صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

المطرودون من «الجنَّة»

الطريق الطويل إلى الجنة المتخيلة

الطريق الطويل إلى الجنة المتخيلة

أول محاولة لي بالذهاب إلى المنفى، كانت في 14 يوليو 1976، ولم يكن لي من العمر عشرون عاماً، عندما سافرت بالخطوط الجوية العراقية من بغداد مباشرةً إلى باريس، وفي جيبي 200 دولار، كنت أنوي دراسة الإخراج السينمائي في باريس. أعرف عبث تلك الفكرة الآن، لكن في ذلك الوقت، بدت لي الفكرة واقعية، مثلها فكرة الهجرة والإقامة في البلد الجديد، بل حتى شرطة حرس الحدود عندما غادرت الطائرة في مطار أورلي لم يسألوني: ماذا عن بطاقة العودة؟ ولماذا بطاقة «وان وي» فقط؟ بل لم يسألوني عن المبلغ الذي حملته معي. ختموا جواز السفر ببساطة وتمنّوا لي طيب الإقامة، لم يهمهم المدة التي سأقضيها في باريس.

-من يتخيل ذلك اليوم؟ مقارنة بما يحدث للقادمين الجدد اليوم، بل وحتى بما حدث بعدها بسنوات وفي فرنسا ذاتها ومعاملتها للمهاجرين، سيبدو له الزمن الذي أتحدث عنه، ذهبياً، ليس فيما يتعلق بمعاملة شرطة الحدود وحسب، بل فيما يتعلق بالجو العام. صحيح أن دراسة الإخراج السينمائي بمئتي دولار وحسب، ثم العودة بعد الانتهاء من الدراسة، بدا لي أمراً طبيعياً، ربما بسبب تأثري بالأدب الوجودي الذي واظبت على قراءته في تلك الأيام، جان بول سارتر وسيمون دو بوفوار وألبير كامو على وجه الخصوص، كل الأدب الوجودي الذي وصلنا مترجماً عن طريق العاصمة اللبنانية بيروت، نعم ربما كان ذلك صحيحاً، إلا أن علينا ألا ننسى، أن مدن غرب أوروبا وشماله (لكي لا نتحدث عن جنوب أوروبا)، لم تكن خائفة من استقبال الأجانب أو قلقة من مواصلتهم الإقامة على أراضيها كما في وقتنا هذا.
لم تستغرق إقامتي في باريس أكثر من شهرين، ليس بسبب عداء للأجانب أو لعنصرية، بل بسبب صعوبة العيش لشاب مثلي، لم ينطق في حينه حرفاً واحداً في اللغة الفرنسية، وفي رأسه الدراسة فقط وليس العمل، عدت بخفيّ حنين، كما يقول المثل عندنا، لكنني كنت سعيداً، لأنني رجعت إلى بغداد، ومعي ثروة جديدة، الحكايات التي سأرويها عن زيارتي لمقهى «كافيه فلور»، عن رؤيتي لجان بول سارتر وسيمون دوبوفوار، عن طاولتهما التي جلسا عندها في زاوية المقهى، كل يوم، وهما يكتبان، عن الغليون الذي لا يغادر فم سارتر، عن استقبالهما الأصدقاء والمشجعين، أكثر الحكايات التي رويتها، اخترعتها، أو كان عليّ اختراعها لزملائي في بغداد.

