الاتحاد

دنيا

برنار ديبري: 200 ألف جنين مجمد لن تغادر الثلاجات


'الاتحاد' ـ خاص:
البروفسور 'برنار ديبري' نائب في الجمعية الوطنية وباحث شهير في الهندسة الوراثية، افكاره تثير الجدل في بلاده والخارج، يعتبر الاستنساخ البشري اهانة للبشرية، لكنه مع الاستنساخ العلاجي، يعتبر ان الجينوم انجاز هائل، فيما كتاب الحياة سيفتح على مصراعيه خلال نصف قرن·
في نظره ان زمن 'الاوموسابينس' انتهى وحل محله 'الاوموساينس' أي الانسان ـ علم، وهو لا يدافع عن 'وحشية الدولة' في تحسين النسل بل يتفهمها، متسائلا: مَن يضمن عدم التلاعب الوراثي بهوية المولود؟
في الحوار التالي بعضا من افكار البروفسور 'ديبري':
في كتابك 'انتقام الافعى' تدافع بقوة عن مفهوم 'تحسين النسل' الذي دعا اليه 'تشارلز داروين' وطبّقه 'ادولف هتلر'؟
لهذه العبارة وقع سيئ في الذاكرة الجماعية فعلا، لكن من دون ان يعني ذلك انها صحيحة ومنطقية، فمساعدة المواطنين الفقراء هي الواجب الاساسي للدولة، وبالتالي، من مصلحة الدولة ـ والمواطنين ايضا ـ الحؤول دون ولادة الاطفال الذين يشكلون عبئا ثقيلا جدا على الدولة والمجتمع·
لكن اليس للاطفال حق في الحياة، مهما كان وضعهم الصحي او العقلي؟ واذا كان هذا المفهوم قد ساد في الماضي المؤلم لماذا اعادة احيائه الآن؟
الحزب الاشتراكي الديمقراطي الحاكم في السويد ظل يعتمد هذا المفهوم حتى السبعينات، إذ كانت المرأة المضطربة عقليا تُمنع من الانجاب، وكذلك المرأة التي لديها اطفال غير مؤهلين للاندماج في المجتمع وبذلك كانت تتحول اجراءات الدولة الرعائية الى شكل من اشكال الوحشية·
دفاع عن الوحشية
لكأنك تصر في كتابك على الدفاع عن هذه الوحشية·
لست ادافع عنها، بل اتفهمها، وانا ادافع عن الحرية ايضا، هناك نوعان من 'تحسين النسل' بنظري، سيئ وجيد، وما ادافع عنه هو النوع الثاني بالتأكيد، والذي اعتقد ان الكثير من الناس يمارسونه من دون ان يدروا·· ماذا نقول عن المرأة الحامل التي تكثر من تناول الأطعمة المالحة والألبان وغيرها لكي تنجب مولودا ذكرا وليس انثى، اليس اختيار الجنس تحسينا للنسل؟ اليست مثله ايضا جراحة الاجهاض الجنينية؟ وماذا نقول عن زراعة المنويات الذكرية في الرحم الانثوي؟ انما لا يمكن اعتبار مثل هذه الحالات سياسية محددة من الدولة، بل هي مسألة قرار فردي يتخذه الأبوان بكل حرية·
لكن لا ننسى ان مثل هذه الأعمال محصورة بحالات مرضية وراثية وليست من باب الرفاهية الطبية؟
لائحة الحالات الوراثية آخذة بالتزايد لدرجة انها قد تشمل كل شيء، وقد لا يعود ممكنا اعتبارها مجرد حالات خاصة اذا كان الابوان، أو واحد منهما، مصابا بمرض الزهايمر وارادا اجهاض الجنين لكي لا يولد مريضا به، فمن يستطيع ان يرفض اجهاضه؟ وهل يلام الأهل في حالة كهذه؟
كتاب الحياة
