الاتحاد

الملحق الثقافي

الخروج على النص الأميركي







عقب حوادث «الربيع العربي» تحولت قطر من ظاهرة إعلامية مدهشة بعض الشيء إلى ظاهرة سياسية مثيرة للجدل، ثم إلى ظاهرة إقليمية مثيرة للقلق. ثمة سؤالان؛ الأول: يتعلق بواقعة الصعود القطري في حد ذاتها، والثاني: يتعلق بالخيار السياسي القطري الذي يبدو معاكساً للتوجه العام في محيطه الإقليمي الحاضن من ناحية، ولا يبدو مفهوماً، حسب المقاييس المفترضة للمصالح القطرية نفسها من ناحية ثانية.



بعض التحليلات «الغربية» تقدم تفسيراً «عادياً» لواقعة الصعود القطري، فتقرأها في سياق التغيرات الواسعة في النظام الدولي، «خصوصاً العولمة التي جعلت من السهل على الدول الصغيرة أن تقفز فوق وزنها، وأن تمارس أشكالاً جديدة من القوة الناعمة. الطبيعة المتحولة لمفهوم القوة في عالم كثيف الترابط مكّن هذه الدول من ممارسة نفوذ أكبر في الخارج. مجموعة دول الخليج برزت كأطراف فاعلة بوضوح على مسرح النظام العالمي وصنع السياسات وظفت موارد الطاقة وتراكمات رأس المال لممارسة التأثير أثناء الطفرة في أسعار النفط بين 2002 و2008.. تمتلك قطر ثلث أكبر احتياطي من الغاز المسال في العالم، وهي استخدمت سياسات مصممة لتفعيل هذا الاحتياطي، فأنفقت أكثر من 120 مليار دولار على البنى التحتية للغاز المسال غالبيتها كديون من المصارف وشركاء صناعيين. ودخلت في روابط مستدامة مع الاقتصادات الصناعية والناشئة. وبعد 2008، بلغ التوسع في إنتاج الغاز ذروته مع ارتفاع الناتج الإجمالي المحلي بنسبة 17% سنوياً». (مركز كارنيجي الشرق الأوسط 2014).

ولكن هذا التحليل لا يبدو كافياً لتفسير التنافر الزاعق بين الأداء السياسي القطري ونظائره في دول الخليج، التي تتعرض لتغيرات السياسة الدولية والإقليمية ذاتها، والتي يتوافر بعضها كالإمارات والسعودية على عوامل تميز نسبي اقتصادية وديموغرافية ودبلوماسية.

وهو أيضاً لا يبدو كافياً لشرح الخيارات السياسية القطرية الداعمة لقوى الإسلام السياسي المتهمة بالإرهاب، والتي صارت تشكل تهديداً جدياً لا بالنسبة لنسق الأنظمة السياسية الذي ينتمي إليه النظام القطري ذاته فحسب، بل لمجمل النسق الاجتماعي والثقافي في المنطقة، بما في ذلك المكاسب الحداثية المحدودة التي أحرزتها على مدى قرنين من الزمان. في الإحساس العام، يظل الدور القطري مبالغاً فيه قياساً إلى قدراته الذاتية، وصاخباً بالنسبة لمحيط إقليمي محافظ إجمالاً، وغريباً بالنسبة لموقفه من حلفائه الطبيعيين. ثمة حاجة إلى قراءة تفسيرية أبعد.



تعقيدات الظاهرة القطريّة

بوجه عام، وفي ظل التشابك المعقد بين الظروف المحلية والمواقف الإقليمية والدولية، وتفاقم الدور الذي تلعبه الأجهزة التحتية في صنع السياسات وإخفاء ملامحها، لم تعد المعطيات المرئية لأي مشهد سياسي في المنطقة كافية لتفسيره من خلال تحليل مضمون. ومع ذلك يمكن الحديث عن معطيات محددة كمفاتيح ضرورية لأي مقاربة تتعلق بالظاهرة القطرية. بالنسبة لي ستظل هذه الظاهرة عصية على الفهم قبل مناقشة نقطتين متداخلتين: 1- العلاقة مع أميركا، 2- العوامل الشخصية.

اندمجت قطر - ضمن مجموعة الخليج - في النظام السياسي الدولي الذي توجهه القوى الغربية بقيادة أميركا، وهي خطوة مفهومة وفقاً للمقاييس الخليجية المحافظة. ولكن ثمة فارقاً في درجة الاندماج القطري وأشكال التعبير عنه، وهو ما يظهر فاعلية العوامل الشخصية التي تعكس مدى طموح الحكام القطريين (بعد يونيو 1995) ونزعاتهم النفسية المشربة بفهم خاص للعلاقات البينية الخليجية، خصوصاً مع السعودية.