لم يوقفني أحد
أتذكر أيضاً، أنني وفي طريق العودة، لم أفكر بالحصول على فيزا من البلدان التي سيمر بها القطار الذي أخذته في المرة الأولى من باريس إلى مدينة البندقية، بعد أن قررت عمل جولة سياحية قبل العودة إلى بغداد، كأن السفر بجوازي العراقي هو أمر طبيعي، يسمح لي بالمرور – على الأقل ترانزيت – بكل بلدان العالم، والفيزا هي فقط لمن يريد الإقامة في البلاد التي خطط لزيارتها.
بالفعل السويسريون ختموا جوازي بالترانزيت، فقط الإيطاليون طلبوا مني العودة إلى الحدود السويسرية مجدداً والحصول على فيزا ترانزيت من قنصليتهم في مدينة بريج الحدودية.
ما أزال أتذكر القنصل القصير القامة وصلعته الخفيفة، كان ربما في أواسط الخمسين من عمره، يلبس بنطلوناً بالحمالات، أتذكر كيف أنه أخذ جواز سفري وابتسامة على وجهه، ثم راح يتحرك بهدوء وهو يطلب مني ملء استمارة الفيزا ودفع مبلغ بسيط ما عدت أتذكره.
في ظهيرة ذلك اليوم، عملت جولة في مركز مدينة بريج الصغيرة، ما أزال أتذكر النظرات الفضولية التي كانت تحدق بي من سكان المدينة، كأنني كائن غريب هبط من المريخ، لم تكن نظراتهم عدائية، أبدا، كانوا فضوليين، وأظن أنهم رأوا شاباً أسمر في مثل سني للمرة الأولى.
النظرة الفضولية هذه لم تتبدل أيضاً تماماً في وقت لاحق، عندما هربت من العراق بعد أربع سنوات وشهرين من رحلتي الأولى، في 28 أكتوبر 1980، عندما قررت مغادرة العراق بعد ستة أسابيع من اندلاع الحرب العراقية الإيرانية ودعوة مواليد مجدداً للخدمة العسكرية على الجبهة.
باستثناء هنغاريا التي طلب مني رجال حدودها العودة إلى بلغراد وأخذ فيزا مرور لمدة ثلاثة أيام، لم توقفني أية شرطة حدود مر بها قطاري الذي أخذته من اسطنبول إلى برلين الغربية، لا البلغار ولا اليوغسلاف ولا التشيك، حيث كنت أحمل في جوازي فيزا زيارة سياحية لمدة ثلاثة أشهر إلى «ألمانيا الاتحادية وبرلين الحرة» كما كان مكتوب حرفياً في ختم الفيزا، في جواز سفري.

محظوظ رغم الطّرد
قد أكون رجلاً محظوظاً بكل ما حصل لي وواجهته في المنفى، سواء فيما يتعلق بحصولي على مقعد لدراسة الأدب الألماني في جامعة هامبورغ وبسرعة نسبية، أو سواء فيما يتعلق بمصادفتي للعديد من الناس الذين لم يبخلوا بمساعدتي ذات يوم. وكلما تذكرت تلك الفترة الأولى من منفاي خطرت على بالي المناسبات السعيدة، أكثر من لحظات التعاسة. صحيح أنني وبعد رفض السلطات الألمانية لطلب اللجوء السياسي الذي تقدمت به، كنت عرضة للحبس والطرد، لكنني كلما قارنت ذلك، بالحياة التي عشتها بالتوازي مع ذلك شعرت بأن كفة الميزان تميل للجانب المحظوظ، لم يغادرني الشعور بأنني من سيربح الرهان في النهاية، كنت أعرف مهزلة طردي، ليس لأنني في حينه كنت أواصل في جامعة هامبورغ دراستي للأدب الألماني التي سبق وأن بدأتها في جامعة بغداد، أو ليس لأنني كنت أعرف أن البلاد التي هربت منها، العراق، والبلاد التي دخلت الحرب معها، إيران، كانا يتزودان بسلاح ألماني: العراق يستورد من ألمانيا الغربية بقايا الغاز المتبقي من الحرب العالمية الأولى، وإيران تستورد من ألمانيا الشرقية أقنعة الوقاية من الغاز، أمر مفهوم، لا حروب أو قتل ودمار، لا جوع وتشرد، من دون تجارة وسلاح. بل لسبب بسيط: التضامن الذي حصلت عليه من المحيطين بي، من زملائي طلاب الجامعة أو خارجها، جعلني اشعر بأنها مسألة وقت وسأنتهي من كل الصعوبات التي ستواجهني.
لم يكن الجو العام المحيط بالمهاجرين في ألمانيا (لكي لا نتحدث عن كل أوروبا)، وصل إلى الدرجة التي وصل إليها اليوم. الصورة التي ارتسمت في ذهن الناس آنذاك عن المهجرين غير تلك التي بدأت تستحوذ عليهم لاحقاً، خاصة في العقدين الأخيرين، صورة العربي مثلاً ارتبطت ولسنوات طويلة بصورة المصري عمر الشريف، هذا ما كنته أنا بالنسبة لزميلاتي الطالبات، لم يكن آنذاك أسامة بن لادن، أو البغدادي، الإرهاب كان يحمل وجهاً آخر، «جناح الجيش الأحمر» أما ما خص المهاجرين من أفريقيا، فقد ارتبطت صورتهم بالمغني الجامايكي بوب مارلي وبرقص الركي، فيما كانت صورة الأميركي اللاتيني تتحرك بين «اللاتين لوفر: العشيق اللاتيني»، وبين تشي غيفارا الذي أراد لعب دور المسيح ذات يوم، كل ذلك قبل أن يطبق فيروس العنصرية والكراهية والحرب، كانت أزمان أخرى، نعم اختلف الناس عن بعضهم، لكنهم على الأقل تقبلوا العيش إلى جانب بعضهم البعض، بالتأكيد كانت المشاكل تحدث من وقت إلى آخر، لكنها لم تنته إلى الدعوة للطرد بهذا الشكل، بل وتصل للقتل والحرق.

