الاتحاد

الملحق الثقافي

سقط القناع



في الأيام الأخيرة انكشف الوجه الخائن لدويلة قطر التي تبدو جغرافيًّا كنتوء في اليابسة داخل جسم الخليج. ظل هذا الوجه يرتدي قناعاً طيلة العقدين الأخيرين، يظهِر المودة المزيفة لجيرانه من العرب وكل ما ينتمي إلى بني جلدته وإن نأت المسافات، في الوقت الذي يكن لهم غلاً دفيناً ورغبة في الإيذاء من خلال دعم أخطر الجماعات الإرهابية في التاريخ المعاصر، وهي الجماعات التي تسعى إلى تفتيت النُظُم العربية من داخلها وإثارة القلائل والاضطرابات فيها.





كان كل ذي فطنة يعرف هذا الوجه القبيح، وكانت أجهزة المخابرات في كثير من الدول العربية - وعلى رأسها مصر- تعرف تفاصيل هذا الوجه المقنَّع الذي يدعم أم الجماعات الإرهابية في تاريخنا المعاصر، وهي جماعة الإخوان المسلمين التي هي الأصل الذي انبثقت منه كل الجماعات الإرهابية وكل فكر ضال، خلال الثمانين عاماً الأخيرة. وربما يكون هذا الحدث الكاشف مناسبة مهمة، لا لتأمل تقلبات التاريخ وأحوال الأمم فحسب، وإنما أيضاً لتأمل معنى ظاهرة الخيانة ذاتها، وهو المعنى الذي سوف ننشغل به في هذا المقال بشكل أساسي.



تجليات الخيانة

ولكي نتعرف إلى معنى الظاهرة، فربما يكون من المفيد أن نتعرف إلى هذا المعنى من خلال وصف تجليات الظاهرة، كما نعايشها في عالم التجربة أو الخبرة، وفي هذا الصدد فإننا نلاحظ أن ظاهرة الخيانة لها تجليات عديدة، فهناك الخيانة الزوجية التي هي أول ما يقفز إلى أذهان الناس، وهناك خيانة الأمانة، وهناك خيانة الوطن، وهناك العَمَالة على مستوى الأفراد والنظم السياسية، وغير ذلك كثير. كما أن الظاهرة تتجلى عبر التاريخ -بما في ذلك التاريخ الإسلامي نفسه- في صور لا تحصى. فهل يمكن إذن أن نتحدث عن الخيانة كما لو كانت ظاهرة واحدة؟ وإذا كان هذا هو الحال، فما هو المعنى المشترك في تجليات ظاهرة الخيانة؟

من الواضح أن السمة الأساسية المميزة لسائر حالات الخيانة هي ازدواجية السلوك، فالسلوك هنا له ظاهر وباطن: الظاهر وجه بريء أو وجه يُظهِر البراءة، والباطن هو الوجه الحقيقي الذي يُضمِر الشر وإيقاع الأذى بالآخرين، ولذلك فإن الخيانة مقترنة دائمًا بالنفاق والخداع، وهي سمات مذمومة مترتبة على السمة الأساسية وهي تلك الحالة الازدواجية. هذه الحالة الازدواجية تحدث حتى على مستوى الأنظمة السياسية من قبيل تلك الحالة التي نحن بصددها، ولذلك فإننا عندما نذم نظامًا سياسيًّا ما، فإننا نصفه بأنه يتبنى سياسة مزدوجة، فما بالنا لو اقترنت هذه الازدواجية بالخيانة. وذلك أمر مختلف تمامًا - بطبيعة الحال - عن مفهوم المصالح، لأن السياسة في الأصل تقوم على المصالح المتبادلة بين الدول، وهو أمر مشروع لا يخالف الأعراف الدولية. أما في حالة الازدواجية المقترنة بالخيانة وإيقاع الأذى، فذلك أمر لا يخالف الأعراف الدولية فحسب، وإنما يقع تحت طائلة القانون الدولي، ومن ثم يجعل النظام السياسي عُرضة لتطبيق العقوبات الدولية، إذا ما رُوعي القانون.

هذه الازدواجية التي تميز المسلك السياسي للنظام القطري، لها وجوه عديدة: فهو نظام يدعي أنه يخدم القضية الفلسطينية في الوقت الذي يدعم فيه جماعة حماس الإرهابية، وفي الوقت الذي يدعم فيه هذه الجماعة (التي تدعي هي الأخرى أنها تمثل المقاومة الفلسطينية) يساند دولة إسرائيل ويدعمها وينفذ مخططاتها. وهو نظام يدعي أنه يواجه الإرهاب والقمع ويدعم الحريات والنظم الديموقراطية من خلال بوق إعلامي يُسمَّى قناة الجزيرة التي ينفق عليها النظام ببذخ، ولكنه - في الوقت ذاته - يدعم الجماعات الإرهابية ويحتضنها ويمول مخططاتها وأجنحتها العسكرية، وعلى رأسها جماعة الإخوان الإرهابية. وهو نظام يدعي عروبيته في الوقت الذي يتحالف فيه مع إيران التي لا يخفى على أحد تطلعها إلى الهيمنة على منطقة الخليج والعراق وسوريا واليمن، ويتحالف أيضًا مع تركيا التي يحلم زعيمها في نوع من الهلوسة إلى الهيمنة على العالم العربي من خلال إحياء الخلافة الإسلامية تحت زعامته.

