الاتحاد

الملحق الثقافي

وكلاء الموت


واحد من المبادئ الفلسفية التي ترسخت بفضل مجهودات فلسفة الاختلاف وتفكيك الأنساق الميتافيزيقية هو أن الوجود الإنساني وجود علائقي، فالذات سواء كانت فردية أو جماعية، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تكتفي بذاتها، إنها في حاجة إلى الآخر، حتى وإن كانت تختلف معه، ودائماً هناك مشترك إنساني يمكنه أن يجمع بيننا. لقد ناضلت الفلسفة المعاصرة طويلاً من أجل تفكيك المركزية الذاتية المطلقة بغرض الانفتاح على الآخر والقبول به كضرورة وجودية. ولكن بالنظر إلى طبيعة التحولات التي يشهدها عالمنا المعاصر، خصوصاً بعد أن دقت النواقيس في الظلام معلنة عن ميلاد هذا الشكل الجديد من الصراع ألا وهو الإرهاب، هل ما زال بإمكاننا أن ننظر إلى الآخر كنعيم بعدما تحول إلى جحيم؟ كيف يمكن فهم هذا المنعطف الفريد الذي نعبره في الألفية الثالثة، هذه المرحلة التي قال عنها أمين معلوف إنها بلا بوصلة؟ وأكثر من ذلك كيف يمكننا الحفاظ أو الدفاع عن نزعة إنسانية، ونحن نحارب ليس فقط ما هو لاإنساني - l’inhumain، بل ما هو أرعن ومهتاج وفاقد لرجاحة العقل - l›énergumène ؟


دعونا في البدء نذكر بالطرق المعتمدة لمكافحة الإرهاب والواجهات الأساسية التي يتم العمل عليها. هناك لحد الآن أربع منهجيات يتم استعمالها من أجل الوصول إلى نتائج ملموسة:

المقاربة الأمنية
تقتضي هذه المقاربة اعتماد القوة الأمنية، وتحريك رجال الشرطة والمخابرات لكشف الخلايا الإرهابية النائمة، وتقديمها إلى المحاكمات وتحريك المسطرة الجنائية ضدها. كل الدول تعتمد اليوم على هذه الطريقة وهي تنجح فيها بنسب متفاوتة حسب قدرة الجهاز الأمني لديها وجهوزيته.
 ولكن مع ذلك تظل هذه المقاربة الأمنية محدودة، لأنه مهما كانت يقظتها فإن هناك مع ذلك بعض العمليات التي تستطيع مراوغتها والانفلات من رقابتها. لقد حدث هذا مراراً في العالم العربي، وحدث أيضاً في أوروبا وأميركا. وبكلمة واحدة نقول بأنه حتى وإن استطاعت الأجهزة الأمنية مكافحة الإرهاب إلى حدود 99% فإن 1% الباقية كافية لإحداث الرعب. كما أن العديد من الأفراد الدين خرجوا من السجن عادوا للالتحاق من جديد بصفوف التنظيمات الإرهابية.

المقاربة العسكرية
تقوم المقاربة العسكرية في مكافحة الإرهاب على التدخل العسكري المباشر، من أجل القضاء على معسكرات التدريب، أو من أجل قصف المخابئ والجبال التي يتحصن فيها الإرهاب. بفضل هذه العمليات يضيق الخناق يوماً عن يوم حول التنظيمات الإرهابية. المثال على ذلك واضح في العراق وسوريا. لكن هذا ـ للأسف - لا يعني أننا تمكنا بالفعل من إلحاق الهزيمة النهائية بها، ما دام أن الإرهاب يتسع مداه كبقعة الزيت التي يمتد أثرها باستمرار. لذلك ورغم كفاءة المنهجية العسكرية في إلحاق الخسائر الفادحة بالتنظيمات الإرهابية فإنها تظل محدودة لسببين: الأول؛ لأنها تصلح فقط في حالة الكفاح ضد التنظيمات المسلحة التي تخوض مواجهة مباشرة مثل تنظيم داعش، في حين أن الظاهرة الإرهابية قد تأخذ أشكالاً أخرى مادام أنها تختفي وتندس في ثنايا النسيج الاجتماعي. والثاني: إلحاق الخسائر المادية بالإرهاب لا يكفي من أجل القضاء عليه، وأبرز مثال على ذلك داعش نفسها التي كلما هزمت في منطقة إلا وتفتح جبهة في منطقة أخرى. لذلك وكما يقال كل ما يمكن عمله في هذه الحالة، هو الدفع بالتنظيم بعيداً عن الحدود Push it away.

