صحيفة الاتحاد

دنيا

السودانيون.. عائلة واحدة في رمضان

أشرف جمعة (أبوظبي)

على ضفاف نهر النيل في الأرض السودانية الخصبة يعيش أهلها طقوسهم الرمضانية ومظاهرهم الاجتماعية في أجواء سعيدة احتفاء بالشهر الكريم وابتهاجاً لقدومه، حيث الإفطار الجماعي الذي تنصهر فيه الأسر والبيوت في نسيج واحد وقت صلاة المغرب، والأطفال يمسكون بأواني العصائر ويتقدم الصائم منهم للإفطار قبل الكبار أحياناً تقديراً لجسارته في التحمل وإكمال اليوم. كما يتم الاستبشار بعقد القران في هذه الأيام المباركة ليكون الاحتفال الأكبر بإقامة حفلات الزواج في عيد الفطر المبارك. وقد اعتاد السودانيون على المبالغة في إكرام الضيف، ومن ثم إقامة جلسات السمر الرمضانية في حضور القهوة وتجهيز بعض العصائر، مثل «حلو مر» ليكون مشروبهم طوال الشهر الفضيل، وتجهيز «الرقاق» لتناوله في السحور، والحرص على تناول العصيدة والقراصة والكسرة وألوان مختلفة من الأطعمة الشهيرة في السودان أثناء الإفطار. وقد درجوا على الاستيقاظ لتناول السحور عند الأذان الأول الذي يسبق أذان الفجر، ويحرصون كباراً وصغاراً على أداء الصلوات في المساجد والتعبد خاصة صلاة التراويح.

«حلو مر»
يقول أحمد الجيلي من أبناء السودان: رمضان شهر الألفة والتقارب بين الناس، والجميع يعيش في السودان أجواء رمضانية خاصة، حيث تصبح كل البيوت وكأنها بيت واحد، والناس جميعاً كأنهم عائلة واحدة، إذ تحرص السيدات قبل حلول الشهر الكريم على تجهيز بعض العصائر التي تستخدم طوال الشهر مثل «حلو مر»، ومن ثم جمع المؤن وتخزين بعضها، وأنه فور ثبوت رؤية هلال الشهر يبارك الجيران لبعضهم بعضاً بقدوم رمضان، وتعم الفرحة الكبار والصغار، والكل يتهيأ روحياً لخوص السباق الرمضاني على بساط الطاعة والألفة الاجتماعية.
ويشير إلى أن من أبرز المظاهر الرمضانية في السودان، أن النساء يتفقن على طهي أنواع مختلفة، بحيث كل مجموعة من البيوت تنصب مائدة في الأحياء والشوارع، وهو مظهر اعتاده أبناء السودان، وأصبح تقليداً يحرص عليه الجميع طوال شهر رمضان الكريم، مبيناً أن الهدف من هذا المهرجان اليومي هو زيادة الألفة وتوطيد العلاقات الاجتماعية ومن ثم انتظار أي عابر سبيل من أجل أن تكون له الأولوية في الإفطار، وتبلغ الفرحة مداها فور العثور على شخص قادم من بعيد، فتكون هذه المائدة عيداً للجميع، وقد جرت العادة أن تكون هناك أطعمة سودانية معروفة على مثل هذه الموائد مثل العصيدة والقراصة والكسرة.
ويوضح أنه قبل صلاة المغرب بقليل يظهر الأطفال، وهو ينظفون المكان ويضعون المفارش ويحملون العصائر إلى الموائد ويشجعهم الكبار ساعة الإفطار، وبخاصة الصغار الذين تحملوا عناء صيام اليوم بأكمله، فتكون لهم الأولوية ويفطرون أولاً كنوع من التكريم والتحفيز، خصوصاً أن الأطفال يتعلمون الكثير من الخصال والقيم ويكتسبون الصفات الاجتماعية التي تنتقل من جيل إلى آخر.

«يا نايم قوم اسحر»
ويذكر الجيلي أنه بعد تناول طعام الإفطار وأداء صلاة المغرب تنصب الجلسات أمام البيوت فيتناول الناس القهوة والشاي ويأتلفون في محبة فياضة، وينهضون بعد ذلك لأداء صلاتي العشاء والتراويح ويتزاورون فيما بينهم، ومن اللافت أن بعض الأسر تذهب بكاملها إلى أسر أخرى لتناول طعام الإفطار كنوع من الحفاوة وإكرام الضيوف والتوسع في العلاقات الاجتماعية، لافتاً إلى أن الأسواق في السودان تنشط بصورة أكبر في العشر الأواخر من الشهر الكريم، وأن الناس تستيقظ على الأذان الأول الذي يكون قبل أذان الفجر فينهضون لتناول طعام السحور الذي يكون عبارة عن فطائر بالحليب ورقاق وبلح وفول وغيرها من الأطعمة التي تلائم السحور، إذ إنه يندر وجود المسحراتي الذي قد يظهر في بعض المناطق بصوته الرخيم وهو يقول «يا نايم قوم اسحر».
ويبين أن الكثير من الأسر تقيم عقد قران أبنائها في شهر رمضان المبارك كنوع من الاستبشار والتماس البركة من خلال حفل يحضره الأقارب على الإفطار، وهو ما يقلل التكاليف والنفقات، ومن ثم يكون الاتفاق في العادة على أن يكون الزواج في عيد الفطر المبارك، مشيراً إلى أنه تكثر أيضاً حالات الصلح بين الناس، وأن من يتحلون بالحكمة يقومون بهذا الدور احتراماً للشهر الفضيل نبذا للخصام، وأن من الحكايات التي يتوارثها الناس أن البعض أقام دعوى قضائية ضد آخرين بتهمة أخذ الضيوف وعابري السبيل إلى مائدته وهو ما يمنع عنه البركة، وهذه القصة تتداول للإشارة إلى الكرم السوداني المعهود، وحرص الجميع على إكرام الضيف والتباري في ضيافته.

روحانيات خاصة
ويورد عيدروس محمد عبدالله أن رمضان في السودان يجعل الناس تعيش روحانيات خاصة فتمتلئ المساجد بزوارها ويحرص الكبار والصغار على أداء الصلوات الخمس خاصة صلاة التراويح، وأنه من الفضائل التي يأخذ بها الجميع تحفيز الصغار على الطاعات ومن ثم الصيام وإعطاء الجوائز للذي يصوم على قدر استطاعته على سبيل أن هذا النوع من التدريب يهيئ الصغار لصيام الشهر الكريم في المستقبل.