الاتحاد

الملحق الثقافي

القرضاوي.. حامل أختام العنف


(1)
الزمان: 1995
المكان: الدقي، ميدان المساحة، جمعية زهيرة عابدين للأعمال الخيرية
الحدث: محاضرة للدكتور يوسف القرضاوي
المكان مكتظ عن آخره بالحضور، هي المرة الأولى التي أرى فيها من يطلقون عليه «العلامة القرضاوي» وجهاً لوجه، عمري آنذاك ستة عشر عاماً، لكني في الوقت ذاته كنت قرأت كثيراً من أعماله المشهورة: «الحلال والحرام في الإسلام»، «الإسلام والعلمانية وجهاً لوجه»، «ثقافة الداعية»، «بينات الحل الإسلامي»، «المبشرات بانتصار الإسلام»، «الإسلام حضارة غد»، «كيف نتعامل مع القرآن»، «كيف نتعامل مع السنة».. وكثير من الكتيبات التي تحمل موقف الإسلام من: المرأة، الفن والغناء، العلم، حقوق الإنسان، الآخر.. إلخ.
كان القرضاوي في ذلك الوقت (وما زال في أعين أتباعه ومريديه حتى الآن) حامل أختام المعرفة والدعوة والحركة وكل صغيرة وكبيرة في الكون! وفاض إنتاج القرضاوي وغَزُر حتى غطى كل مجالات العلوم والمعارف والثقافات في الدائرة الإسلامية والعربية وخارجها أيضاً! وتماهى القرضاوي تماهياً منتشياً مع ما سمي أسلمة العلوم والمعارف»، بل ربما كان من قادتها وزعمائها الكبار! كل ذلك فضلاً عن الدور الذي لعبه في تسييد وانتشار ما سماه «ثقافة الصحوة»، أو مشروع «الصحوة الإسلامية». بالجملة كان القرضاوي (وقبل ظهور الإنترنت) هو «جوجل» الحركات الإسلامية وتفريعاتها في كل شيء وأي شيء!
بصوت ملؤه ثقة ويقين، قال زميلي الذي يجلس بجواري في القاعة: «القرضاوي الآن.. هو أعلم أهل الأرض».
-التفتُ إليه وسألته: أعلم أهل الأرض جميعاً؟! وفي أي مجال تحديداً هو أعلم أهل الأرض؟
- أجابني بيقينه الواثق «كل شيء.. كل شيء»!
انتهت المحاضرة، وخرجت منها وأنا على يقين بأن «أعلم أهل الأرض» ليس أكثر من خطيب وواعظ ورجل دين ملقن، يلعب على وتر المشاعر والانفعالات ويخاطب نفوساً فارغة وعقولاً خاوية قانعة بأن تكون توابع فقط!