إن هذه الحالة أو الحالات الازدواجية مقترنة دائمًا بالنفاق والخداع المقترنين- بدورهما- بالكذب بالضرورة، ذلك أن آية المنافق ثلاث، كما بيَّن لنا رسولنا الكريم: «إذا تحدث كذب، وإذا ائتُمِن خان، وإذا خاصم فجر»، وتلك خصيصة تتجلى- أكثر ما تتجلى- في جماعة الإخوان. ولكن تلك الخصيصة تختلف اختلافًا تامًا عن الخداع المشروع الذي يحدث إزاء العدو في الحروب، فالحرب خُدعَة. إن كل شخص لديه الحد الأدنى من الفهم والفطنة، يمكنه أن يُدرِك ببساطة مسلك هذه الجماعة من واقع الخبرة المعيشة، خاصةً منذ اعتلاء هذه الجماعة نُظُم الحكم في بعض البلدان العربية (خاصةً في مصر وتونس): فقد انكشف الوجه القبيح لهذه الجماعة التي خدعت الشعوب بتبني الشعارات الدينية وتوفير الخِدمات للفقراء والمحتاجين باسم الإسلام، ولكنها في الوقت ذاته كانت تسعى إلى اعتلاء السلطة من أجل تنفيذ مخططها - من خلال العمل السري الذي اعتادته - عبر أكثر من ثمانين عامًا. إن كل شخص واعٍ صادف يومًا شخصًا إخوانيًّا قحًا يفهم ذلك تمامًا. ولقد عايشت أنا شخصيًّا تلك الخبرة أثناء أمانتي للمجلس الأعلى للثقافة بمصر الذي كان يحاول الإخوان اختراقه ضمن محاولاتهم اختراق أجهزة الدولة كافةً... كان مرؤوسي الذي تم زرعه في عهد الوزير الإخواني في منصب وكيل وزارة، يحاورني ويداورني بالساعات مستخدمًا كل فنون الكذب والتدليس والخداع كي يصل إلى مبتغاه، وهذا المسلك هو ما يعرف عندهم باسم «التقية». وهذا ما عهدته في مسلك كل شخصية إخوانية عرفتها.



جماعة الخونة المتأسلمين

من الضروري أن نلاحظ أن الخيانة ليست بخصيصة توصم شعوبًا بعينها دون غيرها، وإنما هو خصيصة يمكن أن توصم قبائل بعينها أو جماعات معينة. وهذا ينطبق أيضًا على سائر الخصائص أو السمات الأخلاقية، فالسمات الأخلاقية ليست بخصائص أصيلة في شعب ما من الشعوب، لأنها تتغير وتختلف باختلاف الزمان و»روح العصر» السائدة، إذا شئنا أن نستخدم مصطلحًا هيجليًّا في هذا السياق، فنحن في مصر قد اعتدنا - على سبيل المثال- أن نصف أهل منطقة دمياط بأنهم يتسمون في أغلبهم بالبخل، في حين أننا نصف أهل أسوان بأنهم يتسمون بالطيبة والوداعة، ولكننا لا يمكن أن نصف شعبًا بأكمله بالبخل أو الطيبة أو الخيانة أو غير ذلك من السمات الأخلاقية، لأن هذه السمات تحتاج إلى أن تتأصل عبر تراكم تاريخي طويل يميز عصر ما عن غيره. وعلى هذا، فإننا عندما نصف النظام القطري بالخيانة، فإن هذه الوصمة لا يمكن أن تمتد إلى الشعب القطري نفسه.

وإذا كانت صفة الخيانة توصم الأفراد وبعض الجماعات دون الشعوب، فإن هذا يعني أنها صفة تتأصل في طبيعة الفرد وفقًا لما نشأ وتربى عليه في أسرة أو عائلة بالمعنى الضيق أو جماعة بالمعنى الأوسع، وهذا ما يصدق بقوة على جماعة الإخوان المسلمين التي يتربى الفرد العامل فيها على مبادئ عديدة، أهمها: السمع والطاعة في تنفيذ الأوامر التي تأتي من قياداتها، وخداع البسطاء من الناس باسم الإسلام، واستخدام الكذب والخداع والخيانة في التحالفات والمناورات السياسية التي تهدف إلى اعتلاء السلطة باسم الدين (وإن اقتضى الأمر استخدام الإرهاب المسلَّح)، وإنكار مفهوم الوطن ومن ثم الوطنية، فالولاء يكون للجماعة لا الوطن (ولا يمكن لأحد أن ينسى أبدًا قول كبيرهم أو مرشدهم العام الأسبق المحبوس حاليًّا: «ما الوطن إلا حفنة من تراب عفِن»!. ولطالما ربت هذه الجماعة أفرادها على هذه المبادئ منذ أكثر من ثمانين عامًا، ولهذا كله أرى دائمًا أن أفضل اسم للجماعة هو «جماعة الخونة المتأسلمين».

 وليس من قبيل الصدفة أن خيانة النظام القطري قد نشطت بقوة في عهد صعود الإخوان، وكلاهما اجتمعا على ضرورة اختراق المؤسسات الثقافية، بل الإفراد من المثقفين أنفسهم، فالخيانة هنا ليست من خلال دعم الجماعات الإرهابية المتأسلمة فحسب، وإنما من خلال اختراق الثقافة والمثقفين من أجل توفير غطاء سياسي وفكري لهذه الجماعات. ولهذا رأينا بعضًا من هؤلاء المثقفين- ممن يفتقرون إلى الثقافة الحقة على مستوى الفكر والإبداع - يعتلون المنابر الثقافية والإعلامية وأعمدة الصحف الأكثر شهرةً وتأثيرًا، ولكن وجودهم أو تواجدهم سرعان ما خفت أو توارى بفقدان الجماعة للسلطة الحاكمة. ولهذا أيضًا رأينا كثيرًا من المثقفين العرب يقبلون العمل في بوق الجزيرة الإعلامي أو التعامل معه في نوع من السلوك أقرب إلى الخيانة. وأنا لا أعني بذلك كل من تعامل مع هذا البوق ذات مرة أو غيرها، وإنما أعني أولئك الذين كانوا ضيوفًا دائمين على مائدة اللئام أو اعتادوا التواصل معهم عبر هاتف قناتهم المسمومة، وأولئك الذين يسعون إلى نيل الجوائز المشبوهة التي يمنحها النظام القطري. ولهذا كله، فقد سبق أن رفضت رفضًا قاطعًا دعوة مؤسسة ثقافية ترأسها الشيخة موزة للتعاون مع المجلس الأعلى للثقافة بمصر، مؤكدًا في تأشيرتي على رفض التعاون أيضًا في أية أنشطة ثقافية أو مع أية مؤسسات ثقافية أخرى.

ونلاحظ أيضًا أن صفة الخيانة ترتبط بصفات أخلاقية ونفسية أخرى مذمومة، سواء تجلت على مستوى الفرد أم الجماعة: فالخائن شخص يفتقر إلى نضج الوعي الذاتي، لأنه لا ينظر إلى نفسه بوصفه شخصًا مستقلًا، وإنما بوصفه شخصًا تابعًا، سواء كان تابعًا لجماعة تلزمه بمبدأ السمع والطاعة، أم تابعًا لأي نظام آخر.. إنه باختصار شخصية مزيفة أو هشة على الأقل، لأنها ببساطة تقبل أن تُستخدَم كأداة لغيرها. ولا شك أن مثل هذه الشخصية تنافي الأخلاق والقيم الإنسانية، ولهذا أيضًا رأى كانط أن من شروط الأخلاقية أن يلتزم المرء بهذا المبدأ الأخلاقي: «عامل الإنسانية ممثلةً في شخصك أو أي شخص آخر باعتبارها غايةً في ذاتها، ولا تعاملها أبدًا باعتبارها مجرد وسيلة». ومن السمات المقترنة أيضًا بشخصية الخائن أنه يفتقر إلى الصراحة (لأن الكذب والخداع ديدنه)، ويفتقر بالتالي إلى الشجاعة (لأنه لا يقوى على المواجهة، ويلجأ دائمًا إلى التخفي وراء قناع).

وعلى هذا يمكن القول في النهاية إن شخصية الخائن لا يمكن التعامل معها إلا من خلال تعريتها وكشف قناعها، ومواجهتها على هذا الأساس.



مظاهر الازدواجية

تتمظهر الازدواجية التي تميز المسلك السياسي لنظام دويلة قطر، في وجوه عديدة: فهو نظام يدعي أنه يخدم القضية الفلسطينية في الوقت الذي يدعم فيه جماعة حماس الإرهابية، وفي الوقت الذي يدعم فيه هذه الجماعة (التي تدعي هي الأخرى أنها تمثل المقاومة الفلسطينية) يساند دولة إسرائيل ويدعمها وينفذ مخططاتها. وهو نظام يدعي أنه يواجه الإرهاب والقمع ويدعم الحريات والنظم الديموقراطية، ولكنه - في الوقت ذاته - يدعم الجماعات الإرهابية ويحتضنها ويمول مخططاتها وأجنحتها العسكرية، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين. وهو نظام يدعي عروبيته في الوقت الذي يتحالف فيه مع إيران التي لا يخفى على أحد تطلعها إلى الهيمنة على منطقة الخليج والعراق وسوريا واليمن، ويتحالف أيضاً مع تركيا التي يحلم زعيمها في نوع من الهلوسة إلى الهيمنة على العالم العربي من خلال إحياء الخلافة الإسلامية تحت زعامته.

اقرأ أيضا