يسرى عادل، خالد عبدالرحمن (أستانا، أبوظبي) تستضيف أستانا اليوم وغداً الجولة الخامسة من المفاوضات السورية وسط سؤال قديم متجدد هو إلى أين تتجه هذه الأزمة؟ وهل يمكن أن تمثل هذه الجولة خلافاً لغيرها قفزة نوعية في إطار الحل أو طريق الحل، أم أنها ستضاف كرقم جديد في عدد الجولات التفاوضية محدودة النتائج لصراع لا يزال جرحاً مفتوحاً منذ مارس 2011. وعشية الجولة التي تأكد حضورها من جانب نظام بشار الأسد والمعارضة، إضافة إلى الدول الضامنة للهدنة وهي روسيا وتركيا وإيران، والمبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا، وكل من مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأوسط ستيوارت جونز، ومستشار وزير الخارجية الأردني نواف وصفي التل، حددت السلطات الكازاخستانية أجندة عمل تشمل 4 ملفات هي، أولاً، مكافحة الإرهاب، وثانياً، تنسيق البيانات المتعلقة بمذكرة مناطق خفض التوتر التي تم الاتفاق عليها في 4 مايو الماضي، والتي تقضي بإنشاء 4 مناطق لخفض التوتر في سوريا، ووقف النشاط العسكري في تلك المناطق، بما فيه تحليقات الطيران، على أن تتم إقامة مراكز للتفتيش على حدود هذه المناطق، إضافة إلى نشر مراكز مخصصة لمراقبة الهدنة، وثالثاً، بحث موضوع تشكيل اللجنة السورية للمصالحة الوطنية، ورابعاً، مناقشة مسائل متعلقة بإيصال المساعدات الإنسانية وإعادة إعمار البنية التحتية في سوريا. خروج عن المسار ورفضت المعارضة السورية موضوع تشكيل لجنة سورية للمصالحة الوطنية، ووصفته بأنه خروج عن مسار أستانا التفاوضي، لأن هناك من يريد أن يجعل قضية الخلاف بين النظام والمعارضة هي قضية المصالحات، مؤكدة وجود ثورة شعبية في سوريا ضد نظام الأسد، وأن المصالحات الوطنية فشلت رغم ما أريد لها. وقال المتحدث باسم الهيئة العليا للمفاوضات الدكتور رياض نعسان أغا لـ «الاتحاد» «المصالحات التفاف على القرارات الدولية، واستغلال لما يعانيه الشعب من الإرهاب والترويع والجوع والمرض، وهي تأتي بالضغط المتصاعد، وبالتهديد بالترحيل إلى إدلب، حيث المحرقة المتوقعة، وبوسعكم متابعة ما حدث في عرسال (لبنان) لفهم أسلوب النظام وحلفائه لتحقيق المصالحات التي هي إذعان مطلق». وأضاف أغا «تفاعلنا بإيجابية في بداية مفاوضات أستانا التي دعت إليها روسيا حين تخصصت بموضوع وقف إطلاق النار، وكانت مع الفصائل العسكرية فقط، وتفاءلنا بأن يتحقق وقف شامل وكامل لإطلاق النار لأنه ضرورة للتقدم في العملية السياسية في جنيف، لكن أربع جولات في أستانا لم تحقق شيئاً مهماً على الأرض، وفي الجولة الرابعة تم التوصل إلى تخفيف التصعيد، لكن فور انتهاء الجولة ارتفعت وتيرة التصعيد، خاصة في درعا التي دمرت، وهذا ما جعل فصائل الجنوب تعلن مقاطعتها للجولة الخامسة». وقال أغا «نحن ندرك أن روسيا تريد أن تصير مفاوضات أستانا بديلاً عن مفاوضات جنيف، بحيث تنفرد خارج إطار الأمم المتحدة ومجلس الأمن بترتيب أوضاع جديدة، يتحقق فيها