الاتحاد

رأي الناس

الحدباء لم تسقط بل سقط «داعش»

لم يترك «داعش» وسيلة إلا واستخدمها لتدمير الإنسانية، فكل شيء في دستورهم الأعمى مباح، فالقتل والنهب والحرق والذبح شريعتهم، فالجرائم التي اقترفوها مروعة بحق الأرض والسماء وما بينهما أرواح بريئة نقية تصول وتجول فيها بحثاً عن الحياة التي وهبها خالق هذا الكون لمعشر البشرية، وإذا كانت هناك حقبة سوداء ستذكر في أروقة التاريخ للأجيال القادمة، فستكون تلك التي عاث فيها «داعش» فساداً وخراباً، فلا يمكن مقارنة أي كارثة أو محنة واجهتها الحضارة بما فعله «داعش»، فمنذ بزوغ فجره الشيطاني وولادته من خاصرة الجحيم، جلب معه الويلات والكوارث، فلم ينج أي شيء إنْ كان حياً أو جامداً من براثنه المتعفنة التي اتخذت من الزيف والتصنع والزور حججاً ومبررات لانتهاكاته الشنيعة، فلقد لطخوا كل ما هو مقدس بالدم، وتعمدوا إقصاء وتهميش ومحاربة القيم والمبادئ، وقاموا بقلب فحوى المعتقدات لأهدافهم الوحشية لترويع البشر. «داعش» الذي لم يمر على ولادته سوى سنوات عدة، حمل فكراً منافياً لشريعة الخالق جل جلاله، وحرض على القهر والظلم بوسائل متعددة، ففكره التكفيري لا يحمل أي وجه من الصحة، بل هو مخالف للعقيدة الإلهية، فإله الكون عز وجل صنع الحياة ووضع في رحمها الإنسان كي يزرع في هذه البقعة الجميلة من المجرة المحبة والأمل والسعادة، لكن «داعش» دحض هذه الحقيقة واتخذ من الباطل نهجاً وطريقاً لإخفاء الحق...
فهذا التنظيم الأرعن لم يخلف سوى العار، فتجارته مع الدم أفسدت ربيع البشرية الذي يعاني الجوع والفقر والمرض منذ سنين طوال بسبب الحروب والأزمات، لكن ما فعله هؤلاء الرعاع والأوباش زادها جوعاً وفقراً ومرضاً، فالسرطان يقف عند تدخل العلم والجراد يختفي عند رش عنصر كيميائي والفقر ينهزم أمام إرادة الإنسان، بينما هذا الطاعون الأسود استشرى بحد السيف، ولابد من السيف كي يضع له حداً، فيجرده من حالة الجنون التي يعيشها، فالضربات تتوالى عليه ومن كل جهة وجانب، وما هذا إلا دليل قاطع على أن البشرية تأبى الانصياع والخضوع له، فمثلما هنالك أشرار يجوبون أركان العالم، فهنالك شرفاء يقفون على جهاتها الأربع لحماية الحضارة والبشرية، فالثوار يملأون الأرض وضجيجهم لن يتوقف إلا بزوال هذه الغرابيب السود، وبزوغ شمس الحرية والكرامة والعدل.
فبعد كل ما قام به الحفاة فكرياً والعراة روحياً من أمور وأشياء لا يتخيلها العقل البشري الواعي المدرك لماهية الحياة، ها هم يمحون إحدى أعظم الآثار التاريخية من خارطة التراث الإنساني التي بقيت شامخة لأكثر من 9 قرون، فالجامع النوري صمد أمام احتلال المغول، وكانت منارته الحدباء رمزاً حضارياً لجميع شعوب العالم، فهي لا تقل قيمة عن الأهرامات والبتراء وتدمر والمايا والاغريق والجامع الأموي، وغيرها، فلطالما حظيت الآثار بالحماية من جميع المكونات والأطياف الإنسانية لأنها تعتبر من شواهد التاريخ الإنساني، فالأمم والشعوب تجسد ملاحمها في صورتها، وتبني مجتمعاتها استناداً إلى خلفيتها، فهي إضافة لكونها مرجعاً حياً وحاضراً للباحثين عن خفايا وأسرار العصور المنصرمة في الوقت ذاته، هي نقطة التقاء لجميع الأقوام باعتبارها كنزاً من كنوز من عاشوا فترة وحقبة زمنية حملت العلم والمعرفة والثقافة في جعبتها، فهذا العمل المخل بكل الأعراف والقوانين الذي اقترفه الخارجون عن سرب ما هو سائد ومعروف به أخلاقياً، ما هو إلا دليل على إفلاس «داعش» تنظيمياً وفكرياً، فالهزائم تلاحقه من كل جهة وصوب وصليل صوارمهم اتخذ من الطغيان وسيلة لبث الرعب والرهبة في كل شيء حي وجامد، فهذا النهج الوقح الذي تنتهجه «داعش» علامة على زوالهم من الوجود، فهو يعيش آخر لحظاته الشيطانية، فيوماً بعد يوم تتقلص رقعته ويصغر حجمه ويحتضر عناصره، فمعظم الدكتاتوريات التي حكمت الشعوب وقفت عند نقطة معينة من العنف، بينما هؤلاء الأوغاد السائرون نحو الهاوية بفعل إيمانهم المطلق بالوهم والخيال لم يسلم منهم أي شيء، فأولى خطواتهم بدأت بالقتل، وتلتها العجائب والغرائب، وآخرها حرب عبثية جنونية مع شواهد الحضارة الإنسانية.
فجامع النوري والمنارة الحدباء لم يسقطا بل سقط «داعش»، ومتفجراته لم تدمر أي شيء فلا يوجد أحد على وجه الأرض باستطاعته تحطيم هوية الحياة بماضيها وحاضرها، هذا العمل مقتصر على من وهبها لبني البشر، هو من له الكلمة العليا، وكلمته هي الفيصل من الألف إلى الياء، فـ «داعش» وضع آخر حزام ناسف حول خاصرته وفجره لأنه يعلم أن ريح وعاصفة الأحرار والثوار قادمة للنيل منه اليوم أو غداً.
فانتظروا أيها الظالمون، فإنهم قادمون، فهدير البنادق الثائرة وصهيل القنابل المجلجلة بالدمع والدم لن تأبى إلا بالثأر.

ايفان زيباري

اقرأ أيضا