الاتحاد

دنيا

ليونورا ميانو تدعو لتعليق العمل بالعصر الحجري

'الاتحاد' - خاص:
'ليونورا ميانو'، كاتبة من الكاميرون وتقيم في باريس، تلقي الضوء على هذا المشهد الأفريقي الهائل: القتل الطقوسي للأطفال· ففي قبائل معينة تشيع معتقدات وثنية تفرض قتل الأطفال وأكل لحومهم إما من أجل الانتصار أو من أجل الحظ السعيد، وتصوّروا··· إنها مشكلة فعلاً· 'ليونورا' تلاحظ كيف أن أطفالاً في الخامسة يساقون إلى القتال، يُطلب منهم أن يأكلوا قلوب القتلى من أعدائهم لكي يمنعوا عن أنفسهم الرصاص· غالباً ما يسقط كل الأطفال في المعركة أو وهم في الطريق إليها·
والتفاصيل مع الكاتبة:
'لأن بيننا وبين المطر جداراً، لأن الضفادع، لا أزهار اللوتس، هي التي تعلمنا كيف نحلم، لأن موتانا يذهبون سيراً على الأقدام إلى قبورهم، لأن آباءهم كانوا يساقون كألواح الخشب إلى المستودعات، لأن الشمس لا تشرق من أجلنا إلاّ قليلاً، لأن ملابسنا المزركشة تحوّلت إلى آلام مزركشة، أقول لكم إنني عثرت أخيراً على موطئ قدم في هذا العالم، هو ذا قلبي، أيها اللامبالون، وإنني أصرخ'·
ولكن إلى أين يصل صراخ الكاتبة الأفريقية 'ليونورا ميانو' في روايتها الأولى 'داخل الليل' التي أصدرتها دار بلون الباريسية والتي تتطرق فيها إلى تراجيديا الأطفال في القارة السمراء·
لم أعرف الكراهية
ولدت ميانو في الكاميرون لأب صيدلي وأم تعمل مدرسة لغة انجليزية، وهي الآن في الثانية والثلاثين··· حين كانت طفلة كانت تشعر أنها تستطيع أن تتحدث إلى الأشجار، وأن تنظر إلى السيارات بانبهار، وأن تتساءل لماذا يستخدم الرجال ربطات العنق مع أنهم يتنشقون الهواء: 'شيء ما لم أكن أعرفه هو الكراهية· لقد كتب الكثير عن ثقافة الرماح في أفريقيا· قبائل في حال حرب أبدية مع قبائل· الغريب أن هذه كانت عادة، أو طقوسية لا ندري كيف تشكلت هكذا، وامتدت دون أن يكون هناك أي مبرر· لا خلاف على الغابات، ولا على القبيلة، ولا على أشعة الشمس، ولا على المحاصيل، ولا على السماء، ولا على أي شيء آخر· ولكن لا أحد يكره أحداً· لنتصور أن أحداً يقتل الآخر دون أن يكرهه· على العكس قد يكون يحبه· لقد التقيت أفراد القبائل وسألتهم لماذا يحملون الرماح؟ فكروا ثم اكتشفوا انها تستخدم للقتل· ولكن لماذا القتل؟ هذا سؤال معقد، ولا إجابة عليه· أحدهم قال لي ولكن ما عساي أن أفعل بهذا الرمح· إياك أن تقول له إرمه جانباً· هذه إهانة هائلة· لكن الكثيرين الآن وضعوا رماحهم جانباً دون أن يشعروا بالمهانة'·
ألملم عظامي بالكتابة
لماذا كتبت روايتها؟
تقول إنها منذ عامين شهدت تحقيقاً تلفزيونياً بعنوان 'الجنود الصغار' وضعه الفرنسي 'فرنسوا مارغولان'، حول الأطفال الذين يساقون إلى القتال في ليبيريا· سئل أحد الصبية عن سبب ذهابه إلى المعركة، فكان جوابه أنه ذات يوم قدم أفراد الميليشيا إلى قريته وقتلوا شقيقه الأصغر وأرغموا سكان القرية على أن يأكلوه مطبوخاً مع الذرة· هذه القصة جعلت عظامي تسقط أرضاً· لعلي حاولت أن ألملمها بواسطة الكتابة· ربما يكون المقاتلون قد امتهنوا ثقافة الدم· قد تكون اللعبة أغوتهم ما دامت لا توجد أي لعبة أخرى في الأدغال· فمدننا تشبه في أكثر الأحيان الأدغال، ولكن ما أثارني هو كيف قبل أولئك الناس أن يأكلوا الطفل· لأعترف أن هناك طقوساً ميتافيزيقية شديدة الالتباس تستوطن، كما الأظافر الخرافية، أولئك الناس الذين يعتبرون أن عملاً من هذا القبيل قد يكون مطلوباً من الطوطم أو من تلك الرموز الوثنية التي كانوا يعبدونها، ولم تؤثر فيها كثيراً التيارات الفكرية والثقافية الراهنة'·
ثعبان لا يأكل ثعباناً