تقاسم نفوذ دولي، وهذا ما سيدخل القضية السورية في تعقيدات أشد صعوبة من الوضع الراهن، وربما تسعى روسيا بعد ذلك لحل سياسي حسب خطتها عبر المصالحات التي تقوم أساساً على الإذعان». وأضاف «ما وعدت به مفاوضات أستانا حول الملف الإنساني لم يتحقق منه شيء، فلا تزال المساعدات الإنسانية لاتصل إلى مستحقيها، ولا يزال المعتقلون في السجون. وتعلمون أن روسيا حاولت أن تنقل الملف السياسي إلى أستانا حين طرحت قضية الدستور، لكن الفصائل أصرت ألا تخرج مفاوضات أستانا عن وظيفتها المعلنة». وتابع قائلاً «لست متفائلاً بأن نجد حلاً في مفاوضات جنيف، فالحل الممكن هو ما تتوافق عليه الدول الكبرى في مجلس الأمن، لكن مفاوضات جنيف تستطيع أن تجد مفاتيح هذا الحل. واستمرارنا في مسار جنيف هو تمسك بالقرارات الدولية التي أقرت بحق الشعب السوري في الانتقال السياسي». وقال عضو الهيئة العليا للمفاوضات الدكتور خالد المحاميد لـ «الاتحاد»، إن المسار التفاوضي لا ينص على المصالحات الوطنية، وأن الحل يأتي عبر الانتقال السياسي والانتخابات ووضع دستور جديد للبلاد. وأضاف أن وفد الهيئة يعول بشكل كبير على الجولة الجديدة من مفاوضات أستانا رغم كل العوائق التي واجهتها سابقاً، والتي تم ترحيلها من جولات جنيف السابقة إلى جولة أستانا الحالية، رغم تعهد روسيا المتكرر بوقف إطلاق النار. وأشار إلى أن مسار جنيف هو مكمن الحل للأزمة السورية، لافتاً في الوقت ذاته إلى وجود أطماع تركية وإيرانية، وهو ما يعوق الحل في سوريا. وقال «إن العائق الرئيس للحل في سوريا هو إيران وميليشيا حزب الله اللبناني والتدخل التركي وأجنداته التي فرضها في الشمال السوري». وأكد عضو الهيئة السياسية للائتلاف السوري المعارض بدر جاموس، أن الجلسة الجديدة من مفاوضات أستانا تهدف إلى وقف إطلاق النار وتثبيت الهدنة، مؤكداً أن فصائل الجيش الحر في الشمال والجنوب السوري مستعدة للالتزام بوقف النار. وأشار في تصريحات لـ«الاتحاد» إلى أنه لا يوجد أي مباحثات حول الانتقال السياسي في الجولة الجديدة للمفاوضات، لافتاً إلى أن هناك توافقاً دولياً على بحث الانتقال السياسي في مفاوضات جنيف فقط. وأكد حول موضوع تشكيل اللجنة السورية للمصالحة الوطنية، رفض الائتلاف بشكل قاطع لأي لجان مصالحة، ورفضها لمبدأ الحل السياسي على طريقة الهدنة الروسية، مشدداً على ضرورة الانتقال السياسي وفق بيان «جنيف 1» فقط. تخفيف التوتر ومعالم التقسيم ورغم الآمال التي تعلق على مثل هذه المفاوضات كما هي الحال في كل مرة تعقد فيها، سواء في أستانا أو جنيف التي ستشهد أيضاً جولة جديدة من المفاوضات في 10 يوليو، إلا أن الأزمة السورية لا تزال تراوح مكانها، أو تشهد من حين لآخر توافقات خجولة، تهتم بالأمور الثانوية على حساب الحل السياسي الجذري. ومع أن الاتفاق على مناطق تخفيف التوتر قد يمثل منطلقاً للبحث الجدي عن حلول، إلا أنه في الوقت نفسه قد يقابله تصعيد في مناطق أخرى، على