الاتحاد

عربي ودولي

قمة الجزائر ·· والواقع العربي المليء بالخلافات والانشقاقات


د· عباس مصطفى صادق:
أطلقت الجزائر شعار ( الإصلاح ولم الشمل) على القمة العادية السابعة عشرة لجامعة الدول العربية التي تستضيفها اليوم بحيث تتزامن مع الذكرى الستين لميلاد الجامعة العربية التي تأسست سنة 1945 · ويلتقي شعار القمة مع الواقع السياسي العربي الذي يموج بالاختلافات بدءا من الخلاف السعودي الليبي الذي تصاعد مؤخرا ولعبة جر الحبال العنيفة في لبنان ، والحديث عن تدوير منصب الأمين العام عربيا ، والتطبيع مع العراق ، الى مناقشة موضوع إصلاح ميثاق الجامعة وغيره من أمور تمس جوهر النظام العربي وتثير الكثير من الحساسية ·
و لن تتجاوز هذه القمة العديد من القضايا المتعلقة بإصلاح الجامعة العربية وإقامة مؤسسات جديدة لدعم العمل العربي المشترك من وثيقة الإصلاح والتطوير التي أعدتها قمة تونس أو من غيرها· سيتم تحديدا في هذا السياق مناقشة وثيقة العهد والبلاغ حول التطوير السياسي والاقتصادي والاجتماعي مع تسع مبادرات قدمها عدد من الدول لإصلاح الجامعة العربية· هذه المبادرات تدور حول خيارات محددة، يدعو خيارها الأول إلى تحقيق إصلاح ثوري انقلابي في النظام العربي وإعادة بنائه جذرياً بما يفضي إلى قيام سوق عربية واحدة ومنظومة أمنية وسياسية مشتركة، ولكن لا يمكن لهذا الخيار أن يتجاوز مشروع الشرق الأوسط الكبير من مدخله الاقتصادي خاصة ما جاء في قمة الثماني الأخيرة· وينحو خيار ثان إلى إجراء إصلاحات محدودة لنظم ومؤسسات الجامعة العربية في الجوانب الإدارية والتنظيمية والمالية، وهو خيار لا يدرك مخاطر التلكؤ نحو التغيير الحقيقي· أما مضمون المبادرة الرئيسة المطروحة (المصرية - السعودية - السورية) فإنه يدعو إلى إصلاح متدرج ولكن بإيقاعات ووتائر متباينة تركز على التكامل الاقتصادي والشراكة التقنية والتنسيق الثقافي والتربوي تجنباً للإشكالات السياسية والأيديولوجية التي غالباً ما تقسم ولا توحد حسب تعبير مقدميه·ومثلما روجت تونس لمبادرتها في القمة السابقة ما أدى إلى انقسام عربي وتأجيل الانعقاد ، تروج الجزائر لمشروع يتضمن الالتزام بالاصلاح السياسي الداخلي وحماية حرية الرأي والتعبير وحقوق الانسان واصلاح هياكل واجهزة الجامعة وعمل مجلس الجامعة على مستوى القمة وعلى المستوى الوزاري، ويتضمن أيضا انتخاب الامناء العامين المساعدين وليس تعيينهم بما يضمن الشفافية في تسيير شؤون الجامعة العربية ·
الوثيقة الجزائرية للاصلاح اعتمدت على تجربة انتقال منظمة الوحدة الإفريقية إلى الاتحاد الإفريقي · وفي هذا الصدد نشير الى تجربة الاتحاد الافريقي المتقدمة على تجربة الجامعة العربية ، خاصة في ما يتعلق بحل النزاعات ودعم الديموقراطيات الناشئة مثلما حدث مؤخرا من تعامل دول غرب أفريقيا مع الوضع الناشئ في توغو بعد وفاة الدكتاتور اياديما غناسينغبي·
وبالعكس من الوضع في افريقيا ، فإن اهم القضايا محل عدم توافق في القمم العربية المطروحة تحت شعار الاصلاح ، مسألة إقرار التعددية السياسية في البلدان العربية وحرية الصحافة وتعزيز حقوق المرأة واستقلال القضاء عن الأجهزة التنفيذية ، ويستدعي ذلك النظر في جملة الضغوط الغربية والامريكية تحديدا نحو التحول الديموقراطي في المنطقة وفق مبادئ مشروع الشرق الاوسط الكبير في نسختيه ·
على ذلك فإن الغيمة الامريكية التي تجمعت في سماء تونس واحدثت خللا في النظام العربي ، سوف لن تغيب هذه المرة عن سماء الجزائر بالتأكيد لتسريع وتيرة الإصلاح وإحداث المزيد من الهزات الحقيقية في المنطقة على خلفية تسارع الأحداث في لبنان والنشاط الديموقراطي في العراق وفلسطين والتعديلات الدستورية في مصر والانتخابات البلدية في المملكة العربية السعودية ·