(2)
في عام 1985 عُقدت بدار الحكمة بنقابة الأطباء المصريين (واحدة من معاقل الإخوان الكبرى في مصر)، المناظرة الفكرية الشهيرة التي دارت حول «الإسلام والعلمانية»، وهي مناظرة «تاريخية» بكل ما تحمله الكلمة، مثّل التيار الإسلامي فيها (كما يحب أصحاب هذا التيار الترويج لهم) كل من يوسف القرضاوي ومحمد الغزالي. هذه المناظرة لم يشهدها الكثيرون في عموم أرجاء الوطن العربي، ولم تسجل إلا من طرف واحد فقط، هو طرف يوسف القرضاوي الذي كتب وقائعها ملونة بقراءته هو لها، وتفسيره لما دار فيها، في كتابه المعروف «الإسلام والعلمانية وجهاً لوجه».
حينما التقيتُ الطرف الآخر، وهو المرحوم الدكتور فؤاد زكريا، المفكر وأستاذ الفلسفة المعروف (التقيته في عام 2010 وقبل وفاته بأسابيع قليلة)، سألته عن هذه المناظرة وما دار فيها ولماذا لم يتم تسجيلها وتدوينها بحسب معطياتها ونتائجها كما حصلت فعلاً دون تهويل أو تلوين أو توظيف؟
أجابني حينها قائلاً: «للأسف الشديد، لم أتمكن من تدوين هذه المناظرة كما جرت بأحداثها، لأن التسجيل الذي كنت أحتفظ به، استعاره أحد الأشخاص مني ولم يقم بإعادته إليَّ ثانية، فلم أتمكن بالتالي من تدوينها وكتابتها. ثم أضاف: «وأنا أعتقد أن ما كتبه القرضاوي عن هذه المناظرة كان به تشويه كبير لما حدث فيها، لكي يظهر نفسه ويعلن أنه هو المنتصر في هذه المناظرة، ويظهرني على أنني كنت متهافتاً.. ما حدث في المناظرة كان عكس ما تم الترويج له تماماً، أنا أعتقد أنني استطعت الدفاع عن العلمانية والتنوير في تلك المناظرة بطريقة سببت الحرج الشديد لمناظريْ الشيخين محمد الغزالي ويوسف القرضاوي».
عقب وفاة الدكتور فؤاد زكريا في مارس 2010، ظهرت فيديوهات مسجلة لهذه المناظرة على شبكة «يوتيوب» في 2011، بعد قيام ثورة 25 يناير مباشرة!! وتم تجزئة الشريط الكامل للمناظرة إلى مقاطع منفصلة؛ فواحد للقرضاوي وآخر للشيخ الغزالي ومقطع يظهر فيه فؤاد زكريا.. إلخ، ومن يرجع إلى هذه الفيديوهات المسجلة سيكتشف أن القرضاوي لم يكن أميناً في نقله لها! وسيندهش بشدة من ادعائه أنه انتصر فيها (وفق أي منطق سليم أو رؤية عقلية مجردة من التلوين والتوظيف والاستغلال). سيعلل القرضاوي انتصاره المزعوم، بأنه رأى أنه لم يكن لضعف فؤاد زكريا ولا لقوته هو، بل لضعف الباطل الذي نصب فؤاد زكريا نفسه للمحاماة عنه، وقوة الحق الذي كرمه الله هو بالدفاع عنه! وتعليله هذا -بصرف النظر عن لا علميته- هو تعليل محرج له وللإسلاميين. فبما أن ما جرى في تلك المناظرة عكس ما أخبر عنه، فهل سيتمسك والإسلاميون بهذا التعليل ويقولون به؟!
هذه الواقعة واحدة من وقائع عديدة وأدلة وافرة تثبت أن العقل الذي اعتاد أن يسير في اتجاه واحد والذي يعجز عن فهم حقيقة النسبية وتعدد طرق الوصول إلى الحقيقة لا بد أن يوصل أصحابه، دون أن يشعروا، إلى التلبس بالمقدس، والتوحد به والنطق بلسانه، وإهدار مبدأ التكافؤ والحوار والقبول بالاختلاف. وهكذا يصبح من البديهيات التي لا تناقش «الاعتقاد بأن الشك خطيئة، والنقد جريمة، والتساؤل إثم وجريرة».

(3)
قرابة السنوات العشر استغرقتها رحلة قراءة عميقة وواسعة في أدبيات تيارات الإسلام السياسي، وفي القلب منها أدبيات الإخوان المسلمين، الجماعة الأم التي فرخت كل الجماعات والتيارات المتلفعة بالدين ومارست العنف والإرهاب والترويع باسمه، وسعت طوال ما يزيد على خمسة وثمانين عاماً إلى الوصول إلى السلطة بوهم إقامة الدولة الإسلامية وإحياء الخلافة.
منذ منتصف الثمانينيات، تم تكريس اسمين اثنين ضمن مجموعة منتقاة ومختارة ليكونا هما المرجعية الأولى، والأعلى، بين كل المتصلين بمجال الفكر الإسلامي في عمومه، وما يتصل بالفكر الحركي والتنظيمي (تحت ستار الدعوة والتربية والإصلاح)، وبالتالي في ما يصب في تحقيق أهداف وغايات جماعة الإخوان المسلمين، أو ما تفرع عنها من جماعات ودوائر تتفق في الأصول العامة وتختلف في الاستراتيجيات والآليات.
الاسمان هما الدكتور يوسف القرضاوي، والدكتور محمد عمارة. لكن انفرد القرضاوي وحده بالتربع على عرش المرجعية الإسلامية المعتمدة المقبولة، في أوساط جماعة الإخوان المسلمين، وتيارات الإسلام السياسي طيلة أربعة عقود متصلة، وهذا مفهوم، ومنطقي، فالقرضاوي واحد من أخلص أتباع الجماعة، نشأ في رحابها وتربى على يد قادتها، وتشرب أسس ومبادئ الجماعة حتى النخاع، حتى اعتلى مكانة غير مسبوقة فيها، مكانة تتجاوز أي منصب تنظيمي في هيكلها العام، صارت مكانته انتشاراً وتأثيراً أكبر من المرشد نفسه.
انتماء القرضاوي لجماعة الإخوان المسلمين، وأصبح من قياداتها المعروفين ويعتبر هو «منظر الجماعة الأول» و«مرجعيتها الكبرى والأساسية»، وعرض عليه تولي منصب المرشد عدة مرات لكنه رفض، وكان يحضر لقاءات التنظيم العالمي للإخوان المسلمين كممثل للإخوان في قطر إلى أن استعفي من العمل التنظيمي في الإخوان.
وقام القرضاوي بتأليف أكثر من كتاب اعتبرها الأتباع والمريدون كتباً مرجعية في بابها؛ منها: كتاب «الإخوان المسلمون سبعون عاماً في الدعوة والتربية والجهاد»، والكتاب المعتمد في أُسر وخلايا الإخوان «التربية الإسلامية ومدرسة حسن البنا».. وغيره كثير.