غرار منطقة البادية السورية، أو جنوب سوريا، وتحديداً في درعا وريفها. وهو ما يعني نقل الصراع من مكان إلى آخر على مساحة الجغرافيا السورية، تبعاً لأجندات القوى الفاعلة على الأرض، والتي باتت متعددة ومتعارضة الأهداف والرؤى بالنسبة لسبل حل الأزمة. وبعد أستانا، يعتزم المبعوث الأممي إطلاق جولة جديدة من المفاوضات في جنيف، تضاف إلى جولات سابقة متواصلة منذ عام 2012 لإيجاد حل للصراع، وفق ما بات يعرف بـ «سلال دي ميستورا الأربع»، والتي تتلخص بإنشاء حكم انتقالي وصوغ دستور جديد وإجراء انتخابات ومكافحة الإرهاب. ورغم ما أعلنه المبعوث الأممي من أن النظام والمعارضة يتعاطيان بجدية مع سلاله، إلا أن الوقائع تقول إن لا مصلحة للنظام في إنجاح مفاوضات ستؤدي في النهاية إلى إطاحته، كما لا يمكن للمعارضة أن تحقق أهدافها في نقل السلطة بسهولة، ناهيك عن أن الأمم المتحدة وآليات عملها مرهونة عملياً بالدول الكبرى التي تمتلك قرار حل الأزمة من عدمه، سواء بوجود أو من دون وجود مبعوثين للأمم المتحدة. صراع المصالح وحلبة المساومات ومع غياب أي جدية فعلية لدى الدول الكبرى إلى الآن في حل الأزمة، تبقى سوريا منصة لتصفية الحسابات، وتنفيذ الأجندات المختلفة، علماً بأن الوضع على الأرض أكثر تعقيداً من الجارة العراق، لاعتبارات كثيرة، بينها وجود العامل الإسرائيلي بشكل مباشر أحياناً. وينعكس الاختلاف في الرؤى بقوة على الأرض، حيث يسعى كل طرف إلى إثبات وجوده على حساب الآخر، خاصة في المرحلة الحالية التي تسبق خروج تنظيم «داعش» من الرقة، ومطاردة التنظيم في بقية الأراضي السورية. ناهيك عن المواقف الإقليمية والدولية المتباينة، وغير الواضحة أحياناً، والتي من شأنها أن تزكي نار الأزمة بدلاً من إخمادها. ولعل هذا ما تسبب في إخفاق عدد من المبعوثين الدوليين إلى سوريا بداية من كوفي عنان الذي أرسل في 2012 واستمر في مهامه 6 أشهر قبل أن يعلن فشله ويستقيل، ومروراً بالأخضر الإبراهيمي الذي استقال بعد سنتين (2012 - 2014) معلناً بوضوح أن سبب عدم التوصل إلى حل يعود إلى عدم توافق القوى الكبرى، وانتهاء بدي ميستورا الذي بات يدرك بعد ثلاث سنوات على مهمته أن لا آفاق للمفاوضات طالما استمرت المواقف الدولية على حالها، والتي باتت تهدد بتحويل سوريا إلى مناطق نفوذ بين روسيا والولايات المتحدة وتركيا وإيران، وربما قوى أخرى أيضاً، بعد الانتهاء من معركة القضاء على «داعش». خطورة غياب الحل ورغم أن توقيع الدول الثلاث الضامنة (إيران وتركيا وروسيا) في أستانا مذكرة خفض التوتر في الرابع من مايو الماضي، أدى إلى انخفاض مستوى العنف بشكل واضح في الكثير من البلدات وإنْ بدرجات متفاوتة، إلا أن هذا الاتفاق لم يمنع من استمرار الحصار لمناطق كثيرة، سواء من قوات النظام أو المعارضة. ناهيك عن أن القوى التي تحارب «داعش» لا تمتلك حتى الآن أي تصور لحل سياسي يعالج الخلفيات التي أدت إلى ظهور التنظيم الإرهابي، فالأسباب التي أفرزت وجوده لا تزال حاضرة، إضافة إلى أن الآلاف من عناصر التنظيم سيعودون إلى بلادهم يحملون في أذهانهم أفكار «داعش» المتطرفة، وهو ما قد يدفع بعض القوى إلى إبقاء الصراع قائماً في سوريا خشية عودة هؤلاء الإرهابيين إلى بلدانهم، وبالتالي إبقائهم في المحرقة السورية. لم يعد الصراع الدائر في سوريا منذ زمن بعيد تحت شعار «الثورة» ضد الاستبداد والمطالبة بالحريات، لاسيما بعدما تدخلت دول إقليمية وغربية كبرى حولته إلى صراع خارج خطوط الجغرافيا السورية. ويبدو ذلك جلياً في تداعيات الصراع على العلاقات الأميركية الروسية، لاسيما في أعقاب الضربات التي وجهتها الولايات المتحدة إلى القوات السورية، والتهديد الأميركي الجديد بعمل عسكري ضد قوات الجيش السوري بحجة معطيات عن تحضيره هجوماً كيماوياً جديداً، وتحذير موسكو من أي خطوة من هذا النوع. ورفع تهديد البيت الأبيض بضربة استباقية في سوريا المخاوف من مواجهة روسية - أميركية، كانت بدأت تبرز مع انفراد كل من الدولتين، مع حلفائها، بخططها الخاصة للعمليات من أجل التخلص من «داعش» في الرقة، وغيرها، وتعارض الخطط بين الجانبين في أغلب الأحيان، كما هي الحال عند إسقاط القاذفة السورية فوق الرقة، لمجرد اقتراب القوات السورية من الحدود الإدارية للمدينة، وبالتحديد مدينة الرصافة، لإغلاق الطريق على «داعش». وفي إطار سعي كل من الطرفين إلى الإفادة من الصعوبات التي يواجهها الآخر في الميدان ومع حلفائه، تبدو الكثير من الأحداث تكريساً للانطباع بأن الفوضى ستبقى هي المسيطرة لفترة طويلة من الزمن، ناهيك عن أزمة الثقة الكبيرة بين واشنطن وموسكو، حيث ينسب الجانب الروسي الغموض إلى السياسة الأميركية، فيما يراود الجانب الأميركي الشكوك في استمرار الروس باستغلال الأزمة لتعزيز نفوذهم في منطقة ترى فيها واشنطن مجالاً حيوياً لمصالحها. معضلة تقاسم النفوذ وعلى الرغم من أهمية مناطق خفض التوتر التي تم الاتفاق عليها، إلا أن رسم الحدود الجغرافية لهذه المناطق من شأنه لو تحول إلى وضع دائم أن يرسم ملامح تقسيم سوريا، أو ملامح تقاسم النفوذ فيها، إذ إنه في تقسيم الرعاية الخارجية لمناطق خفض التوتر التي تقرر قيامها في «أستانا 4»الشهر الماضي، بدا أن الجانبين الأميركي والروسي اتفقا على توزيع مواقع النفوذ الجغرافي، إلا أن اللاعبين الإقليميين غير مرتاحين إلى نتائجها. فلكل من هؤلاء اللاعبين خصم سيشارك موسكو أو واشنطن في النفوذ على منطقة. بالتالي، من الممكن أن تكون هذه المناطق مرشحة لمواجهات أيضاً، حيث إنه إذا صح ما نشر عن هذا التوزيع، تتولى القوات الأميركية النفوذ على المنطقة الجنوبية مع الأردن، وواشنطن وإسرائيل تعود لهما حرية الحركة في المنطقة الجنوبية الشرقية المحاذية للجولان المحتل، وتتولى روسيا (مع إيران) النفوذ في المنطقة الساحلية، وتشمل حمص وصولاً إلى مدينة حلب، فيما تكون اليد الطولى للجانبين الروسي والتركي في إحدى المناطق الشمالية، وتحديداً