هذه المرة لا يمكن الحديث إلا بصوت مجروح يرفض المبادرات الدولية للإصلاح متذرعا بخصوصية المنطقة العربية وغيرها من ذرائع الرفض أو التلكؤ المعروفة، ليبدو هذا الرفض وكأنه امتداد لرفض الإصلاح مطلقا ، سواء جاء من الداخل أو من الخارج · لقد عبر وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط عن فكرة مماثلة متسائلا : عن أي نموذج نتحدث في العراق؟ القنابل تنفجر في كل مكان·· والعراقيون يقتلون يومياً في الشوارع·· وهو يرد على الرئيس الأمريكي جورج بوش قائلا: ان الجليد بدأ يذوب فجأة وبسرعة في إشارة إلى المظاهرات اللبنانية والانتخابات الفلسطينية والعراقية ·
ومن المؤكد أن تحدث حالة استقطاب في هذه القمة ، بل وقبل انعقادها ، على محاور المبادرات المطروحة ومن المحتمل استدعاء مشاريع سبق طرحها ، في ظل حديث بأن القمة ستقوم بتنشيط مبادرة ولي العهد السعودي الأمير عبد الله خاصة وأن كل الظروف مواتية بعد رحيل ياسر عرفات ومجيء محمود عباس على رأس السلطة الفلسطينية لانفاذ هذه التسوية· ستتم ، ربما ، إعادة قراءة وثيقة المبادرة العربية المعروضة في قمة بيروت وتنقيحها ومعالجة الجوانب التي حالت في الماضي دون تنفيذها وتطبيقها·
يتقاطع هذا مع ضغوط لإقناع القمة بالموافقة على القرار 1559 ومقترحات لسورية لقبول تنفيذه لتخفيف الضغط دوليا وإقليميا على دمشق ، على أن تطالب سوريا بأن تكون تطبيقات القرار 1559 العملية مستندة الى بقية قرارات الشرعية الدولية وتحديدا الخاصة بالصراع العربي الاسرائيلي وبالانسحاب الإسرائيلي من ما تبقى من الأراضي اللبنانية والسورية ·
هذا من جانب ومن جانب آخر ستشهد القمة لأول مرة مشاركة رئيس السلطة الفلسطينية الجديد محمود عباس بعد غياب فلسطيني منذ حصار الرئيس عرفات في أثناء قمة بيروت ، سيحمل عباس معه المضي قدما في مشروع تسوية ينتظر ان تكتمل ملامحه بنتائج الحوار الفلسطيني الفلسطيني الجاري حاليا بالقاهرة · كما سيحمل معه وعودا عربية في مؤتمر لندن لدعم السلطة ماليا وتنفيذ قرارات عربية متعلقة بتوجيه مساعدات عاجلة للفلسطينيين · فقد افضت قمة تونس في بيانها الختامي الى قرار باستمرار دعم موازنة السلطة الوطنية الفلسطينية لستة أشهر أخرى ابتداءً من اول ابريل عام 2004 ، ولكن هذا لم يحدث بشكل واضح ما حدا بالداعين الى مؤتمر لندن الى دعوة المؤتمرين العرب احضار شيكاتهم معهم·
الواقع ان القمة مطلوب منها ايجاد مدخل شفاف للتعامل مع محمود عباس وحكومته خاصة فيما يتعلق بالعمليات المسلحة وسد الفراغ الذي سينشأ من تطبيق خطة الفصل الاسرائيلية والانسحاب الاسرائيلي من بعض المناطق الفلسطينية· وعندما يـأتي الأمر لموضوع العمليات المسلحة سيطل الموضوع العراقي معه الذي سيكون حاضرا بقوة خاصة إذا ما حضر رئيس عراقي أو أي موفد عراقي ، فالقمة ستناقش التطبيع مع العراق وملف الإرهاب فيه ، في ظل التزام عربي معلن يقوم على دعم العملية السياسية في العراق والاعتراف بشرعية انتخابات 30 يناير، والبناء عليها، ورفض ما يجري على الأراضي العراقية من عمليات عنف، والتأكيد على ضرورة انسحاب القوات الأميركية والبريطانية من العراق في أقرب موعد ممكن ·
هذا من حيث التنظير السياسي اما الالتزام فله مدخل مختلف للتطبيق، فالقمة العربية تصطدم بمطالبات أميركية وبريطانية لتشكيل قوة حفظ سلام عربية إسلامية لحفظ الأمن في العراق ، وهنالك مواقف دول عربية ترفض بشكل قاطع هذا المطلب، وترى الاستعاضة عنه بقوات دولية وفق النظام العادي للأمم المتحدة، وترك مساحة من حرية الخيار للدول للمشاركة في هذه القوة، وعلى أن يتم تشكيلها مع نهاية العام الجاري ،2005 بعد إقرار الدستور العراقي الجديد، وتمهيدا لتسلم العراقيين كامل السلطات الأمنية والسياسية·
العراقيون سيحملون معهم أيضا لومهم لدول مجاورة انطلقت منها عمليات أريق خلالها الدم العراقي ولم تجد الشجب والمنع ، ما يضع علامات استفهام كثيرة عن مفارقة عربية بين الالتزام السياسي لدعم مجريات العملية السياسية وبين السماح بالمزيد من التدهور الأمني الذي يرى العراقيون أن بعض أسبابه تأتي من خارج الحدود ·