هل تتوقع تزايد او تراجع عمليات تحسين النسل في المستقبل؟
بعد وضع خارطة الجينوم البشري وتطور البيولوجيا الوراثية، اصبحنا قادرين على القراءة في كتاب الحياة، ولاشك ان هذا الكتاب سوف ينفتح على مصراعيه في غضون الخمسين عاما المقبلة، واذا كانت جدة وأم وأخت امرأة حامل مصابات بسرطان الثدي، أليس من حقها اجهاض جنينها؟
هل هذا ما تسميه في العنوان الفرعي لكتابك 'نهاية عصر انسان الاوموسابينس'؟
فعلا، لقد انتهى هذا العصر، لتبدأ البشرية في الدخول الى عصر انسان 'الاومو ساينس' اي (الانسان ـ علم)، هذه مسألة خطيرة ومرعبة، انما ليس بالامكان الوقوف في وجه حركة التاريخ، هناك الآن نساء يقمن بعمليات اجهاض من دون أي مبرر طبي، ولا أحد يستطيع الوقوف في وجه حرية القرار الفردي·
وماذا اذا قرر الابوان الاحتفاظ بالجنين رغم معرفتهما بأنه سيولد طفلا مقعدا؟
انه قرار ديكتاتوري وضد مصلحة الأهل والمجتمع والدولة، لكن ليس بامكان احد معارضة حرية مثل هذا القرار، المسألة اصبحت عبثية فعلا، ولم تعد محصورة بين الاجهاض والحياة بل اصبح هناك خيار ثالث هو: الأمل، الأمل بالرهان على تطور علم الطب الذي قد يأتي بالعلاج·
لقد توصل الطب اخيرا الى تقنية متطورة تسمح بمعرفة كل الاسرار الوراثية للطفل المنتظر من خلال سحب عينة من دم الجنين، فهل ندرك ما يعنيه ذلك لدى انتشار هذه التقنية؟ وما الذي يضمن عدم استخدامها للأغراض العلاجية فقط لجهة التلاعب الوراثي بهوية المولود؟
الاستنساخ والقانون
انت لا تعارض الاستنساخ اذن؟
بالتأكيد انا أؤيد الاستنساخ شرط ان يكون لأهداف علاجية·
لكنك تعارض بذلك القوانين الفرنسية مع انك نائب في البرلمان الفرنسي؟
القوانين الفرنسية ليست منطقية، ما المانع من الاستنساخ العلاجي اذا كان سينقذ حياة طفل اظهر التشخيص الجنيني انه سيولد مصابا بأمراض قلبية؟
الاستنساخ·· هكذا
تتحدث في كتابك عن الخشية من ان يؤدي انتشار الاستنساخ العلاجي الى انتشار الاستنساخ التناسلي التكاثري، أليس من الافضل اذن منع الاستنساخ بكافة اشكاله؟
الاستنساخ هو من اكبر واعظم الابتكارات الطبية في القرن العشرين، وهو يحصل وفق هذه الآلية: عند الحمل تعرف خلايا المنشأ فعل اي شيء، لكن كيف ولماذا تبدأ هذه الخلايا بالانشطار في اليوم الرابع عشر من عمر الجنين؟ لقد نجح تطبيق الاستنساخ على النعجة 'دوللي' او منع هذه الخلايا باتجاه آخر، نحو انتاج عضو يمكن استخدامه مكان عضو متضرر·
من هذا المنطلق انا أؤيد بقوة الاستنساخ الذي يكفي انه قادر على انقاذ حياة عدد كبير من الناس وكان قد سبق ان تكرر الشيء نفسه مع تقنية زراعة الاعضاء البشرية البديلة، منذ عشرات السنين، ولقد عارضها الكثيرون ولايزال هناك من يعارضها حتى الآن·