المقاربة التنموية
تعتمد دول عديدة نهج المقاربة التنموية في التصدي للإرهاب، وخاصة الفقيرة منها أو السائرة في طريق النمو. طبقاً لهذه المنهجية ما دام أن الفقر والهشاشة الاجتماعية، وانتشار أحياء الصفيح، والإقصاء والتهميش الاجتماعي، كل ذلك هو المسؤول عن انتشار ظاهرة الإرهاب، فإن سياسة تنموية جيدة كفيلة بوضع حد لها. والحق أن هذه المنهجية تستطيع في الكثير من الأحيان النجاح في مسعاها، إلا أن الفقر ليس دائماً هو السبب، فقد تبين أن التطرف يمكن أن يخرج حتى من داخل أحضان الدول الغنية. يمتلك الإرهاب جاذبية قوية تكمن في أيديولوجيته وفي الفكر التكفيري الذي يقوم عليه، وبالتالي لا تستطيع المنهجية التنموية أن تصل إلى نتائج كبيرة مع من تربّى في محاضن الظلام وخضع لغسيل ذهني ممنهج.

 المقاربة الثقافية التربوية
 ترى هذه الطريقة أن الخلل يوجد في الأيدولوجيا التي تحملها التنظيمات الإرهابية، أي في كيفية فهم وتأويل الموروث الديني والثقافي عموماً، أو في إدراك طبيعة العالم الحديث والقيم التي يتأسس عليها. وهنا لا سبيل إلى مكافحة التطرف إلا ببلورة منظومة تعليمية قوية، تعمل على ترسيخ الفكر النقدي والتحليلي لدى النشء. وبلورة جهاز مفاهيمي بديل للجهاز الذي يقوم عليه الإرهاب، كما يمكن للإعلام ومؤسسات المجتمع المدني أن تساهم بدور كبير في بلورة ثقافة تنفتح على قيم العصر، بدل الارتهان لتأويلات مغلقة للماضي.
كل هذا جيد، ولكن ماذا لو كان الإرهاب له محاضن أخرى غير الأفراد والجماعات. إن التحليل السابق يكون صحيحاً في حالة ما إذا كانت الدولة تنهج سياسة واضحة من أجل مكافحة الإرهاب، سواء اعتمدت هذه الطريقة أو تلك، ولكن ماذا لو تحولت الدولة نفسها إلى وكر آمن له؟