فتّش عن الخوف
ربما بدأ الأمر يتغير أو لنقل يتعقد منذ أن بدأت حروب البلقان، ثم لتكر السبحة بعدها السبحة مثل أحجار الدومينو، حرب تلي حربا، حرب تلد حرباً، ومع الوقت ما عاد بالإمكان إحصاء أماكن الحرب ومواقعها. انتهت الحرب الباردة في نوفمبر 1989 مع سقوط جدار برلين، لتبدأ بعدها بين القوى العظمى حمى حروب ساخنة في أماكن متعددة في العالم، في أفريقيا وآسيا، في البلقان، في الشرق الأوسط، في أوكرانيا، ومع الوقت، كلما كثرت الحروب في العالم، ازداد عدد المهاجرين، وكلما زاد عدد المهاجرين اختلت الصورة عنهم. بل وازداد عدد معسكرات «اعتقال»هم!
اليوم يواجه القادم الجديد مشاكل لا تحصى، عليه أن يكافح أولاً ضد الكليشهيات التي حولته إلى رقم وحسب، إلى صفة، إلى تهمة: العربي أصبح في الذهنية الغريبة، أسامة بن لادن وأبو بكر البغدادي، الإرهابي الذي يلبس حزاماً ناسفاً أو يقود شاحنة ويفجر نفسه بين الناس، فيما تحولت صورة الأفريقي إلى مغتصب نساء وتاجر مخدرات، أما صورة الأميركي اللاتيني، فهي صورة عاطل عن العمل، يبحث عن ملاذ اقتصادي لا غير، وفي أحسن الأحوال إذا كان قادماً من كولومبيا والمكسيك، فهو تاجر كوكايين وماريجوانا وغيرهما من المخدرات. لا الهجرة عادت سهلة، أو أمر طبيعي، ولا الإقامة ستجلب سعادة في الوطن الجديد. كبيرة هي التحديات التي يواجهها الطرفان: المستقبلون من السكان الأصليين والوافدون القادمون من بلدان الأزمات والحروب والمجاعات، الساعون لبناء حياة جديدة.
الطرفان يخافان بعضهما، هذا أمر طبيعي، فالإنسان دائماً يخاف مما هو غريب عليه لا يعرفه، يحتاج بعض الوقت، لكي ينتهي من خوفه، يحتاج الوقت للتعرف على الآخر لكي يعيد النظر بأحكامه المسبقة أو ينتهي من خوفه. ذلك هو ديدن الإنسان، ليس في العلاقة بين المواطنين الأصليين والوافدين وحسب، بل حتى في علاقة الناس ببعضهم، في كل زمان ومكان، بل وحتى في علاقات الحب بين الرجل والمرأة، يحتاج الاثنان الوقت لكي يطمئنا لبعض وينتهيا من مخاوفهما من العلاقة المستقبلية. المشكلة التي تواجهنا في حالة المهاجرين، أن أغلب سياسيي أوروبا لا يساعدون مواطنيهم على الانتهاء من مخاوفهم، على العكس، يفعلون كل ما في وسعهم لكي يزيدوا من قلق ومخاوف الناس، يصبون الزيت على النار، كما يقول المثل، يحولون المخاوف إلى قوانين، يطلقون دعوات بناء الأسوار والجدران على الحدود، بل وصل الأمر ببعض الغوغائيين والشعبويين لأن يدعوا لإغلاق طريق البحر الأبيض المتوسط... أي هراء... أية صيحات تقود في النهاية لقتل الطبيعة والإنسان!
وشكراً لسياسيين من هذا الطراز! بفضلهم أصبح عالمنا مقسماً وبشكل أكثر وضوحا إلى عالمين: عالم مقيمين، يملكون ويحتلون، وينتجون ويصدرون السلاح، وما يملكونه يدافعون عنه بأي ثمن، وعالم مشردين لا يملكون غير أن يختاروا بين الذهاب إلى الحرب أو الهجرة إلى شمال لا يتعب من إنتاج السلاح وبيعه بالأطنان لحروب على أرض أخرى، لا يهم عنده من يقتل من!
الإنذار لا يزال ساري المفعول إلى اليوم والهوة بين العالمين في ازدياد. الهاوية ليست بعيدة عنا. لا أحد يعرف أين ستنتهي الرحلة، رغم أن البعض يبني أسواراً وموانع وجدرانا لكي يوقف الرحيل، و... رغم أن البعض ورغم كل هذه الموانع يصر على التنقل... على الرحيل.
لساني لسان المشردين والمطرودين من جناتهم في كل مكان يردد: لم نذهب بإرادتنا. لكننا باقون هنا بإرادتنا، نحن ذوات حية، نهز ضمائر البشرية كل يوم، ضمائر أولئك السعداء الذين يعيشون بسلام بعيدين عن كل حرب وجوع وبيع سلاح. نذكر بالحرب والرفاهية. بالغنيمة والاستغلال. الآن ستقولون لي، لكن كل هذا سبق وأن عشناه أيضاً هنا. هنا في ألمانيا وفي أوروبا. الحرب والبؤس والجوع والتشرد. نعم. صحيح. قبل 70 عاماً. وماذا عن الآن؟!