إذا، لا مجال للتمرد· لكن أفريقيا تشهد حالات كثيرة من التمرد لأسباب أخرى· سكان القرية هم النموذج: 'غريب أنهم لم يشاهدوا نمراً يأكل نمراً، أو حتى ثعباناً يأكل ثعباناً···· لكن البشر يفعلون ذلك'·
تنحرف الكاتبة قليلاً خارج السياق، لتلاحظ كيف أن الحضارة الحديثة تنتج نوعاً آخر من أكلة لحوم البشر· هنا الاستنزاف البربري للمجتمعات، وللثقافات وحتى للحضارات· إنها الآن في باريس، لكنها تعرف ماذا فعلت الامبراطوريات، وماذا فعل المبشرون الذين تقول إن الكثيرين منهم كانوا خدماً للقياصرة لا خدماً للقديسين·
'ليونورا' كانت تعتقد أن مرحلة أكل البشر للبشر قد انتهت منذ عهد بعيد· لقد تغير شكل العالم· ودخل التلفزيون إلى كل مكان· هناك حوارات تحدث، وهناك مشاهد كثيرة يمكن أن تستثير الشفافية البشرية· وكما هو معلوم فإن ثمة مغنين يظهرون على الشاشات، وهم يعملون على تسويق الحب· 'مايكل جاكسون' يغني 'الكرة أرضية تدور حول دقات قلبي'، 'ايللا فيتزجرالد' غنت: 'لا تحبسوا دموعكم حين يكون هناك حب'، و'جاك بريل' غنى لـ 'أصابع تضيء شموع، وورود، الدنيا'·
يتذوقون لحوم أعدائهم
تلك المرحلة لم تنته· حدث ذلك الشيء الذي لا يمكن لأحد أن يتصوره بين التوتسي والهوتو· فظاعات بكل معنى الكلمة· كثيرون ظهروا وهم يتذوقون بتلذذ بل وبنشوة، لحوم أعدائهم· لم يرحموا أحداً· كانوا يقتلون الأطفال بالسكاكين· أجل، أجل، كانوا يقطعون رؤوسهم· إننا بحاجة إلى ثورة ثقافية شاملة· لا أدعو إلى تعليق المشانق، لكنني أدعو إلى تعليق العمل··· بالعصر الحجري'·
تستعيد الكاتبة صوراً من القرن التاسع عشر حين كانت التقاليد تقضي بالتضحية بأحد الأطفال (قتله ثم أكل لحمه) من أجل الحيلولة دون اندلاع الحرب· قربان لذلك الإله الوثني لكي لا تسقط جثث أخرى، وهذا ما عكس بدائية مروعة، ولكن لتلاحظ أن المستعمرين الأوروبيين كانوا 'سعداء' ببقاء تلك العادات· يفترض أن يبقى العقل هكذا داخل الظلام الدامس·
'ليونورا' قرأت 'وول سوينكا' النيجيري الحائز جائزة نوبل في الآداب، وكيف كتب عن 'تفخيخ أرواحنا'، من خلال إيحاء بعض المبشرين بأن الحفاظ على العادات القديمة إنما هو ضرورة روحية، بدلاً من التلوث بأفكار العصر· أحد المبشرين ويدعى 'ميشال لوفوا'، كتب عن 'وثنية المداخن' ليشيد ببدائية القبائل، وحتى بمعتقداتها التي اعتبر أنها تتقاطع، بصفائها، مع بعض النصوص المقدسة، ودون أن يأخذ بالاعتبار أن تلك المعتقدات التي تقوم على مفاهيم سطحية، وخرافية، إنما تشل العقل، كما لا تؤدي البتة إلى صوغ ديناميكية معينة للعلاقات بين القبائل·
علاقات المقابر
الكاتبة الكاميرونية تتحدث عن 'علاقات المقابر'، الجميع يأكلون الجميع، كما كتب 'توماس هوبز' عن المجتمعات التي يفترض أن تكون متحدثة· واللافت أنها تتوقف، في مقابلة معها، عند القيم الإسلامية التي تعتبرها فذة ومثالية ومؤثرة في بنية المجتمعات، لتقول 'إننا بحاجة إلى ترميم أرواحنا'· كيف؟ الدخول في الأزمنة الحديثة برؤية جديدة، وإن كانت تستدرك، إذ كيف للحفاة والجوعى والمحطمين الدخول في العقل الحديث·
إذاً، لابد من المساعدة، وهي تناشد 'الأقوياء' أن يستخدموا إنسانيتهم بصورة أفضل حتى لا تتحول أفريقيا إلى حفرة بشرية· بالحرف الواحد تقول: 'أوقفوا اللامبالاة حتى لا تتحول أفريقيا إلى حفرة بشرية'· إذا حدثت هذه الحفرة فقد تبتلع العصر إذ أين يذهب مئات الملايين، وهل يمكن أن ينتظروا هلاكهم وهم في العراء·
تعود 'ليونورا' إلى تقرير 'هيومان رايتس ووتش' لعام 2003 حول الحروب· هل المشهد كارثي، وهائل، إلى هذا الحد؟ أجل، التقرير يقدم نماذج حول الانتهاكات الراعبة· صور الانتقام من الموتى قد تكون أشد هولاً من صور الانتقام من الأحياء··