محافظة إدلب، بينما تكون اليد الطولى للأميركيين والأكراد في المنطقة الشمالية الشرقية التي تشمل الرقة والمناطق المختلطة بين الأكراد والعرب، وفي هذا التقسيم مخاطر جمة على مستقبل سوريا. كما تشكل «المليشيات الإيرانية» عوامل إضافية في المعادلة على الأرض، إذ إنه ليس متوقعاً أن ينسحب «الحرس الثوري» و«حزب الله» اللبناني وسائر الميليشيات المصنفة إيرانية من مواقعها، لا سيما تلك القريبة من دمشق، ناهيك عن المعطى الجديد الذي أحدثه تلاقي الجيشين العراقي والسوري على الحدود بين البلدين وصولاً إلى البادية المؤدية إلى دير الزور، للحؤول دون أن يؤدي انفراد الأميركيين بالخلاص من «داعش» في الرقة إلى توسع نفوذهم نحو المنطقة التي تختزن النفط والغاز. وبالتالي، فإن التنافس بات الآن على سوريا الغنية بعد أن كان على سوريا المفيدة كما كان يحلو للبعض تسميتها. ويبدو أن الولايات المتحدة التي تغاضت عن تلاقي القوات السورية والعراقية على الحدود خشية رد فعل محتمل ضد قواتها بالعراق، بدأت تدرك حجم الأثر الذي يمكن أن يتركه ذلك على الأرض، وهو ما يفسر التلويح الأميركي بعمل عسكري يعد في الواقع بمثابة رسالة إلى روسيا وإيران، حيث يشيع الجانب الروسي أنه ضغط على الأخيرة من أجل عدم اقتحام الحدود مع العراق، لأنه يقوض جهودها لإقناع الجانب الأميركي بمشروع موسكو للحل السياسي، على قاعدة ترجيح كفة النظام، وهو ما يبدو جلياً على الأرض في أغلب مناطق الصراع. إضافة إلى ذلك، تبدو واشنطن في حالة انزعاج شديد من تقدم القوات السورية النظامية والقوات الحليفة لها في جنوب الرقة وصولاً إلى الرصافة ليس لقطع الطريق أمام فلول «داعش» الفارين من مدينة الرقة أمام قوات «قسد»، وإنما أيضاً لاستخدام جنوب محافظة الرقة منصة للهجوم على دير الزور. وهكذا يمكن فهم الغضب الروسي من إقدام الولايات المتحدة على إسقاط القاذفة السورية والرد بالإعلان عن أن كل الطائرات التي تحلق غرب الفرات قد تكون أهدافاً محتملة لوسائل الدفاع الجوي الروسي في سوريا. وانطلاقاً من الأهمية الإستراتيجية التي تحظى بها دير الزور، اختارتها إيران هدفاً لصواريخ أطلقتها ضد مواقع لـ «داعش»، لتبعث أيضاً برسائل في مختلف الاتجاهات، وأولها إلى الولايات المتحدة. بقاء الأسد وإطالة الصراع وإلى جانب المحاذير الأمنية، تدخل التبدلات في المواقف الأوروبية الجديدة عمق الأزمة، لاسيما الموقف من مستقبل بشار الأسد بعد الاستدارة السياسية المفاجئة لفرنسا تجاه الملف السوري، بانضمام الرئيس إيمانويل ماكرون إلى المؤيدين ضمنياً لبقاء بشار في المرحلة الانتقالية، أو ربما المستقبلية، إذ أعلن أنه لا يوجد بديل شرعي عن الأسد، وأن مسألة رحيله ليست شرطاً مسبقاً لتسوية النزاع، وذلك في تغير للموقف المتخذ في عهد الرئيس السابق فرنسوا أولاند الرافض لبقاء الأسد في السلطة، والتدخل الروسي. كما تمثل تصريحات وزير الخارجية الألماني زيغمار غابريل انعطافاً