تسمح درجة الاندماج بالحديث عن «دور» مفترض ومرسوم في خطوطه العريضة يخدم الأغراض الأميركية/ الغربية في المنطقة، ويتناغم مع الطموح الشخصي للفريق الحاكم الحديث العهد بالسلطة. يشتغل الدور القطري - الذي يمكن تصنيفه كنوع من الوكالة الضيقة - داخل الدائرة العربية (العلاقات البينية) التي لا تستطيع إسرائيل الدخول إليها (سنسمع لاحقا عن ولع قطري بالتشبه بإسرائيل كدولة صغيرة ذات حضور كبير ومسموع بقوة الدور). وجد هذا الدور مبرراته مع التفتت التفصيلي للمشكلات العربية الناجم عن سلسلة الزلازل السياسية المتوالية، والانغماس الأميركي المتفاقم فيها. وهو منح النظام القطري مساحة نسبية للظهور من خلال آلية الوساطة بين فرقاء سياسيين على المستوى المحلي أو الإقليمي (أنظمة / حكومات / ميلشيات مسلحة / تيارات سياسية / جماعات متطرفة). وفيما كان قبول الفرقاء بالوساطة مبنياً على الوعي بطبيعة الدور القطري وقنواته المفتوحة مع القوى الكبرى، بدا الطرف القطري منتشياً بالمكاسب المعنوية المستهدفة والتي تتحقق بمجرد الحضور على الساحة.

داخل الحدود الاتفاقية للدور ثمة هامش محسوب، يسمح بتجاوزات خطابية تتماشى مع الشعارات العربية التقليدية، ويتسع لإصدار بيانات نقدية موجهة لإسرائيل والمواقف الغربية الداعمة لها. قبل اندلاع الحوادث العربية في 2011 كان النظام القطري قد حقق - من خلال الوساطة- حضوراً إعلامياً واضحاً، جرى تكريسه بتقنيات حرفية غربية، وهو ما ساهم في تفاقم الاندماج في الدور وتصعيد سقف الطموحات الشخصية. ومع وضعية الاضطراب والترهل الناجمة عن الانفجار السياسي في 2011 تحول النظام القطري من آلية الوساطة إلى ممارسة سياسات «إنشائية» تتسم بالمبادرة وتصل إلى حد التدخل كطرف مباشر في الساحات المحلية الساخنة (ليبيا / سورية / اليمن / وحتى مصر).

ورغم أن النشاط القطري كان يتم أحياناً بغطاءات «عربية» تحت شعار «التدخل العربي بديلاً عن التدخل الأجنبي»، ظل واضحاً أنه يشتغل في نطاق «الدور» الأصلي، بغض النظر عن بعض التجاوزات التفصيلية التي لم تخرج إجمالاً عن حدود «الهامش» المحسوب (مدى التدخل وتوقيته / دعم أطراف محلية بعينها وحجم الدعم / درجة التنسيق مع بقية الحلفاء الإقليميين).



في الفلك الأميركي

منذ البداية، انطلقت السياسات القطرية من الخط العام للموقف الأميركي الغربي وقراءته الخاصة لحوادث «الربيع» العربي، بدءاً من الرطن بالشعارات الديمقراطية التي جرى ترويجها في بداية الانتفاضات العربية، وانتهاءً بتأييد التيارات الإسلامية التي ركبت الانتفاضات وفرضت مفرداتها الجديدة على المشهد السياسي في المنطقة وأعادت ترتيب أولوياته.

تستند القراءة الأميركية الغربية على تحليل مفاده أن الإسلام السياسي يمثل القوة القادمة في المنطقة (التي لم تتأهل بعد لتغيرات ديمقراطية تعددية صريحة على النمط الغربي)، وبالتالي فإن المصالح الغربية في المدى المنظور تستدعي استيعاب هذه القوة وليس الصدام معها. ويتم الاستيعاب من خلال استقطاب التيارات الأكثر اعتدالاً باعتبارها الأقدر على امتصاص حالة التطرف والإرهاب الأصولي التي تهدد المصالح الغربية.

ترجمة لهذه القراءة جرى التحالف مع جماعة الإخوان المسلمين التي قدمت نفسها كممثل معتدل للتيار الإسلامي الجارف في المنطقة، وبديل وحيد للجماعات الأصولية المتطرفة. وهكذا تتقاطع الأهداف الأميركية الغربية مع أهداف الجماعة التي «فوجئت» بمساحة الفراغ السياسي في المنطقة عقب الانتفاضة، وأقدمت على تصعيد طموحاتها من مجرد تثبيت مشروعية الحضور إلى امتلاك مشروعية السلطة.

يتعارض الموقف الأميركي الغربي حيال الإخوان مع الرؤية الإقليمية العربية (خصوصاً في مجموعة الخليج ومصر) التي تقف بخبراتها العملية على التداخل البنيوي بين جماعة الإخوان (الأم) والجماعات الأصولية المتطرفة (التي انبثقت منها)، وعلى ماضيها الإرهابي المعروف، وممارساتها الحاضرة التي تقوم على التآمر، وتصدير العنف من الباطن، خصوصاً بعد سقوطها السريع في مصر.

في هذا السياق، يمكن قراءة الانحياز القطري للإخوان رغم الإجماع الخليجي المضاد، كجزء من الدور. فهو ليس خياراً مبدئياً مستقلاً قابلاً للتفسير بأي اعتبارات أيديولوجية تعكس توجهات دينية للنظام، أو أي اعتبارات سياسية تعكس المصالح المحلية لمجتمع صغير شديد الارتباط بنيوياً بمحيطه الجغرافي الحاضن.