(4)
قاد القرضاوي عبر مشروع ضخم ما سماه أو أطلق عليه «الصحوة الإسلامية»؛ كان هو عرابه وأستاذه وقائده ومرشده! ألف في ذلك سلسلة كاملة تتكون من ستة أجزاء، عدا الخطب والمحاضرات والرسائل، من أشهرها «الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم»، و«الصحوة الإسلامية وهموم الوطن العربي الإسلامي»..
كان هذا المشروع هو رأس الحربة في الدعاية والتمهيد لتغلغل الإخوان وأتباعهم وأشياعهم في كل مرافق الدولة وأجهزتها ومؤسساتها، مشروع يقول عنه المؤرخ الدكتور شريف يونس في كتابه «البحث عن خلاص.. أزمة الدولة والإسلام والحداثة في مصر»: «اكتسب مسار «الصحوة» ككل، وحتى بعيداً عن منظماتها، طابعاً عدوانياً شعبوياً، محوره هو امتلاك أو اغتصاب المجال العام. كانت خطب المحلاوي في الإسكندرية وكشك في القاهرة وغيرهما (فضلاً عن الشرائط المسجلة في غرف مغلقة) تنضح بالكراهية للفن والفكر والحرية، ولكل المخالفين والناقدين للتعصب. أصبح التعصب قيمة في ذاته، وأصبح إعلان الكراهية معيار «قوة الإيمان».

(5)
حين اندلعت ثورة 25 يناير 2011، حاول القرضاوي لعب دور «خميني الثورة المصرية»، التي لم يشارك فيها هو أو جماعته، فحضر من قطر إلى ميدان التحرير في ما سمي بـ«جمعة الانتصار» ليؤم المصلين ويلقي الخُطبَة مع تغطية وإسناد كاملين من قطر وقناة الجزيرة. في هذه الأثناء، أبدى القرضاوي ترحيبه بتولي الإخوان حكم مصر ووصفهم بـ«الجماعة الإسلامية الوسطية المنشودة»، واعتبر مشروع حسن البنا هو «المشروع السني الذي يحتاج إلى تفعيل»، ووصف الإخوان المسلمين بأنهم «أفضل مجموعات الشعب المصري بسلوكهم وأخلاقياتهم وفكرهم وأكثرهم استقامة ونقاء».
وكانت تلك البداية الحقيقية والضربة الأولى التي انطلقت منها جماعة «الإخوان المسلمين» للقفز على الثورة وتفريغها من مضمونها الديمقراطي والاجتماعي.خلال هذه الفترة، تم استدعاء القرضاوي وتراثه، وأعماله، وتم عبر اللقاءات والندوات والبرامج إحياء كل ما كتبه الرجل عبر ستين عاماً أو يزيد لملء المجال العام بمفردات ما يسمونه «المشروع الإسلامي»، وحضرت بقوة البلاغة الإنشائية والخطابية، لا يجيدون غيرها، تجييش المشاعر وإشعال العواطف وإلغاء العقل كلياً!!

