الثلاثاء 4 أكتوبر 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
ثقافة

حدائق الروح

25 ابريل 2011 22:47
ينتابني الضجر. ذلك الضجر الذي يأكل الروح. فأجلس أرقب رجلاً يعتني بحديقة. حين ابتدأ العمل كان يبدو، مثلي، سئما من الحياة، يمشي بخطوات بطيئة متثاقلة، وعلى محياه علائم تحمل التساؤل الأزلي”لماذا أعيش؟”، “وماذا يعني أن أكون على سطح الأرض وليس تحتها، وأي فرق يشكله ذلك؟”. أعرف حين يشعر الإنسان بذلك من اتجاه الشفاه إلى الأسفل بزاوية بسيطة، فلا هي حادة فيبدو حزيناً، ولا هي معدومة فيبدو غير مكترث، هو ميلان بسيط إلى الأسفل يقول “ماذا عليّ أن أفعل يا إلهي”، وأعرف ذلك من ضياع النظرة في العين فكأنها حدقة فارغة. يكون المرء منا في تلك الحالة يقاوم السقوط المرير في هوّة العدم. يحمل الرجل رفشه الصغير، فيعدل التربة، ويسوي الأرض، ويقص أعشاب صغيرة، ويزيح بعضها عن برعم زهرة، يقلم أوراق الشجر، ينتزع أغصان متشابكة تعرقل نمو شجيرة، يعدل سيقان ورد صغيرة، يوجه شتلة جديدة ناحية الشمس، كان يعمل ببطء وروية وهدوء وكأنه وحده في هذا العالم، في الواقع كان يبدو وكأنه يتحول مع الوقت إلى مادة طينية أصلية أولية، تعاود التشكل بأشكال مختلفة، فمرة يبدو وكأنه صار شجرة تتحرك، ومرة وكأنه زهرة تتفتح. إنه يندمج في عمله ويتماهى معه وخلال هذه العملية تختلف حركاته، فيبدو أكثر حيوية ورشاقة كمن يراقص فتاة جميلة على أنغام موسيقى عذبة، ثم يبدو وكأن جناحين قد نبتا على كتفيه فصار طيراً حراً طليقاً سعيداً بالوجود. أرى كل ذلك فأحس بالموسيقى وبالرقصة وبالطير والحرية يخلقون جميعاً في قلبي جوقة فرح أزلي. حين أخذ الرجل رفشه ليعدل حديقته، كان في الواقع يحاول تعديل وضعية روحه لتأخذ منحى الحياة أكثر. عندما انتهى ورفع رأسه ووقف متأملاً عمله كان وجهه يشع بنور جديد؛ كان يبدو شخصاً راضياً وسعيداً. لذلك من المهم دوما الاعتناء بالحدائق، في البيوت، في الشوارع، في أي مكان قد تتواجد فيه، من المهم أن يكون بقربك شجرة، حديقة صغيرة، لتظل دوما بقرب رائحة الطين. هذه الانزلاقات المتكررة للروح إلى حافة الهوّة العدمية سببها الحنين الشاسع العتيق إلى الطين؛ وطن الإنسان الأصلي. كيف يعيش الإنسان بعيداً عن وطنه لوقت طويل؟، انظروا ماذا يفعل هجر الوطن الجغرافي بالإنسان الشريد، فما بالكم بهجر الوطن الخَلقي. هي حقيقة، جربتها شخصياً، على فترات متكررة. الإنسان يحتاج بشكل مادي وملموس ومُلحّ وأساسي لحديقة، ولو بمساحة صغيرة، هذا ليس ترفاً، هو احتياج وجودي حقيقي. نحن أخوة للشجر، نشترك معها، بكل قوة، في الطين اللازج والتراب. فالاعتناء بالحدائق، اعتناء بالروح؛ كما تتجه الشجرة لتقابل الشمس، تتجه الروح لتقابل الشجرة، فيصلها حنان الشمس، وصداقة المطر، ورسالة السماء، ليتنشق الإنسان عبير الحياة ويهدهد ذاك الحنين الأزلي الحزين لوطن روحه. Mariam_alsaedi@hotmail.com
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©