وفي هذا السياق أيضاً، يمكن قراءة المشهد الأخير للموقف القطري الذي لا يبدو مطابقاً تماماً للموقف الأميركي الغربي حيال قضية الإرهاب. في واقع الأمر لم يتجاوز النظام القطري حدود الدور أو الهامش من جهة تأييده للإخوان، ولكنه يبدو كذلك من جهة تماديه في التعاطي التفصيلي مع التيارات الإسلامية الأكثر تطرفاً، بما في ذلك الجماعات الضالعة في الإرهاب الموجه للغرب، من ناحية، وبسبب التغير النسبي في الموقف الأميركي بعد الإدارة الجمهورية الجديدة، التي تحمل رؤية أكثر تشدداً حيال الإسلام السياسي ككل بما في ذلك «الإخوان»، من ناحية ثانية.

تبدو الإدارة الجديدة أقرب من سابقتها إلى تفهم الموقف الخليجي المصري في تقديره لخطورة الإسلام السياسي على المنطقة والعالم، ومع ذلك فهي لا تزال بحاجة لبعض الوقت لتجاوز موقف الإدارة السابقة من جماعة الإخوان، وتفهم موقعها المركزي في قلب الإسلام السياسي الذي دشنت حضوره الحديث في المنطقة منذ بدايات القرن الماضي.

ولذلك فإن الموقف القطري - الذي لم يخرج عن الإطار العام للدور الأصلي - لا يزال يحظى بتفهم أميركي مضمر، قد يبدو متحفظاً بعض الشيء في ظل التوجهات الجديدة للإدارة الجمهورية.

كان الانحياز القطري للإخوان قد تبلور كموقف سياسي من داخل الدور، في ظل الإدارة الديمقراطية السابقة، التي شهدت ميلاد الانتفاضات العربية في 2011، بعد أن وضعت تصاميمها الأولية مراهنةً على قوى الإسلام السياسي. بدا الرهان الأميركي رابحاً في المراحل المبكرة التي مضت حسب مسارات السيناريو الأميركي المرسوم، وهو ما مثَّل تغطية كافية للموقف القطري في فترة الشك والاهتزاز التي واجهتها الأنظمة المحافظة قبل أن تستعيد توازنها بعد سقوط جماعة الإخوان في مصر. أداء الجماعة، خلال فترة الصعود القصيرة، كشف عن أهدافها التخريبية في المنطقة، واندماجها في المشروع العنيف للإسلام السياسي. ولكن سقوطها السريع كشف عن حجم التمثيل الحقيقي للأصولية الإسلامية في الشارع السياسي، واظهر عطب التحليلات الغربية التي لم تفرق بين الحضور القوى للتدين الشعبي الاعتيادي والقبول بالأصولية السياسية.



أميركا والإخوان

تستند القراءة الأميركية الغربية على تحليل مفاده أن الإسلام السياسي يمثل القوة القادمة في المنطقة (التي لم تتأهل بعد لتغيرات ديمقراطية تعددية صريحة على النمط الغربي)، وبالتالي فإن المصالح الغربية في المدى المنظور تستدعى استيعاب هذه القوة وليس الصدام معها. ويتم الاستيعاب من خلال استقطاب التيارات الأكثر اعتدالاً، باعتبارها الأقدر على امتصاص حالة التطرف والإرهاب الأصولي التي تهدد المصالح الغربية.

ترجمة لهذه القراءة جرى التحالف مع جماعة الإخوان المسلمين التي قدمت نفسها ممثلاً معتدل للتيار الإسلامي الجارف في المنطقة، وبديلاً وحيداً للجماعات الأصولية المتطرفة. وهكذا تتقاطع الأهداف الأميركية الغربية مع أهداف الجماعة التي «فوجئت» بمساحة الفراغ السياسي في المنطقة عقب الانتفاضة، وأقدمت على تصعيد طموحاتها من مجرد تثبيت مشروعية الحضور إلى امتلاك مشروعية السلطة.



وكالة ضيقة

يشتغل الدور القطري -الذي يمكن تصنيفه كنوع من الوكالة الضيقة- داخل الدائرة العربية (العلاقات البينية) التي لا تستطيع إسرائيل الدخول إليها. وجد هذا الدور مبرراته مع التفتت التفصيلي للمشكلات العربية الناجم عن سلسلة الزلازل السياسية المتوالية، والانغماس الأميركي المتفاقم فيها. وهو منح النظام القطري مساحة نسبية للظهور من خلال آلية الوساطة بين فرقاء سياسيين على المستوى المحلي أو الإقليمي (أنظمة/‏ حكومات/‏ ميلشيات مسلحة/‏ تيارات سياسية/‏ جماعات متطرفة). وفيما كان قبول الفرقاء بالوساطة مبنياً على الوعي بطبيعة الدور القطري وقنواته المفتوحة مع القوى الكبرى، بدا الطرف القطري منتشياً بالمكاسب المعنوية المستهدفة والتي تتحقق بمجرد الحضور على الساحة.

اقرأ أيضا