تناقش القمة موضوع الإصلاح العربي بخطوة الى الامام وخطوتين الى الخلف وابرز الملفات المرشحة للنقاش هو ميثاق الجامعة العتيق الذي لم يطرأ أي تغيير عليه منذ ميلادها قبل ستين عاما، والبدائل المطروحة: إما إلغاء الميثاق الحالي للجامعة وصوغ ميثاق جديد تماماً بدلاً عنه او إدخال تعديلات جزئية عليه·والنقاط التي سيتم تعديلها في ميثاق الجامعة تشمل تسعة مقترحات منها إنشاء مجلس شورى أو برلمان عربي وإقامة محكمة عدل عربية على غرار محكمة العدل الدولية وبنك للاستثمار العربي، وإقامة هيئة أمن عربية للنظر في موضوعات الأمن الإقليمي تتكون أيضا من خمس دول عربية رئيسة تمثل المناطق الجغرافية المختلفة، ضمن البحث عن آلية لتمكين الدبلوماسية الاتقائية وايجاد نظام مكمل لمعالجة النزاعات القائمة، وهذه جميعها محل خلاف·
اما نقطة التعديل موضع الخلاف الكبير والتي لا تكاد تخلو مبادرة اصلاحية من ذكرها هي نظام التصويت الذي يعتمد على الاجماع وليس الغالبية ويعطي الحق للدول المعترضة في عدم التقيد بما يتخذ من قرارات· وهذا النظام ساهم في شل ارادة المنظمة لأنه منح القدرة لدولة واحدة او لدول قليلة على خرق الاجماع العربي وتعطيل ما يتخذ من قرارات تخص قضايا مصيرية ، وكما ذكرنا فقد تم تأجيل البت في هذه النقطة الى ما بعد قمة الجزائر ·
مسألة البرلمان العربي المقترح له دمشق يراها كثيرون بأنها تفضح النظام العربي اكثر من كونها وسيلة لستره ويستشهدون على ذلك بضعف البنية البرلمانية العربية وهشاشة تجربة التمثيل النيابي العربي · اما موضوع المحكمة العربية فقد عارضتها بعض الدول مبكرا وسجلت سلطنة عمان رسميا خلال الاجتماعات التحضيرية للقمة رفضها لمشروع المحكمة لن تكون طرفا فيها في حالة إقرارها وأبدت السعودية كذلك تحفظات مؤكدة بأن قبولها لولاية المحكمة في اي قضية تكون المملكة طرفا فيها مشروط بان لا تتعارض احكامها مع القوانين المطبقة في المملكة ·
على ان اهم مواضيع هذه القمة التي فتحت شهية الصحافة لملاحقتها هو موضوع تدوير منصب الأمين العام الذي احدث خلافا بين مصر والجزائر خاصة بعد تصريحات وزير الخارجية الجزائري عبد العزيز بلخادم التي تناول فيها ما اسماه (تعريب) منصب الأمين العام لجامعة دول العربية، أي انهاء احتكار مصر للمنصب بوصفها دولة المقر، وهو العرف المعمول به منذ تأسيس الجامعة حتى اليوم، ولم يتم تجاوزه سوى في سنوات عزل مصر وتجميد مقعدها في الجامعة عقب توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل، ونقل مؤسسات الجامعة ومقرها من القاهرة إلى تونس، لكن بعد عودة المقر إلى القاهرة عاد العمل بعرف احتفاظ القاهرة بمنصب الأمين العام، غير أن هذه القضية أثيرت مؤخراً ـ وإن كان على استحياء ـ خلال العام المنصرم، ثم عاد الحديث مجدداً عن تداول المنصب أو أن يكون بالانتخاب من خلال مشروع الجزائر لتعديل ميثاق الجامعة ، كان أبرز ما يتضمنه انتخاب الامين العام للجامعة العربية من قبل القمة وتدوير هذا المنصب، وعدم اقتصاره على دولة المقر ·
الجزائر - حفاظا على القمة- تحدثت كثيرا بأنها لا تريد أن تكون هي من يثير الأزمة في مسألة تدوير المنصب ، ولكن يبدو أنها في الوقت نفسه لا تريد أن تتنازل عن مواقفها ولذا فإنها لن تسحب مذكرتها لكنها لن تصعد الموقف بالنسبة لقضية تدوير المنصب وستسجلها في سجلات القمة كموقف يمكن فتحه في المستقبل· وقد جاءت آخر تصريحات جزائرية بأن التدوير غير مطروح على القمة لأن ولاية عمرو موسى تنتهي في سنة 2006 · هذا الوضع وغيره يؤسس بلا شك لحالة التأجيل المستمر في علاج القضايا العربية ويصبغ العمل العربي المشترك بروح التعتيم والمكابرة · يجب أن يأتي الإصلاح العربي كمشروع يلتزم التغيير الحقيقي لا كمجرد ردة فعل للضغوط الدولية ، فالأخيرة تبسط نفوذها وتعيد تقسيم الخارطة العربية والأولى تتجنب الواقع المفروض ·

اقرأ أيضا