الاتحاد

عربي ودولي

تظاهرة رياض الصلح تخيب الآمال الغربية

غسان مكحل :
هل تكون التطورات الاخيرة في لبنان، هزيمة عملية لمشروع 'الاصلاح' الاميركي على مستوى المنطقة، بعد ان اعتبرتها واشنطن فرصة للتسريع في تنفيذ ذلك المشروع؟ لم يكن ما شهدته بيروت يوم الثلاثاء الماضي مشهدا لبنانيا فحسب بل كان بدرجة أكبر مشهدا إقليميا وعربيا، أطلق الحديث عن احتمالات جديدة على المستويين اللبناني والعربي·
المحتشدون في ساحة رياض الصلح في وسط العاصمة اللبنانية، و الذين شكلوا الحشد الجماهيري الاكبر في تاريخ لبنان، لم يحتشدوا او يتظاهروا ضد الديموقراطية، او من أجل استمرا تدخل دمشق المباشر في الشؤون السيادية اللبنانية، بل هم احتشدوا للقول ان الوجه الذي قدمته المعارضة اللبنانية، منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري، ليس الوجه الوحيد ولا حتى الغالب للبنان، كما ان الشعارات التي طرحتها المعارضة على مدى ثلاثة اسابيع متواصلة، ليست كلها موضع إجماع لبناني·
بالطبع فإن ذلك الحشد الهائل والحماسة المتدفقة، ساعد في إعادة التوازن الى الصورة السياسية في لبنان، واعطت الحكم اللبناني الفرصة لإلتقاط الانفاس، وسمحت بإستئناف الآلية السياسية في البلد وأبرزها إجراء المشاورات النيابية، التي نجم عنها إعادة تكليف رئيس الوزراء المستقيل عمر كرامي، تشكيل الحكومة مجددا·
انعكاسات اقليمية
الا ان المشهد الهائل لما يقدر بمليون مواطن - من اصل اربعة ملايين هم عدد سكان لبنان - كانت له انعكاسات إقليمية اساسية، و فتح المجال امام متغييرات بالنسبة الى الاحكام المطلقة والسياسات في الشرق الاوسط·
فقبل يوم واحد من تلك التظاهرة الحاشدة التي قادها الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، كانت التوقعات في مختلف وسائل الاعلام الغربية، وبالطبع العربية، ان التحركات الحاشدة للمعارضة اللبنانية، تتجه الى قلب الاوضاع رأسا على عقب في ذلك البلد وبالتالي تقديم نموذج على المستوى العربي، يسقط كل شيء:الانظمة والقوى السياسية والافكار والمسلمات السياسية· وكانت اعلانا بأن هناك أغلبية حقيقية في لبنان تعارض الطروحات والتوجهات السياسية التي طرحتها المعارضة، وحصلت على تأييد دولي وحتى عربي لها· يمكن القول بوضوح انها كانت تظاهرة ضد النمط المرسوم للمنطقة العربية والشرق الاوسط عموما، من الخارج وتحديدا من الولايات المتحدة الاميركية· وهذا النمط الذي يطلق عليه اسم 'الاصلاح' يقوم على اربع نقاط تتمثل في
اسقاط الانظمة والحكومات او اضعافها لتصبح غير ذات فعالية، وغير قادرة على تأمين الاستقرار، تحت مبرر انها غير ديموقراطية، وتمارس سياسات قمعية و تغليب الطوائف والفئات والعرقيات، والانتماء اليها، على حساب الانتماء الى الدولة الواحدة القائمة على الوطنية او الهوية العربيةو تهميش الاهتمام الشعبي العربي بالقضية الفلسطينية، وتبرئة اسرائيل من المسؤولية عن أزمات و مشكلات ومآسي المنطقة العربية، تحت نظرية انه لا يجوز القاء المسؤولية في كل شيء على اسرائيل و تركيز التوجه الجماهير الى