الموجة الخامسة للإرهاب
دافيد رابوبورت David C. Rapoport مفكر سياسي أميركي وواحد من الأوائل الذين أسسوا للدراسات الأكاديمية حول ظاهرة الإرهاب، عرف بتصنيفه الشهير للمراحل الأربعة التي عبرتها هذه الظاهرة وهي كما يلي:
المرحلة الفوضوية التي انطلقت في نهاية القرن التاسع عشر، خصوصاً في روسيا مع باكونين وكروبتكين. بعدها، وبدءاً من 1920 جاءت مرحلة الحركات المناهضة للاستعمار، ثم هناك المرحلة الثالثة خلال سنوات الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، التي أعقبت ظهور المد الشيوعي في العالم والحركات الثورية المسلحة. وأخيراً هناك المرحلة الرابعة التي ينعتها دافيد رابوبورت بالإرهاب الديني والتي ما زلنا نعيش تبعاتها إلى اليوم.
وبغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا مع هذا التحقيق التاريخي الذي يقدمه الباحث ومدى مصداقيته ـ واضح مثلاً أن الكاتب يخلط في المرحلة الثانية بين الإرهاب وحركات التحرر المطالبة بالاستقلال ـ فإن ما يهمنا أكثر هو التساؤل الذي طرحه بعض المتتبعين، وهو: ما ستكون الموجة الخامسة للإرهاب التي ستعقب المراحل الأربع السابقة؟
هناك وقائع ملموسة، ظهرت بعد الحادي عشر من سبتمبر، تدفعنا إلى القول بأن الموجة الخامسة للإرهاب لن تكون شيئاً آخر غير إرهاب الدولة ذاتها. الأمثلة على ذلك كثيرة جداً، يكفي أن نلقي نظرة على التوترات السياسية التي يعرفها الشرق الأوسط حتى ندرك طبيعة هذا التحول الذي عرفه الإرهاب اليوم. فعندما تهجِّر الدولة شعبها أو تعمل على إبادته بشكل منهجيّ وبأسلحة محرَّمة دولياً، أو عندما تعمل الدول أو التنظيمات المسلحة التي تطلق على نفسها صفة دولة كوكيل للموت وحاضن له، أو كذلك عندما تعتمد القمع والإبادة والدعم اللوجستي، سواء ضد شعبها أو ضد الشعوب المجاورة، إما بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر عن طريق دعم ومساندة وتوفير الأجواء الملائمة، كي تعشش خفافيش الظلام وتنشر أوكارها. عندما يحدث كل هذا وغيره، آنذاك لا يسعنا إلا أن نقول بأننا تجاوزنا المراحل التقليدية للإرهاب، نحو مرحلة جديدة تصبح الدولة نفسها تستمد مبررات وجودها من خلال هذه السياسة الهوجاء، المضادة تماماً لطبيعة الدولة الحديثة؛ دولة الحق والقانون. كما تصبح الممارسة السياسية ووسائل الإعلام المروجة لها مجرد ركام من التخرصات التي لا سبيل فيها إلا الشفافية كواحدة من الصفات الأساسية التي تقوم عليها الديمقراطية.
عندما يحدث هذا الأمر يمكن القول، مستعينين ببعض المفاهيم الأثيرة للفكر المابعد حداثي، إننا لم نعد أمام (نزاع ـ Le litige) يمكن احتواؤه عبر لغة الحوار والتواصل، بل أمام (خلاف ـ le différend) يعلو على كل محادثة أو سجال سياسي، ما دام أنه يمس جوهر القيم والمعايير التي تتأسس عليها طبيعة الدولة الحديثة.
ولكن لم يستمرئ هذا الآخر ـ وقد تحول من نعيم المشترك الإنساني إلى جحيم الاهتياج العياني ـ مثل هكذا موقف مضاد لسيرورة التاريخ ولطبيعة الحياة المعاصرة؟

نهاية السياسة
هذا هو بالفعل ما يمكن وصفه بـ «الحدث العظيم».. إنه ما وصفه العديد من علماء الاجتماع والمحللين الاستراتيجيين (الألماني روبير كورز robert kurz والفرنسي بيير بيرنباوم Birnbaum Pierre ) بنهاية السياسة. ولكن ليس المقصود هنا نهاية السياسة بمعنى أفول الأيديولوجيات الكبيرة التي كانت تشكل الدافع الأساسي للفعل السياسي في العالم، لقد كانت السياسة دوماً فعلاً مرتبطاً بالفضاء العمومي محكومة بالرغبة في الدفاع عن المصلحة العامة، غير أنها اليوم أصبحت تحت وصاية مجموعات نخبوية حاكمة تتحكم فيها وتسيرها بمزاجيتها الخاصة. فإذا كانت الديمقراطية هي حرية المشاركة في صنع القرار والتي تضمن تحكم الشعوب في مصيرها التاريخي، فإن القرار أصبح اليوم عبارة عن عته سياسي وذهان بارانويائي محكوم فقط بالرغبة في التسيد على العالم، وادعاء العظمة المتوهمة كما لو أنه هو وحده الذي يفهم مشاكل العالم ووحده القادرة على إيجاد حلول لها.
إن ما هو أشد سوءاً اليوم، ليس فقط انتشار الشر المحض، ولكن أن يصبح مُمَأسساً ومدعوماً بشكل واضح مادياً ومعنوياً. نحن لا نقصد هنا تلك الممارسات اللاديمقراطية التي كانت تميز طبيعة السياسة الداخلية للدولة اتجاه مواطنيها، تلكم الممارسات التي طالما تمت إدانتها من المنظمات الحقوقية الدولية. بل نقصد هذا الذي لا يسمى، الفاقد للبوصلة، المأفون والذي نتيجة التخبط السياسي يمكنه أن يبيع روحه/ كيانه للشيطان مقابل الحصول على مكاسب عينية على الأرض. هكذا وبعد كل الأشكال التي اتخذها التطرف والإرهاب مثل الخلايا النائمة، والذئب المنفرد، والجماعات المسلحة ها هو شكل جديد ينضاف إلى باقي الأشكال إنه إرهاب الدولة، وهذا من سخرية الأقدار بطبيعة الحال؛ لأن الدولة هي التي كان يعول عليها في مكافحة الإرهاب واجتثاثه. بدهي إذن أن الإرهاب في هذا السياق يرتبط بضعف البناء الديمقراطي وبانعدام حياة سياسية سليمة.
***
طبعاً لا نحتاج إلى التذكير بأن الإرهاب مُدان، سواء كان من طرف التنظيمات والجماعات المسلحة، أو من طرف الدولة، التي يفترض من الناحية السياسية، أن تكون هي أول من يقف في وجهه ويكافحه. ولكن بما أن إرهاب الدولة هو كما يقال «الأكثر إرهاباً» بحكم كونه يمارس بطريقة منظمة، ويشكل إطاراً وحاضنا للتنظيمات الإرهابية، سواء منها الفاعلة على أرض الواقع، أو تلك التي في طور التشكل. فإن أكبر معضلة نعيشها في سياق هذا التحول هو كيف يمكننا اعتماد سياسة لاحتواء هذه الظاهرة ـ التي وإن كانت قديمة إلا أنها تعود اليوم في حلة جديدة ـ مع ضرورة الحفاظ على القيم الإنسانية الأساسية.
يقول نيتشه في واحدة من شذراته البديعة: «فليحذر من يحارب الوحوش أن لا يتحول هو نفسه إلى وحش ومن يطيل النظر في الهاوية تنظر الهاوية إليه». إن معنى هذا أن مكافحة الإرهاب ينبغي أن تتم في انسجام مع القيم الأساسية التي تتأسس عليها المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، مع ضرورة اعتماد مقاربة شمولية une approche holistique تستحضر كل الأبعاد والمكونات المتحكمة في هذه الظاهرة.