(6)
سقطت الأقنعة بكاملها، وتجلى الوجه القبيح ببشاعته وندوبه، بعنفه وخطره ودمويته، عقب ثورة 30 يونيو 2013 وما ترتب عليها من سقوط حكم الإخوان، هنا سينتفض الشيخ الوقور ويتخلى عن «وسطيته المزعومة» و«حديثه المتزن» و«خطابه الذي تشكل وتجسد عبر عشرات الكتب والمقالات والرسائل التي تدعو إلى التفكير وإعمال العقل ونبذ العنف ومراجعة التطورات وفقه الأولويات.. إلخ»
سيصبح القرضاوي منذ اللحظة هو «سيد قطب» الجماعة في الألفية الثالثة! وبات يحمل لقب المحرض الأول على الدولة المصرية بعد 30 يونيو، بامتياز، وكما لعب دور المنظر الأكبر للجماعة ولتيارات الإسلام السياسي عبر ما يزيد على نصف القرن، سيلعب ذات الدور لكن بخطاب صريح محرض، عنيف، دموي، إرهابي.. ستكون نتيجته خلال سنوات ثلاثة اندلاع موجة غير مسبوقة من الإرهاب والعنف في العالم كله، وبالأخص في مصر.
اعتبر القرضاوي في كتابه «غير المسلمين في المجتمع الإسلامي» أن من صور تسامح الإسلام قبول تولي الذمي وزارة التنفيذ، وليس وزارة التفويض التي يُعهد إليها تدبير الأمور السياسية والاقتصادية والدينية؛ كالإمامة ورئاسة الدولة وقيادة الجيش والقضاء بين المسلمين. وعليه لم يكن مستغرباً أن يدفع المصريون الأقباط الثمن غالياً لمشاركتهم في الثورة على حكم الإخوان وعزل مرسي بسقوط العشرات منهم برصاص الغدر أو ضحايا تفجيرات، سواء بعد مغادرة الرئيس الأسبق قصر الاتحادية بغير عودة، أو قبل وبعد فض تجمعي رابعة العدوية ونهضة مصر، فضلاً عن حرق واقتحام وسلب ونهب ما يقرب من خمسين كنيسة (وفق هيومان رايتس ووتش) أو 61 كنيسة وفق بعض التقارير الأخرى، إضافة إلى حرب الإبادة النفسية، قبل الجسدية، التي يتعرض لها أقباط الصعيد كما حدث في قرية دلجا بالمنيا.

خطب الكراهية
يقول المؤرخ الدكتور شريف يونس في كتابه «البحث عن خلاص.. أزمة الدولة والإسلام والحداثة في مصر»: «اكتسب مسار«الصحوة» ككل، وحتى بعيدا عن منظماتها، طابعا عدوانيا شعبويا، محوره هو امتلاك أو اغتصاب المجال العام. كانت خطب المحلاوي في الإسكندرية وكشك في القاهرة وغيرهما (فضلا عن الشرائط المسجلة في غرف مغلقة) تنضح بالكراهية للفن والفكر والحرية، ولكل المخالفين والناقدين للتعصب. أصبح التعصب قيمة في ذاتها، وأصبح إعلان الكراهية معيار«قوة الإيمان». فبقدر شمول الكراهية وعنفها، والرغبة في التمايز والانعزال الشعوري عن المجتمع، يصبح إسلام الفرد أكثر نقاءً، بمعيار تماهيه مع نموذج وضعه تنظيم من التنظيمات أو آخر، أو أحد الدعاة الأصوليين، لماهية الإسلام».

منظر الجماعة الأول
انتماء القرضاوي لجماعة الإخوان المسلمين، وأصبح من قياداتها المعروفين ويعتبر هو «منظر الجماعة الأول» و»مرجعيتها الكبرى والأساسية»، وعرض عليه تولي منصب المرشد عدة مرات لكنه رفض، وكان يحضر لقاءات التنظيم العالمي للإخوان المسلمين كممثل للإخوان في قطر إلى أن اُستعفي من العمل التنظيمي في الإخوان.

اقرأ أيضا