الاتحاد

دنيا

الفن في موريتانيا منبوذ اجتماعيا ومهمش بأمر العادات والتقاليد

تختلف نظرة المجتمع للفن باختلاف الشعوب فهو مرآة للمجتمع يعكس حضارته وتراثه وثقافته، وفي المجتمعات العربية كان ينظر للفن الى وقت قريب نظرة دونية قاصرة، باعتباره مسيء للمكانة الاجتماعية ومناف للورع والالتزام، لكن هذه النظرة تغيرت مع التطور الذي شهده العالم في مجالات عدة ووصل تأثيره إلى المجتمعات العربية التي سارعت للالتحاق به ومواكبته فكان للفن في المجتمع العربي الحظ الأوفر في النجاح والتحرر من التهميش والقيود، وشهد اقبالا كبيرا وأصبح غاية تسعى الناس من جميع الفئات اليها، ونال الفنانون احترام وتقدير المجتمع مما ساعدهم على الابداع وتحقيق قاعدة جماهيرية كبيرة تنافس بل وتتفوق على قاعدة السياسيين ومشاهير المجتمع.

لكن في المقابل هناك من لم يستطع تجاوز المفهوم السلبي للفن إلى يومنا هذا، ففي موريتانيا ينظر المجتمع للفنانين نظرة دونية بسبب تشدد القبائل والفقهاء في رفض الفنانين وتحريم عملهم ومنع القبائل من مصاهرتهم، وتسبب هذا الحصار في رفض الشباب الموريتاني دخول المجال الفني، فرغم الموهبة والامكانيات والفرص المتاحة للابداع في هذا المجال، رفض أغلبهم احتراف الفن وفضل طمس موهبته واخفاءها لأنها تتعارض مع مجتمعه، ومع تقاليد وأعراف ترفض الغناء والتمثيل والتلحين والرسم وتعتبرها مهنا مهينة تجلب العار والذل لكل من يمارسها.

تجمعات صغيرة

يرفض المجتمع الموريتاني الذي تحكمه سلطة القبائل والزوايا والعلماء التقليديين الاعتراف بقيمة الفن ودوره، رغم وجود أصوات رائعة وواعدة في المجتمع الموريتاني لكن يتم حصارها والضغط عليها من طرف الوسط العائلي والقبلي لكي تتخلى من هذه موهبتها، ويرفض أغلب الموهوبين خوض تجربة الغناء خوفا من الفشل ومن الرفض الجماعي لها بعد احتراف الفن، كما أن هناك أصوات نسائية جميلة لكنها ترفض الظهور وتفضل الغناء في تجمعات نسائية ضيقة تحافظ على سرها وتمنحها فرصة التعبير عن مواهبها بعيدا عن عالم الشهرة والنجومية، وفي الحفلات الموسيقية يحضر أبناء العائلة الشهيرة ملثمي الوجوه رافضين الظهور علنا من أجل الاستمتاع بالموسيقى.

ويؤكد الناقد الفني محمد ولد اعمر أن الفن في موريتانيا يعاني من التهميش والازدراء والتجاهل، ويقول إن «هناك جهل واضح بقيمة الفن فالصناعة السينمائية غائبة والمسلسلات منعدمة والأغاني قليلة، والمتسيّد على الساحة الفنية هم الفنانون التقليديون الذين لم يقدموا الجديد بل استهلكوا التراث في احياء الأفراح وتمجيد القبائل».

ويرى أن النظرة التي اجتاحت المجتمعات العربية في العقود الماضية سيطرت على المجتمع الموريتاني بسبب سلطة القبيلة والأعراف الاجتماعية، فتسبب هذه التحفظات الاجتماعية في الجمود والانغلاق الفني وأعاقت نمو وتطور الثقافة الموريتانية وساهمت في انتشار العشوائية والسطحية والارتجال، ونتيجة هذا الرفض ترك الفنان مهمته الرئيسية وهي الابداع الفني وتفرّغ للدفاع عن نفسه وكأنه متهم، وتزداد الحالة الفنية سوءاً حين يلجأ بعض الفنانين الى العزلة والهرب من الآخرين بسبب عجزه عن اقناع المجتمع بوجهة نظره اتجاه الفن.

ويدعو الناقد إلى كسر هذا الحصار وتجاوز النظرة التقليدية للفن من خلال تشجيع الشباب وخلق معاهد لتدريس الفن والموسيقى، وتوعية المجتمع بأهمية الفن ودوره وحثّ الفقهاء الوسطيين على محاربة الموقف الرافض للفن والدعوة الى ممارسة واحتراف الفن في حدود الضوابط الاجتماعية والدينية.

حصار اجتماعي يعيق مسيرة فنانة موريتانيا الشهيرة

سيطر الفنانون الشعبيون الذين توارثوا الفن وسمح لهم المجتمع باحترافه، على الساحة الفنية وقدموا فنا متواضعا بسبب غياب المنافسة وضعف موهبتهم وتأثرهم بتقاليد وأعراف المجتمع الرافضة للفن.
وتقول ديمي بنت آبه وهي مطربة من أشهر فنانات موريتانيا:» الموسيقى هي أصالتنا وانعكاس وجودنا الاجتماعي والتاريخي وأنا من أسرة موسيقية كبيرة فوالدي من قام بتلحين النشيد الوطني ومثلت بلادي في مهرجانات كثيرة وحصلت على عدة جوائز عالمية وأقمت حفلات عديدة خارج البلاد، ويؤسفني أنني لم أحصل على المكانة التي استحقها رغم أني مثلت بلادي خير تمثيل في المحافل الدولية وغنيت لوطني وللقضايا العربية، لكني لم أنل ما أستحقه من تقدير وأقولها بمرارة فالدولة لم تقم بتكريمي لقد تعبت كثيرا وقطعت مسافات من أجل الفن والثقافة في موريتانيا، هذا الغبن الذي أعاني منه ويعاني منه أيضا الكثير من الزملاء في الوسط الفني جعلني أفكر كثيرا في الاعتزال».

اقرأ أيضا