صراعات داخلية بحت، وتمهيد الطريق امام التطبيع، عبر القول ان العدو الاول للجماهير في المنطقة هو الانظمة وليس اسرائيل واميركا اضافة الى نشر الاعتقاد بأن التدخلات الاجنبية مفيدة، وضرورية من اجل تحقيق الديموقراطية، مع تناسي الحقيقة الجلية بأن المصالح والتدخلات الاجنبية لعبت الدور الاهم في ضرب التجربة الديموقراطية منذ بداياتها في الاربعينات والخمسينات، اساسا عبر دعم انظمة تسلطية معادية للتعددية والديموقراطية· والغريب ان الولايات المتحدة عادت وانقلبت تلك على تلك الانظمة في السنوات الاخيرة، لاسباب تتعلق بتغير اولوياتها وسياساتها ونظرتها الى مصالحها·
ويمكن الاعتقاد بأن التجربة العراقية هي المفضلة بالنسبة الى السياسة الاميركية في المنطقة· وهي تجربة اساسها إلغاء الدولة، ونقل النفوذ الى الفئات والطوائف، واجراء انتخابات في ظل وجود أجنبي، واقامة دولة هشة، والغاء أي نوع من انواع الانتماء العربي والتضامن العربي· ويشبه هذا الى حد بعيد مشروع المعارضة اللبنانية، غير المعلن، الذي يرى ان الحل في الغاء الدولة، واقامة دولة جديدة، والغاء كل ما هو قائم حاليا، ودعوة القوى الدولية للاشراف على عملية الانتقال هذه ودعمها ومباركتها·
بين الدولة و'الطوائف'
ويبدو واضحا ان جانبا اساسيا من الدوافع وراء الحشد الهائل في بيروت يوم الثلاثاء، هو محاولة لحماية مشروع الدولة من الانهيار، خصوصا وان لبنان لا يتحمل ان يكرر تجربة العراق، على اساس حل الدولة واقامة دولة جديدة، بدلا من اصلاح الدولة السابقة الموجودة منذ اكثر من ثمانين عاما·
وبالطبع هذا لا يعني ان ذلك الجمهور الذي احتشد في ساحة رياض الصلح، وعلى رأسه حزب الله، يؤيد السياسات والسلوكيات الحالية للدولة· بل الامر خلاف ذلك تماما· اذ ان هذا الجمهور هو على راس المطالبين بالتغيير والاصلاح· الا ان التغيير والاصلاح لا يعنيان تدمير الدولة وبناءها من جديد، ففي هذا بالنسبة الى اولئك اخطار هائلة بنتيجة الوضعين المحلي والاقليمي·
بالمقابل فإن المعارضة، التي تطالب بتدمير الدولة الحالية واعادة بنائها على اسس جديدة، ساهم الجانب الاكبر منها في الدولة التي يدعون الى استبدالها بدولة جديدة· وهذه الاطراف تتحمل مسؤولية ليست بالقليلة عن الثغرات والسلبيات في أداء الدولة على مدى السنوات الماضية منذ إقرار إتفاق الطائف·
تظاهرة الثلاثاء اعادت طرح واقع مهم واساسي، وهو ان لبنان وسوريا ما زالا في حالة حرب مع اسرائيل، وانا لبنان وسوريا ما زالا تحت الخطر من جانب اسرائيل· واعاد التذكير بأن قضية الصراع العربي - الاسرائيلي، ما زالت بعيدة عن الحل او الانتهاء· وهذا بالطبع منطق يختلف تماما عن المنطق السياسي الذي يراد تعميمه على مستوى المنطقة·
وبرغم ان اللبنانيين جميعا، او على الاقل غالبيتهم العظمى، يرغبون في التخلص من تجاوزات واخطاء وصاية دمشق على الحكم في لبنان، الا ان تظاهرة الثلاثاء كانت اعلانا بأن تلك التجاوزات والاخطاء على جسامتها لا تلغي واقع العلاقة الخاصة بين البلدين، ولا تلغي حقيقة ان الغالبية العظمى من اللبنانيين لا توافق على انسحاب مذل للجيش السوري في لبنان، ولا تلغي حقيقة الاعتراف بأن هذا الجيش لعب دورا اساسيا في حماية الدولة اللبنانية والابقاء على وحدة لبنان·
