الاتحاد

تقارير

جنوب السودان.. تجربة جديدة للدبلوماسية الصينية

كيث جونسون
واشنطن


ليس هناك ما يوحي بنهاية وشيكة للعنف في جنوب السودان، فمشاهد الرعب هناك أثارت حفيظة كبار المسؤولين في الأمم المتحدة والولايات المتحدة. لكن أكبر تأثير محتمل للاضطرابات في البلد الأفريقي قد يقع، على مبعدة آلاف الأميال، في بكين. فزخات الرصاص في أحدث دول العالم قد تؤدي إلى تغيير عميق في واحدة من أقدم دول العالم. وكان العملاق الآسيوي قد دأب خلال العقود الماضية على الجمع بين الطموحات الاقتصادية عبر العالم ونهج لا يحيد عنه في عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى.
وها هو البلد الآسيوي يترك هذا التقليد ليتبنى دوراً أكثر فعالية في أزمة جنوب السودان. فمبعوث الصين الخاص لأفريقيا لمحادثات السلام، تشونغ جيان هوا، جاء إلى المنطقة في زيارات خاطفة في الأشهر القليلة الماضية في محاولة للمساعدة في التوصل إلى حل للتناحر الداخلي في جنوب السودان، في تناقض واضح مع الموقف الذي تعرض لانتقادات شديدة والمتمثل في عدم التدخل الذي تبنته الصين حتى قبل بضع سنوات عندما كان سجل الخرطوم في مجال حقوق الإنسان سيئاً، لكن بكين ظلت تحصل منها على كميات كبيرة من النفط. وفي فبراير قال تشونغ لـ «رويترز» إن جهود الصين في جنوب السودان تمثل «فصلا جديداً» في السياسة الخارجية لبكين، بعد أن جاء تشونغ في وقت مبكر من هذا العام ليتوسط بين الفصائل المتناحرة بين البلاد.
وتعتقد ديبورا براوتجام الخبيرة في شؤون أفريقيا في مدرسة هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة، أن «الصين تتبنى طريقة أكثر فعالية، والصينيون يحاولون معرفة كيف تبدو الأمور عندما تصبح البلاد قوة صاعدة.. وحالياً فالسودان كما لو أنه اختبار لكيفية القيام بالدبلوماسية المكوكية والمفاوضات وكيفية القيام بدور حفظ السلام، والاضطلاع بدور عالمي أكبر». وعززت بكين بالفعل مساهمتها في أنشطة الأمم المتحدة لحفظ السلام والمساعي الدولية الأخرى التي كانت تستنكرها ذات يوم باعتبارها تدخلاً في الشؤون الداخلية لدول أخرى. والصين هي أكبر مساهم في قوات حفظ السلام الدولية، لكن قواتها تلعب في الغالب أدوار الدعم بعيداً عن الخطوط الأمامية، لكنها أرسلت العام الماضي قوات مقاتلة إلى مالي للمساعدة في تقليص التوترات في المنطقة الشمالية المضطربة في البلاد، في أول مهمة لبكين من هذا النوع.
ومن المؤكد أن رغبة بكين في الاضطلاع بدور في جنوب السودان تحركها حقيقة أن الصين تشتري 80 في المئة تقريباً من صادرات جنوب السودان من النفط، لذا تراقب الصين بقلق القتال الحالي كونه يشل قدرة البلاد على إنتاج وتصدير النفط. وربما لا يكون لدى الصين الكثير من الخيارات. فوقف إطلاق النار في جنوب السودان الذي تم التوسط فيه مطلع العام الجاري، انهار الأسبوع الماضي بينما زحف متمردون على مدن محورية في المناطق المنتجة للنفط وذبحوا مدنيين في طريقهم. وبحسب بعض الروايات، فقد انحدر القتال الذي تخوضه قوات حكومة جنوب السودان بزعامة الرئيس سلفا كير ضد المتمردين بزعامة رياك مشار، نائب كير السابق، إلى مستوى نزيف الدماء الطائفي. ووقعت الصين في معمعة القتال بعد خطف اثنين من عمالها النفطيين على يد قوات مشار. وتجلت المصالح التقليدية للصين في السودان وجنوب السودان ومصلحتها الجديدة كوسيط مع وقوع الهجمات. ودانت وزارة الخارجية الصينية الأسبوع الماضي عمليات القتل في بلدة بانتيو عاصمة ولاية «الوحدة» النفطية، وطالبت «الأطراف ذات الصلة في جنوب السودان بحسم هذه القضايا والمضي قدماً في الحوار السياسي وتحقيق المصالحة». لكن الوزارة الصينية طالبت حكومة جنوب السودان أيضاً بحماية شركات النفط الصينية والعمال الصينيين بعد خطف العاملين الصينيين في الآونة الأخيرة.
ويمثل ما تستورده الصين من نفط من جنوب السودان خمسة في المئة فقط من وراداتها. والكمية رغم صغرها النسبي مهمة للبلد الأكبر استيراداً للنفط في العالم، لأنها تمثل مصدراً طويل الأمد من النفط لبكين. وشكلت هذه المصلحة الاقتصادية في الماضي رؤية الصين للسودان ومعظم الدول الأخرى التي تقوم فيها بأعمال اقتصادية. فقد ظلت الصين تستثمر وتشتري النفط من نظام الرئيس عمر البشير، وأقامت علاقات ودية مع مجموعة من الدول المارقة الأخرى، مثل ليبيا وكوريا الشمالية وميانمار.
وبدأ الكثير من التغير في نهج الصين يحدث خلال عام 2011 عندما دفعت الانتفاضة المدنية في ليبيا بكين إلى إعادة التفكير في دعمها للقذافي، بل دعمت في الواقع فرض الأمم المتحدة عقوبات على مسؤولين ليبيين بارزين. وإجلاء مدنيين صينيين على وجه السرعة من ليبيا، دفع بكين إلى التفكير في ضرورة المواءمة بين توفير الأمن والتوسع الاستثماري، وهو درس تطبقه حالياً في بقية بلدان أفريقيا. وبالمثل فإن إقامة جنوب السودان كدولة مستقلة عام 2011 أجبر بكين على إعادة موازنة علاقاتها بين الخرطوم وجوبا، لأن معظم حقول النفط موجودة في الجنوب الذي استقل حديثاً، بينما ينقل هذا النفط عبر الأراضي السودانية إلى البحر الأحمر. ومازال النفط يمثل عنصراً مهماً في أزمة السودان، فقد انتقد برنستون ليمان المبعوث الأميركي السابق في جنوب السودان، الصين لاهتمامها بتأمين إمدادات النفط أكثر من اهتمامها بالعثور على حل للمشكلات السياسية لجنوب السودان. لكن الدبلوماسيين الأميركيين الذين يعملون في جنوب السودان أشادوا بصفة عامة بالدور السياسي الجديد للصين.
وحتى الآن لم تتكرر الدبلوماسية الصينية النشطة للعثور على حل لمآسي جنوب السودان في دول أخرى. فبكين ما زالت تتمسك بموقف الابتعاد عن الأزمات في سوريا وأوكرانيا، وجهودها الدبلوماسية في الشرق الأوسط ما زالت مرتبطة بضمان إبقاء تدفق مصادر الطاقة وليس الخوض في السياسة الداخلية. لكن محللين يعتقدون أن الصين تجرب تعزيز نفوذها الدبلوماسي وليس مجرد ثقلها الاقتصادي في جنوب السودان، كنموذج تتعلم منه البلاد، وربما تكرره في مناطق أخرى.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا