رغم كونه ظاهرة طبيعيّة تصيب كلّ كائن حيّ، فإنّ تاريخ البشريّة يبيّن أنّ الإنسان حوّل الموت في محطّات تاريخيّة كثيرة إلى صناعة وإلى استثمار بما يعنيه ذلك من تحقيق للرّبح المادّي ومراكمة الثّروة. ولنا في الحروب دليل على ذلك بغضّ النّظر عن مشروعيّة حرب وعدم مشروعيّة أخرى. ولئن كانت هذه الصّناعة جزءاً من العلاقات الدّوليّة بين الدّول والأمم طيلة التّاريخ البشريّ، فإنّنا قد نحتاج إلى مقاربتها عبر براديغم (نموذج تفسيريّ) غير الذي دأبت عليه الأدبيّات السّياسيّة. ونعني بذلك براديغم «المثقّف»، أي أن نقارب القضيّة بمساءلة ضرب من المثقّفين عن الدّور الذي يضطلعون به في هذا المضمار. وهو، لا محالة، براديغم غير منفصل عن الوساطة الإعلاميّة التي لولاها ما كان لبعض المثقّفين أن يؤثّروا بالكيفيّة البالغة التي نعاينها. وبعبارة أخرى، فإنّ الأمر يتعلّق بـ«مثقّف الميديا» الذي يتأتّى له بموجب هذه الوساطة أن يؤثّر في شرائح من المتلقّين أوسع بكثير ممّا يجري عبر الوسائط التّقليديّة، الكتاب والمجلّة. هذه الورقة تُعنى بأن تسلّط الضّوء على فئة من البشر يُفترض فيها أنّها أبعد ما يكون عن هذه الصّناعة الإعلامية، ونعني بذلك فئة المثقّفين، أولئك الذين يسمّيهم تشومسكي «المجتمع الفكري». فلئن كانت «مهمّة» المثقّف هي النّقد والتّنوير وحسن تدبير المعرفة استخداماً وإشاعة بين النّاس، فإنّ ما يناط بهذه المهمّة أيضاً اتّخاذ المواقف الصّريحة الواضحة في إبّانها. وينبغي أنّ نشدّد على مقولة «مهمّة» لأنّ دور المثقّف ليس فقط إبداء الرّأي بهذه المناسبة أو تلك، وإنّما دوره، بل شرط إمكان وجوده كمثقّف هو أن يؤدّي دوراً فعّالاً في المجتمع الذي ينتسب إليه أساساً، وفي ما يخدم الإنسانيّة عموماً. خيانات المثقفين لقد بسط مفكّرون غير قليلين مسألة خيانة المثقّفين من حيث استخدام محصّلاتهم المعرفيّة تجاريّاً بحسب مقتضيات السّوق من عرض وطلب، ومن حيث التّبرير السّياسيّ للسّلطة حتّى عندما تكون غشوماً، ومن حيث تزييف حقائق التّاريخ. ولنا أن نستحضر إدوارد سعيد وهو يبيّن ضروباً من خيانات المثقّفين، سواء لقضاياهم الوطنيّة أو لقضايا إنسانيّة عادلة، حيث يتحوّل المثقّف إلى صانع أيديولوجيا قائمة على الإقصاء والاستئصال. ولنا أن نستحضر أيضاً باسكال بونيفاس وهو يكشف الزّيف الذي ينشره بعض المثقّفين الفرنسيين وهم يسوّغون زيفاً للاستعمار الفرنسي في الجزائر أو للعدوان الإسرائيليّ على الفلسطينيين، كما يبسط خيانات رجال الدّين بوصفهم يكونون شريحة من المثّقفين حينما يقرنون المعرفة بشؤون الدّين وأحكامه ومقاصده بوعي وتفكير عميقين. أي أنّ رجل الدّين يحمل من مواصفات المثقّف عندما تكون معرفته هذه مصحوبة بتدبير فكريّ ومصونة بالحرص على كرامة الإنسان؛ لكن عندما يتمّ الاقتصار على تفسير دينيّ خلو من الاجتهاد، فإنّه يترتّب عن ذلك ضرب من «الانسداد الثقافي»، كما يقول باسكال بونيفاس. فالصّراع الفلسطيني الإسرائيلي لا يرمي من ورائه الفلسطينيّون إلى إدخال اليهود في الإسلام أو المسيحيّة، كما لا يرمي الإسرائيليّون من ورائه إلى تهويد الفلسطينيين، وإنّما هو صراع على الأرض، أي أنّه صراع سياسيّ من أجل الوجود. ولكونه كذلك في الأصل، ولكن لكون التّكييف الدّينيّ له يضحي هو الغالب، تتأخّر دائماً إمكانات الحلّ الحاسم. تجارة التطرف وعندما يحوّل المثقّف المادّة الثقافيّة إلى تجارة تشيع التّطرّف واستئصال الآخر المختلف إنّما يحوّل نفسه إلى تاجر موت، ويتمّ تبعاً لذلك تحويل الثقافة إلى إجرام، أي يسهم المثقّف بنسبة من النّسب في تصنيع الجريمة. وإنّه ليتخلّى بذلك عن واحد من أهمّ أدواره وهو كونه صديقاً للحياة. فالمثقّف الذي لا يتدبّر مفهوم الصّداقة بالوعي والتّفكير لا يمكنه أن يكون نصيراً للقضايا العادلة، فضلاً عن كونه لا يمكنه أن يعتزّ بانتسابه، خاصّة الانتماء الوطنيّ، فالقضيّة العادلة هي القضيّة التي يكون فيها طرف، فرداً كان أو مجموعة أو شعباً، مستهدَفاً في مقوّمات وجوده الإنسانيّ. وأمّا الانتماء الوطنيّ فدالّ على وعي المثقّف بالخصوصيّات التي تجعل من الوطن هويّة وجوديّة ما دامت هذه الخصوصيّات تعبّر عن المشترك الذي يتوحّد حوله وبه مواطنوه، وهو لا محالة مشترك ثقافيّ قيميّ. أن يكون المثقّف صديقاً للقضايا العادلة وصديقاً لوطنه، أي صديقاً لشعبه، مفاده أنّه يدرك أنّ الصّداقة تتعارض أولاً وأساساً مع الخيانة، فلا صداقة دون وفاء. وهذا التّوصيف للصّداقة ليس حكماً أخلاقيّاً فقط، بل هو شرط إمكانها كما ضبطه القول الفلسفيّ منذ أرسطو، مروراً بالتّوحيدي، إلى جاك درّيدا، ولكن لا صداقة دون تضحية. وتضحية المثقّف بداهة لا تحتاج إلى تعليل: هي أن يضطلع بمهمّته، وإلاّ فإنّه يكفّ عن أن يكون مثقّفاً. ومهمّته لا تعدو أن تكون غير الاستقامة الفكريّة والنّزاهة الأخلاقيّة في تعفّف عن مغريات السّلطة والمصالح النّفعيّة التي تبخس الكرامة الإنسانيّة قيمتها الحقيقيّة، وإذا انتفت صفته مثقّفاً فإنّه يكون عندئذ، في هذه الحال، غرابَ بيْن. «مثقفو الميديا».. أبواق دعاية لقد أشرنا أعلاه إلى ظاهرة «مثقّف الميديا»، ويعنينا أن ننوّه بأهمّية الوساطة الإعلاميّة باعتبارها تتيح للمثقّف أن يؤدّي دوره في مساحة أوسع ممّا يتيحه الكتاب أو تتيحه المقالة في دوريّة من الدّوريّات المختصّة، بيد أنّ الخطر هو أن يرتدي الواحد منهم لبوس المثقّف الملتزم ويزيّف الحقائق، حقائق التّاريخ وحقائق المعرفة، كما نشاهد ذلك، للأسف، في أزمات العرب، حيث يحوّل «مثقّف» معارفه إلى مشارط لتمزيق أواصر بلده ولقطع العروة الوثقى التي تشدّه إلى شعبه وإلى موروثه الثقافيّ ومخزونه القيميّ، فإذا به يسوّغ لـ«ثقافة» التّقتيل باسم القيم الأنبل التي تستهجن بطبيعتها كلّ فعل إجراميّ وكلّ انحياز للتّطرّف والغلواء. وهذا أيضاً ما نعاينه في الفترة الأخيرة بمناسبة المشكلة القطريّة، حيث يواصل بعض ممّن ارتدوا زيّ المثقّف في فترات سابقة وفي محطّات سابقة، وقد كفّوا منذ أمد عن الاضطلاع بمهمّتهم الحقيقيّة، يواصلون لعبَ الدّور المنوط بهم وهو تسويغ القتل لمصلحة أطراف أجنبيّة والدّعاية لثقافة الموت على أمل تقويض أركان أوطانهم وصدع الجوار الجغرافيّ بين الأشقّاء، وتفكيك اللُّحمة الموروثة ثقافيّاً وحضاريّاً. على أنّ تبعات انحراف المثقّف عن دوره الطّبيعيّ وانخراطه في جوقة الأيديولوجيا لها تأثير سلبيّ وتلحق ضرراً فادحاً، يصعب إصلاحه في المدى المنظور، بفكرة الثقافة نفسها. وهو الضّرر المتمثّل في تشويش الصّورة وإرباك القيم لدى المتقبّل العاديّ، ولنعلنها بصراحة كون أكثر المتقبّلين للميديا المعاصرة ذوي مستوى عاديّ، وأحياناً ضعيف، فهذا المتقبّل الذي يتأثّر بالكاريزما التي تصنعها الميديا للمثقّف ويكفّ لحظة التقبّل عن إعمال الفكر لكونه يعتقد في أنّ ما يقوله هذا المثقّف هو عينه ثمرة الفكر، هذا المتقبّل لا يفعل به المثقّفُ المزعومُ (وهو ها هنا قد تحوّل إلى داعية مزعوم أيضاً) غير أن يحوّله إلى كائن يعتقد فقط في القتل والإبادة حلاً وحيداً لقضيّة موهومة. وإذا بالمثقّف «بوق» دعاية لسياسات ولأطراف خارجيّة هي في الأصل ضدّ شعبه وضدّ مستقبل بلده، وهو ينوب عنها بالوكالة لأنّ ذلك ييسّر عليها النّفاذ إلى ثقافة مجتمعه ويجنّبها شبهة الاستعمار والتّدخّل الخارجيّ. فليس أفضل لها من وسيط يكون من أبناء البلد المستهْدَف. ولنا أن نستحضر أنّ هذا التّأثير «الثقافيّ/ الإعلاميّ» لا يكون له أن يتضاعف لولا تراجع المستوى التّعليميّ والتّربويّ في معظم المدارس والجامعات العربيّة، ولولا تراجع نسبة القراءة والإقبال على الكتاب، حيث مواجهة النّصّ المكتوب تكون دافعاً للوعي وقادحاً لزناد الفكر لدى القارئ. ثقافة الاستغباء إنّ ما يفعله مثل هذا «المثقّف» هو صناعة المعرفة الظّنّية القائمة على الانفعال وليس على الوعي المشروط بمنطق الحجاج العقليّ. والظّنّ صنو «الرّأي» لا صنو التّفكير. صحيح أنّ المؤمَّل ليس صناعة متقبّلٍ مفكّر، ولكن المؤمَّل على الأقل هو أن يتعهّد المثقّف متقبّلاً يقوده في دربة ثقافيّة نحو القدرة على تعزيز الرّأي بالنّظر السّديد وبالشّجاعة في الطّرح تحت سقف احترام الذكاء الإنسانيّ. أمّا المثقّف الذي يزيّن للمتقبّل كراهيّة بلده واستهجان مواطنيه، فإنّه لا يفعل في واقع الأمر غير أن يشيع «ثقافة الاستغباء»، وهي لعمري من أبشع الجرائم في حقّ المتقبّل، ولكن أيضاً في حقّ الثقافة نفسها. وعلينا أن نستعير تلك الصّرخة التي أطلقها ذات مرّة عالم الاجتماع البريطاني فرانك فوريدي «أين ذهب كلّ المثقّفين»، وأن نستعيدها بمرارة وألم ونحن نوجّهها إلى أنفسنا. فلئن كان رهط من «مثقّفي الميديا» قد انساقوا وراء مطامعهم السّياسيّة أو انخرطوا هم أنفسهم في وهْم الأيديولوجيّات القاتلة، فليس للمثقّف المسؤول والملتزم أن يتشفّع لنفسه بالتّعالي عن الوضعيّات المستهجنة التي تردّى إليها العرب، وليس له أن يتذرّع بالتّعفّف عن سطحيّة الميديا، فذلك له عنوان واحد فقط: اليأس. بيد أنّ المثقّف اليائس مثقّف بائس، أي نعم ما زلنا في حاجة إلى المثقّف الملتزم، بل نحن في أمسّ الحاجة إليه اليوم، وإلاّ متى يكون الالتزام مفيداً إنْ لم يكن في الأوقات العصيبة التي تتهدّد كيان مجتمع أو بلد؟! على أنّ الالتزام في الثقافة لا يعني بالضّرورة تسييس الإبداعات الفنّية والأدبيّة، وإنّما يعني أساساً إشاعة تلك الإبداعات التي تتغنّى بالحياة وبالحبّ وبالجمال، ويعني بسط سبل تذوّقها بين النّاس، فالمثقّف الملتزم هو أيضاً مثقّف مبتهج، وإنّ الثّقافة المبتهجة لقادرة، بنسبة كبيرة، على مواجهة صناعة الإبادة التي ارتضى التّرويج لها رهط من وكلاء الموت الجدد (أي تلك الشّريحة من مثقّفي الميديا التي ما فتئت تتزايد، والحقّ يقال). وكلاء الخارج إن تبعات انحراف المثقّف عن دوره الطّبيعيّ وانخراطه في جوقة الأيديولوجيا لها تأثير سلبيّ وتلحق ضرراً فادحاً، بفكرة الثقافة نفسها. وهو الضّرر المتمثّل في تشويش الصّورة وإرباك القيم لدى المتقبّل العاديّ؛ فهذا المتقبّل الذي يتأثّر بالكاريزما التي تصنعها «الميديا» للمثقّف ويكفّ لحظة التقبّل عن إعمال الفكر لكونه يعتقد في أنّ ما يقوله هذا المثقّف هو عينه ثمرة الفكر، هذا المتقبّل لا يفعل به المثقّفُ المزعومُ (وهو هاهنا قد تحوّل إلى داعية مزعوم أيضاً) غير أن يحوّله إلى كائن يعتقد فقط في القتل والإبادة حلاّ وحيدا لقضيّة موهومة. وإذا بالمثقّف «بوق» دعاية لسياسات ولأطراف خارجيّة هي في الأصل ضدّ شعبه وضدّ مستقبل بلده؛ وهو ينوب عنها بالوكالة؛ لأنّ ذلك ييسّر عليها النّفاذ إلى ثقافة مجتمعه، ويجنّبها شبهة الاستعمار والتّدخّل الخارجيّ.