صورة.. وتغيّرت أو فُخِّخَت
لم يكن الجو العام المحيط بالمهاجرين في ألمانيا، كما هو اليوم.
الصورة في ذهن الناس عنهم غير تلك التي بدأت تستحوذ عليهم لاحقاً، خاصة في العقدين الأخيرين، صورة العربي مثلاً ارتبطت ولسنوات طويلة بصورة المصري عمر الشريف، أما المهاجرين من أفريقيا، فارتبطت صورتهم بالمغني الجامايكي بوب مارلي وبرقص الركي، فيما كانت صورة الأميركي اللاتيني تتحرك بين «اللاتين لوفر: العشيق اللاتيني»، وبين تشي غيفارا، كل ذلك قبل أن يطبق فيروس العنصرية والكراهية والحرب.
اليوم يواجه القادم الجديد مشاكل لا تحصى، عليه أن يكافح أولاً ضد الكليشهيات التي حولته إلى رقم وحسب، إلى صفة، إلى تهمة: العربي أصبح، الإرهابي الذي يلبس حزاماً ناسفاً، أو يقود شاحنة ويفجر نفسه بين الناس، فيما تحولت صورة الأفريقي إلى مغتصب نساء وتاجر مخدرات، أما صورة الأميركي اللاتيني، فهي صورة عاطل عن العمل، وإذا كان قادماً من كولومبيا والمكسيك، فهو تاجر مخدرات.