وهو امر حصل سابقا ،اذ برغم تجاوزات منظمة التحرير الفلسطينية، التي لم تكن قليلة، في لبنان، فإن البيروتيين ودعوا مقاتلي المنظمة الخارجين من المدينة في اواخر صيف 1982 بالورود ورش الارز والبكاء·وهي تجربة تؤكد على غلبة المشاعر العربية بين اللبنانيين عموما والبيروتيين تحديدا، تلك المشاعر التي ترفض ان يكون الخروج السوري مثل الاندحار الاسرائيلي في ايار العام ·2000
ولا بد من الانتباه هنا الى ان اطرافا داخلية لبنانية واقليمية ودولية، كانت ترغب في خروج مذل لسوريا، ينعكس سلبا على الوضع في دمشق الى حد التهديد بالانهيار الداخلي· خروج يجعل من سوريا في نفس مستوى اسرائيل بالنسبة الى اللبنانيين، ويلغي أي دور لسوريا في لبنان بعد الانسحاب· الا ان ما حصل في ساحة رياض الصلح يوم الثلاثاء، الغى تماما هذا السيناريو وامن لسوريا مخرجا مشرفا، وتأكيدا على ان سوريا ستبقى بعد الانسحاب عاملا اساسيا على الساحة اللبنانية·
وربما كان الصمت الفرنسي والاعتدال (النسبي) الاميركي، في المواقف بعد تظاهرة الثلاثاء، الدليل على ان ما جرى، اوقف حجم الاندفاع السياسي الدولي والاقليمي والمحلي ضد سوريا و الدولة، وربما فرض اعادة النظر في العديد من الخيارات الاميركية تجه المنطقة عموما·
تحديات 'مشروع الاصلاح'
فالمحتشدون يوم الثلاثاء في بيروت كانوا مع الديموقراطية، مثل اخوانهم الذين ساندوا المعارضة، لكنهم عبروا عن وجهة نظر مختلفة، لا تتناسب مع الاهداف الاميركية من وراء الاصلاح في الشرق الاوسط· وغالب الاعتقاد ان الادارة الاميركية، ستفكر جديا من الان فصاعدا، عما اذا كانت المساعدة في تحقيق الديموقراطية في المنطقة، ستؤدي الى تفوق وفوز الاطراف التي تعارض النفوذ الاميركي والتي تعتبر اسرائيل العدو الاساسي، والعقبة الاولى امام أي نمو طبيعي وايجابي للمنطقة ككل في مختلف المجالات·
ولا بد من الانتباه الى تطور اساسي مثلته تظاهرة 'رياض الصلح'، يتجسد في قيام الامين العام لحزب الله حسن نصرالله، وهو رجل الدين الشيعي، باتخاذ مواقف متناقضة مع المواقف التي يتخذها كبار السياسيين الشيعة في العراق، منها التأكيد على رفض التدخل الاميركي، وما تحاول اميركا فرضه على المنطقة، والتأكيد على الهوية العربية، والتمسك بالصراع ضد العدو الصهيوني حتى التحرير، والتركيز على مشروع الدولة وليس على مشروع الطائفة او الطوائف· وهو توجه يفترض ان يقطع الطريق على المخططات لإشعال حرب اهلية عربية عربية، تكون السبيل لإنهيار التماسك والاستقرار العربي وتأكيد السيطرة الخارجية على المنطقة·
وبدلا من ان تكون حيوية الشعب اللبناني سبيلا للتغيير في المنطقة كلها، بما يتناسب مع مصالح اميركا وتصورها، أظهرت التطورات الاخيرة ان تلك الحيوية تهدد في حال انتشارها عربيا، المشروع الاميركي للمنطقة، وبالاخص الاصلاح كما تراها اميركا··

اقرأ أيضا

12 قتيلاً في غارات جوية استهدفت إدلب