المقاربة الأمنية لا تكفي
المقاربة الأمنية للإرهاب تظل محدودة، لأنه مهما كانت يقظتها فإن هناك مع ذلك بعض العمليات التي تستطيع مراوغتها والانفلات من رقابتها. لقد حدث هذا مراراً في العالم العربي، وحدث أيضاً في أوروبا وأميركا. وبكلمة واحدة نقول: حتى وإن استطاعت الأجهزة الأمنية مكافحة الإرهاب إلى حدود 99% فإن 1% الباقية كافية لإحداث الرعب. كما أن العديد من الأفراد الدين خرجوا من السجن عادوا للالتحاق من جديد بصفوف التنظيمات الإرهابية.

دول أم أوكار للإرهاب؟
لا سبيل إلى مكافحة التطرف إلا ببلورة منظومة تعليمية قوية، تعمل على ترسيخ الفكر النقدي والتحليلي لدى النشء. وبلورة جهاز مفاهيمي بديل للجهاز الذي يقوم عليه الإرهاب، كما يمكن للإعلام ومؤسسات المجتمع المدني أن تساهم بدور كبير في بلورة ثقافة تنفتح على قيم العصر، بدل الارتهان لتأويلات مغلقة للماضي.
كل هذا جيد، ولكن ماذا لو كان الإرهاب له محاضن أخرى غير الأفراد والجماعات. إن التحليل السابق يكون صحيحاً في حالة ما إذا كانت الدولة تنهج سياسة واضحة من أجل مكافحة الإرهاب سواء اعتمدت هذه الطريقة أو تلك، ولكن ماذا لو تحولت الدولة نفسها إلى وكر آمن له؟

الأسوأ من الإرهاب.. مأسَسَتُه
إن الأشد سوءاً اليوم، ليس فقط انتشار الشر المحض، ولكن أن يصبح مُمَأسساً ومدعوماً بشكل واضح مادياً ومعنوياً. فبعد الخلايا النائمة، والذئب المنفرد، والجماعات المسلحة ها هو شكل جديد ينضاف إلى باقي الأشكال إنه إرهاب الدولة، وهذا من سخرية الأقدار، لأن الدولة هي التي كان يعول عليها في مكافحة الإرهاب واجتثاثه. من البديهي إذن أن الإرهاب في هذا السياق يرتبط بضعف البناء الديمقراطي وبانعدام حياة سياسية سليمة.

اقرأ أيضا