لكن تلك المعارضة لم تمنع زراعة الاعضاء البشرية فعدد الحالات يتزايد وحملات الجمعيات الانسانية التي تحث الناس على وهب اعضائهم تتزايد ايضا وبامكان بل من واجب شخص مات بحادث سيارة ان يهب اعضاءه لانقاذ حياة انسان آخر·
اجنة مجمدة
ما مدى انتشار الاعضاء البشرية المجلدة في العالم؟
في فرنسا مثلا هناك حوالي 200,000 جنين مجمد قرر الأهل التخلي عن مشروع تحويلهم الى اطفال·· ونظرا لعدم وجود بنوك الاعضاء، اية جدوى عملية من الاحتفاظ بمثل هذا العدد الكبير من الاجنة ـ والتي تكلف عملية تجلدها مبالغ ضخمة ـ علما بأن هذه البنوك تقوم من وقت لآخر بتدمير واتلاف قسم من تلك الأجنة·
لا اعتقد ان هذا يشكل دليلا على الانتشار الواسع لمفهوم تحسين النسل في الثقافة الغربية المعاصرة، سواء من جانب المتبرعين ام من جانب المتلقين، واشير الى ان القانون الفرنسي الخاص يحصر تجليد الاجنة البشرية بأغراض البحث العلمي فقط، وعلى ألا تتجاوز مدة تجليدها الخمس سنوات على الأكثر·
الصين ستصبح الأولى
ما مدى تقدم فرنسا في مجال البيولوجيا الوراثية؟
انها متأخرة بحوالي ست أو سبع سنوات عن الولايات المتحدة وبريطانيا والسبب الاساسي هو القوانين الفرنسية، اضافة الى التعقيدات المحيطة بظروف عمل الباحثين مما يتسبب بنزيف ادمغة علمية وبمعدلات مقلقة فعلا·
على ان المفاجأة الكبرى هي ان الصين على وشك ان تصبح المرجعية العالمية الأولى في مجال خلايا المنشأ والاستنساخ، ففي مدينة 'شانغشا' باقليم 'هونان'، مركز ابحاث ضخم مخصص ـ رسميا ـ لأبحاث الاستنساخ العلاجي، لكنه، في الواقع يعمل على الاستنساخ البشري وغيره، اذ يكفي ان تأتي امرأة وتوقع وثيقة رسمية تلتزم فيها بتقديم بويضاتها لكي تتلقى خلايا تؤهلها للاستنساخ·
واللافت في الصين انها تجاهر بما تقوم به، ولا تقوم بأي جهد جدي لاخفائه·
حماقة
هل يعني ذلك اقتراب انتاج كائنات بشرية مستنسخة، في الصين أو في غيرها؟
لست ارى أي دافع للاستنساخ التناسلي، ومن الحماقة اعتباره وسيلة لاستمرارية وأبدية حياة الفرد المستنسخ، اذ ماذا عن الذكريات وماذا عن المسار التاريخي لحياة الفرد، وماذا عن المخزون الانفعالي، في المقابل، يمكن استخدام الاستنساخ البشري في بناء جيش يكون 'الأفضل في العالم' بفعل نوعية جنوده وضباطه المغولي الأدمغة والمجردين من أية مشاعر·
عمليا، متى يمكن البدء بالاستنساخ البشري في نظرك؟
لا اعرف قد يكون هناك من بدأ به قبل الآن سرا·
هل تؤيد استيلاد طفل مستنسخ لزوجين مثليين؟
ابدا، دور العلم هو تحسين ظروف حياة الانسان الطبيعية وليس تشجيع نزواته وتفاهاته·
وكيف يمكن اذن وقف الاستنساخ التكاثري؟
ليس منطقيا قتل طفل لأنه مستنسخ، واستصدار قوانين المنع ليس حلا ايضا لأنه ليس اسهل من خرق القوانين·· في رأيي، ينبغي افهام الجميع بأن الاستنساخ البشري هو اهانة للبشرية·

اقرأ أيضا