القتل الطقوسي
وحتى خارج نطاق الصراعات، فإن القتل يأخذ منحى طقوسياً، ودائماً بدفع من المعتقدات الوثنية (وحيث ينتشر الارواحيون الذين يقولون بثنائية المادة والروح)، تشير إلى استخراج أعضاء من جسم الأطفال الأحياء في مناطق معينة من جنوب أفريقيا حيث كان الرئيس السابق 'نلسون مانديلا' قد دعا إلى الخروج من ايديولوجيا الأدغال إلى أيديولوجيا الإنسان، كما أنه وضع خطة من أجل إلقاء علي ذلك النوع من 'السحر الأسود' الذي عاد إلى الانتشار مجدداً في أنحاء افريقية مختلفة بسبب الآفات المتنقلة والتي تزداد تجذراً، مع أن قمة الثمانية وضعت خطة حتى العام 2010 تتعلق بانقاذ القارة·
'الخرافات تمشي فوقنا'· لا أحد يستطيع وقفها· في مدن مختلفة يتم القبض على مئات المشعوذين الذين يتنقلون بين الأحياء عارضين تعاويذ جاهزة للشفاء من مرض نقص المناعة المكتسبة (الايدز)· والواقع أن هناك منظومة خرافية متكاملة وطاغية· وللمثال، فإن وضع معدة شخص حيّ في دكان أو في خيمة تباع فيها سلع أو منتجات معينة يجتذب الزبائن·
جثث الانتخابات
من الطبيعي، في هذه الحال، أن يقتل أحدهم شخصاً ويستخرج معدته من أجل الترويج لبضاعته· لا مشكلة في ذلك لدى قبائل البانتو في بلدان مثل نيجيريا وكينيا وليبيريا·
هذا ما تلاحظه الكاتبة التي تتحدث عن ملاحقة الشرطة للباحثين عن اللحم البشري، فيما يتم تهديد المخالفين في ليبيريا بعقوبة الموت· ولعل اللافت انه في نهاية كل موسم انتخابي في جنوب أفريقيا، كما في ليبيريا، يعثر على الجثث في مناطق شتى· نادراً ما تكون هناك جثة لم تتعرض للانتهاك بواسطة السكاكين أو الحجارة أو الفؤوس·
وكانت قد عقدت ندوة في مدينة ليبرفيل لمعالجة المشكلة ووقف الاعتداءات (الطقوسية)، ولكن لاشيء ملموساً حصل على الأرض·
وحين يقال لـ 'ليونورا' إن المتحدين من تلك القبائل، وتلك المعتقدات الذين يقيمون في فرنسا، لا يرتكبون أعمالاً من هذا القبيل، تشير إلى أن ارتكابات تحدث في بريطانيا حيث يعثر على جثث افريقية، لاسيما لأطفال، ولقد ذهل البريطانيون في خريف العام 2001 حين وجدت جثة طفل في نهر التايمز وقد تم تقطيعها على نحو فظيع· ولدى التحقيق تبين أن الطفل، وهو نيجيري، قتل طبقاً لطقس وثني يدعى 'موثي' شائع في غرب افريقيا· هذه العملية الطقوسية، تجلب الحظ لأبناء القبيلة الموجودين في بريطانيا!·
لا تصمتوا
الكاتبة الكاميرونية ترفض منطق الصمت الذي ينتهجه الأوروبيون بدعوى عدم المس بالمعتقدات، وخشية أن تفسر المواقف الاخلاقية على أنها تدخل في شؤون مجتمعات تعرف بحساسيتها حيال الدول التي كانت تستعمرها سابقاً·
ولعل ما يلفت 'ليونورا' ان المستعمرين عمدوا إلى تفكيك العديد من القيم الثقافية المشعة، وذات المنحى الحضاري في القارة· لكنهم أبقوا كل ما يرتبط بـ 'ذلك النوع من الظلام'، وحيث يدخل قتل الأطفال، وتقطيع جثثهم، في أساس المنظومة الطقوسية·
'ليونورا' تقول إن روايتها 'داخل الليل' محاولة لوقف 'بربرية الليل' في القارة السوداء· لن تسكت 'بل انني سأظل أصرخ إلى أن تتوقف مذبحة الأطفال، سواء الذين يقدمون قرباناً في طقوس وثنية، أم الذين يساقون إلى الحرب أم الذين يقعون بين أيدي أكلة لحوم البشر الذين يختبئون وراء ابتساماتهم أو وراء رقصاتهم الباهرة'· بين الحين والآخر نقرأ عن انتهاكات تتعلق بالأطفال في مناطق افريقية، لكن 'ليونورا ميانو' ترفع الصوت: 'ثمة من يريدنا أن نبقى في قعر الزمن ونتآكل'· قرارها ألا نبقى هناك 'لأن الحياة في انتظارنا دائماً'·
أورينت برس

اقرأ أيضا