في الموقف الأوروبي، حيث أعلن أنه يجب التفاوض مع بشار الأسد لتسوية النزاع، وبالطبع لم تكن هذه المواقف الأولى التي تصدر عن العواصم الغربية، ناهيك عن أن دي ميستورا ألمح إلى ذلك في أكثر من مناسبة، وهي مواقف سارعت المعارضة السورية إلى رفضها والإعراب عن استهجانها لها، الأمر الذي من شأنه أن يزيد من تعقيد الأزمة. وكشف تقرير نشره موقع مجلة «فورين بوليسي» عن مصادر دبلوماسية، أن وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون أبلغ الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس خلال اجتماع خاص الأسبوع الماضي، بأن مصير بشار الأسد يقع الآن في أيدي روسيا، وأن أولوية إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في سوريا تقتصر على هزيمة «داعش». وقال إن تأكيدات تيلرسون إلى غوتيريس تعكس رغبة إدارة ترامب المتزايدة في السماح لروسيا بالجلوس على مقعد السائق في أزمة سوريا مؤقتاً، من أجل التركيز على هزيمة التنظيم الإرهابي، وإن العمل العسكري الأميركي ضد قوات الأسد بسبب استخدامه الأسلحة الكيمياوية إنما كان يهدف إلى تحقيق أهداف تكتيكية محدودة، ومنها ردع أي هجمات مستقبلية بالأسلحة الكيمياوية، وحماية القوات المدعومة من الولايات المتحدة التي تقاتل «داعش» في سوريا، وليس إضعاف حكومة الأسد أو دعم المعارضة. لا حلول في الأفق ومع كل ما تقدم، ورغم كل ما يشاع عن قرب حل محتمل للأزمة السورية، بمساعدة من هذا الطرف الإقليمي أو ذاك، أو عبر الأمم المتحدة، إلا أن الوقائع على الأرض والتغيرات السياسية المتسارعة، لا توحي بذلك أبداً، وإنما يبدو واضحاً للعيان ولكل متابع لهذه الأزمة، أن سوريا ستبقى محل شد وجذب بين قوى إقليمية ودولية كبرى، وأن أي تسويات مؤقتة أو مرحلية محدودة، لن تستطيع دفن الصراع الذي يبدو أنه سيأخذ في المستقبل أشكالاً أخرى حتى بعد القضاء على «داعش»، أو الانتصار على الإرهاب كما يحلو للبعض القول، فسوريا رغم صغرها كدولة، إلا أنها تمتلك من الثروات والموقع الجغرافي المهم، ما يؤهلها لأن تبقى محل أطماع من قبل الكثير من القوى، خاصة في منطقة البادية والجزيرة، حيث حقول النفط والغاز المهمة، إضافة إلى ما يشاع عن خطوط نفط وغاز تنوي روسيا وإيران مدها عبر الأراضي السورية إلى المتوسط، وهذا من شأنه أيضاً أن يمثل تحدياً اقتصادياً يضاف إلى مجمل الأزمات، وتأثيرها على دول الجوار وحتى المحيط الإقليمي كله، وتحديداً تركيا التي تبدو على تعارض واضح مع السياسة الأميركية فيما يتعلق بالأكراد وخشيتها من إقامة دولة كردية على حدودها. ولذلك، فإنه ما لم يتم التوافق بين القوى الكبرى، وبالتحديد بين الولايات المتحدة وروسيا، حول الاتفاق على تسوية مقبولة نسبياً من قبل جميع الأطراف، فإن هذه الأزمة تبقى تراوح في مكانها، حاملة في كل يوم يمر مخاطر جديدة، ليس على سوريا ومستقبلها ومستقبل الشعب السوري فقط، وإنما على الأمن والسلام في الإقليم بأسره.