تفضل الأولاد على البنات وهي تعتمد أسلوب تفضيل هذا على ذاك، فتزرع الحقد والغيرة بين الأخوة·
لم أشعر بالأمان منذ طفولتي، كنت خائفة طوال الوقت على نفسي وعلى أخواتي البنات، كانت أمي تحب ولدها الكبير، أنا أسميه ولدها لأنني لم أشعر بأنه أخي، فهو المدلل الذي لا ترد طلباته، وهو المتسلط المتجبر الذي لا يرحمنا من عقوباته غير المنصفة بحقنا، وهي تستمتع بتحريضه علينا، فيقوم بضربنا لأتفه الأسباب·
لا أدري لماذا لا تشعر أمي بالثقة نحونا نحن البنات؟ مع أننا والله بسيطات جداً، ونخاف من كل شيء، ولم نفكر يوماً أن نتجاوز الحدود، إنها نعتقد بأننا مخطئات دائماً، وهي تثق بالجميع إلا نحن، فكل ما نقوله كذب وكل ما نفعله خطأ، وكل ما نفكر به حرام·
حادثة غريبة
لا زلت أتذكر ذلك اليوم عندما كنت في الثانية عشرة من عمري، تركتنا أمي في البيت وحدنا، وكان العامل الآسيوي يقوم بصبغ المنزل من الداخل، جمعت أخواتي في مكان واحد خوفاً منه، فقد لاحظت بأنه يحاول التحرش بنا·
لم يرتدع وازدادت حركاته المريبة وحاول أن يمد يده بحجة المزاح نحو أخواتي، لكنني نهرته وخرجت بهن إلى خارج المنزل حتى عادت أمي·
بمجرد أن شاهدتنا في الخارج غضبت وأخذت تصرخ بنا ثم قامت بضربي قبل أن تعرف الحقيقة، وعندما أخبرتها بمحاولات العامل اتهمتني بالكذب وأهانتني أمامه ثم قامت بالاعتذار منه·
إنها تثق بكل الناس إلا بنا نحن بناتها، حتى الشغالة التي تعمل لدينا، دائماً تقف في صفها ضدنا، فلا نستطيع أن نطلب منها شيئاً، لأنها تعرف جيداً بأنها وبمجرد أن تقول شيئاً لأمنا فإنها تسارع إلى ضربنا ومعاقبتنا، حتى أصبحت الشغالة قوية تتحكم بنا وتهددنا لنفعل لها ما تريد·
نحن الأفضل
عندما كبرت قليلاً وأصبحت في سن المراهقة كانت بعض البنات من معارفنا يدخلن إلى بيتنا وكانت أمي ترحب بهن كثيراً وتبتهج عندما تحدثهن عن عيوبنا نحن بناتها، وتنتقدنا أمامهن وتستهزئ بتصرفاتنا كلها·
وهي بالطبع لا تدري بأننا أفضل من الجميع لأننا لا نفعل ما يفعلنه، فكل واحدة منهن تسمح لنفسها بأن تكلم شاباً بالهاتف، وبعضهن يتجاوزن حدودهن ويسمحن لأنفسهن بالخروج مع الشباب، وفي إحدى المرات طلبت إحداهن من أمي أن تسمح لي بمرافقتها فسمحت لها أمي على الرغم من عدم رغبتي بالذهاب معها، وعندما خرجنا أجلستني في مكان عام وطلبت مني انتظارها ودخلت هي إلى مكان مجهول ثم خرجت منه بعد ساعة برفقة شاب غريب، لم أتقبل مثل ذلك الوضع وغضبت منها كثيراً· عندما عدت إلى المنزل أخبرت أمي بما فعلته الفتاة، فكذبتني وقالت لي: 'خافي ربك ولا تشوهي سمعة البنت، إنها أفضل منك بمليون مرة'، ثم قامت بضربي لتؤدبني، شعرت بالظلم كثيراً وبكيت على نفسي وعلى وضعي البائس مع أمي· منذ ذلك اليوم صارت تراقبني طوال الوقت، فإذا وجدتني أتحدث بالهاتف تدعو ولدها المدلل وتخبره بأنني أتحدث مع الشباب فيأتي ويضربني من دون أن يتأكد، ولذلك امتنعت عن الحديث بالهاتف مع الأهل والصديقات وانعزلت عن الجميع خوفاً من تلك المشاكل·
خطوبة إجبارية
أنهيت الثانوية ولم يسمحوا لي بالالتحاق بالجامعة لأنها بعيدة، فاضطررت لدراسة الشريعة في معهد قريب منا لأن الدراسة كانت ملاذي الوحيد للفرار من حياتي الأسرية الصعبة·
إحدى الجارات كانت مقربة لأمي كثيراً، لكنها امرأة جاهلة وتستعين بالسحر والشعوذة لقضاء حوائجها، فجرجرت أمي معها في هذا الطريق وصارت تعمل لها السحر من أجل إصلاحنا ولكي تزيد من ترابطنا الأسري، فكان ذلك سبباً جديداً في المزيد من الخراب لعائلتنا، حيث فعل الشياطين فعلهم في إثارة مشاعر البغض والشحناء بيننا، فلم يعد أياً منا يطيق الآخر، والكل في حالة هيجان وثورة لا يكاد يستمع لغيره·
كان لتلك المرأة ولد مملوك لإحدى العائلات ولم يتحرر من عبوديته لهم، بالإضافة إلى أنه إنسان فاشل في دراسته وفي حياته، ولسوء حظي اختارتني تلك المرأة لأكون زوجة لذلك الولد الفاشل، بالطبع رفضته فما الذي يجبرني على الارتباط بإنسان مثله؟ غضبت المرأة وهددتني بأشياء كثيرة لم افهمها ولكنني لم استجب لضغطها ولا لضغط أمي للقبول بذلك الزواج، ولم يخطر في بالي ما يمكن أن تفعله تلك المرأة بي وبمساعدة أمي·
أحضرت طعاماً وطلبت مني تناوله ورفضت لأنني لم أكن جائعة، فأجبرتني أمي على أكله ولم تشاركني فيه لا هي ولا تلك المرأة·
بعد أسبوع واحد فقط تغير حالي بشكل عجيب، انتشرت آلام فظيعة في جسدي كله، وتغضن وجهي، واخشوشن شعري حتى صار يشبه شعر الخيول· سقطت في الفراش مريضة، فأخذوني إلى المستشفى وبعد أن أجريت لي التحاليل وصور الأشعة المختلفة اخبروني بأنني مصابة بروماتيزم حاد في العظام، ونقص وزني عشرة كيلوغرامات في مدة بسيطة جداً وانحنى ظهري ولم تعد قدماي تحملاني، فصرت أستعين بالعكازات·
بعيداً عن منزلي
عندما وصلت إلى هذا الحال ازداد كره أمي لي، وصارت لا تطيق وجودي في المنزل، فاضطررت لترك بيتي وذهبت عند أخوالي، أتنقل من بيت لآخر، واستضافوني حق الضيافة ولم يقصروا معي في شيء أبداً، تعلقت بأطفالهم وصرت التمس الحنان من عناقهم الجميل ولمستهم الرائعة لي، فأشعر بأن الدنيا لا تزال بخير·
أخذوني إلى امرأة تعالج الناس بالقرآن الكريم، عالجتني وقرأت على رأسي آيات معينة، فتحسنت صحتي وبشكل غير متوقع، واستعدت عافيتي حتى أن الأطباء الذين يعالجونني استغربوا بعد أن وجدوا أن نسبة الترسبات في عظامي قد تغيرت بشكل عجيب·
أكملت دراستي وصرت أبحث عن عمل، وللأسف قررت أن اذهب لزيارة أمي ولم أكن أتوقع بأنها ستعيدني إلى المرض من اللقاء الأول بعد كل ذلك الانقطاع بيننا، نعم لقد عادت حالتي المرضية إلى السوء بعد أن تناولت الطعام في بيتنا ولم تفلح معي العلاجات التي خضعت لها مرة أخرى·
في تلك الفترة تقدم لي عدد من الخطاب ولكنهم كانوا يتراجعون بلا سبب معروف·
غربة جديدة
عشت لفترة عند أخوالي وكانوا يعاملونني أفضل معاملة ولكنني شعرت بأن زوجاتهم بدأن يضقن ذرعاً بي وبوجودي، ولم أرغب في أن اسبب لهم المزيد من الإحراج، ففكرت بان أجد لي مكاناً بديلاً أعيش فيه·
وجدت عملاً في مشفى طبي خاص وقد توفر فيه السكن المجاني، فانتقلت للعمل والعيش بعيداً عن إمارتي وأهلي·
كان صاحب المشفى رجل محترم جداً، تفهم حالتي وصار يهتم بي ويعتني بصحتي وكأنه واحد من أهلي، ارتحت لاهتمامه جداً، وتمنيت أن يتحول شعوره نحوي إلى أكثر من العطف لأنني انسانة ويجتاحني شعور قوي بالحاجة إلى الأسرة والزوج الطيب والأطفال·
واستجاب الله لي، ولمست بأنه يحاول أن يتقرب مني، فأضأت شموع الأمل في حياتي وصرت أدعو ربي بأن يكون هذا الرجل من نصيبي ولكن الخيبة كانت بانتظاري، فقد ابتعد فعل غيره من الخطاب بلا سبب واضح·
لقد وصلت إلى سن الثامنة والعشرين، أعمل وأعود إلى سكني، الشعور بالوحدة يقتلني أحاول أن اتصبر على مرضي وانتصر عليه والا أبدو ضعيفة أمام الآخرين· نظرة العطف التي استشعرها في عيون الآخرين تؤذيني· أريد أن أعيش مثل باقي الناس بشكل طبيعي وأتمنى أن احظى باهتمام ذلك الرجل الرائع الذي اعتنى بي وفهمني، لا أريد أن أعيش وحيدة بلا مؤنس أو خليل· لست من النوع الذي يتقبل العلاقات العاطفية المحرمة، فأنا أخشى ربي ولا أريد أن اخسر آخرتي، أنا انسانة مظلومة وللمظلوم منزلة كبيرة عند الله سبحانه وتعالى، وحظ كبير ينتظره في الآخرة، لذلك لا أريد سوى الحلال وكل ما يمكن أن يزيد من رصيدي عند ربي· جميع إخوتي تزوجوا وخرجوا من البيت وهم يتواصلون معي ويسألون عني باستمرار، المشكلة هي أنني لست اجتماعية ولا اعرف كيف اكسب الناس بسهولة·
ما مررت به كان صعباً وقاسياً علي ولكن ولله الحمد فإنني الآن أفضل بكثير من أي وقت مضى·

اقرأ أيضا