الاتحاد

تقارير

تمرد وحراك وقاعدة... ولا حوار

لا جدال في أن "القضية الحوثية" لم تستطع أن تحظى بتعاطف أو شعبية. بدأت تمرداً مسلحاً وأصبحت حرباً داخلية ثم تحولت إقليمية. ومن البديهي أن تميل القناعات إلى منطق الدولة ضد منطق التمرد، حتى بمعزل عما إذا كانت الدولة تتسم بحسن التصرف أم لا، إذ أن هناك سأماً من التمردات غير المؤهلة لأن تؤدي إلى أي مكان، وليس لديها مشروع واضح.
لا شك أن هناك مطالب للحوثيين لم يسمع بها أحد طوال الأعوام الأربعة الماضية. في الآونة الأخيرة، وبعدما شكا كثيرون من مستنكري هذه الحرب والراغبين في نهاية قريبة لها، أمكن التعرف إلى لائحة بالمطالب. بعضها طبيعي ومشروع وممكن التلبية، وبعض آخر خيالي أو قل إنه من النوع الذي لا يتحقق إلا مع الوقت.
ولكن لا يُفهم من هذه المطالب أن الحرب اشتعلت أساساً من أجلها، والأسوأ أن يُفهم منها أن أصحابها لا يزالون يتصورون أنفسهم في البلد الذي ينتمون إليه أو جزءاً من الدولة التي يقاتلونها بضراوة من يريد القضاء عليها وانهاءها.
على افتراض أن حكومة صنعاء كانت أحيطت علماً بهذه المطالب، فإنها لم تعلن يوماً ماذا كان ردّها على ما هو محقّ منها. وكان مؤسفاً ومؤلماً في آن أن لا يقفز النزاع إلى واجهة الأخبار إلا عندما يراق الدم من هنا أو من هناك. وأصبح أكثر مدعاة للأسف والألم أن تختصر الخيارات في هذه الحرب بإثنين لا ثالث لهما: الاستسلام أو الموت. فالأسابيع تمر، ولا أخبار إلا عن محاور صعدة وسفيان والملاحيظ، وعن قتل وتدمير وخسائر فادحة وإحباط هجمات... ثم ماذا؟ المزيد مما كان في الأمس ومما سيكون في الغد. فحروب الإخضاع، كهذه، تنتسب بالضرورة إلى عصور غابرة.
جنوب اليمن عرف شيئاً بل أشياء عن حرب من هذا النوع، وصمت خمسة عشر عاماً، ثم بدأ فيه "الحراك".
وإذا كان لا يزال تحت السيطرة، فهذا لا يعني أنه ليس في صدد بناء ما هو أكبر من الحراك. هل المشكلة في عدن أم أنها في صنعاء؟ السؤال مشروع، لأن "الحراك" لم يبدأ مسلحاً، ولم يصبح تمرداً، لكنه في طريقه لأن يزداد خطراً، مستفيداً من التحدي والإنهاك اللذين يمارسهما تمرد الشمال، بل ربما يستفيد أكثر من وجود تنظيم "القاعدة" وانتشاره خصوصاً في الجنوب. فاليأس يمنح أبوّته لكل الخيارات، خصوصاً أقلّها معقولية.
صنعاء على ثلاث جبهات في آن، وثمة جبهة رابعة تبدو كأنها تحقق فيها وحدها نجاحات ثابتة، هي جبهة لجم الوسط السياسي اليمني الذي لم يستطع في هذه الأزمة المثلثة الأخطار أن يثبت وجوده، إما لأنه ممنوع وإما لأنه راضخ للتهميش الذي دفع إليه، وإما لأنه ليس عنده تصور للحلول، وإما أخيراً لأنه يريد للجميع أن يغرقوا، إذ لا يرى مصلحة له في انتصار الدولة -هذه الدولة- ولا في انتصار مناوئيها.
هذا يعيدنا أكثر إلى واقع أن المشكلة قد تكون واقعياً وعملياً في صنعاء، ولأنها كذلك أمكن لطرف خارجي أن يخترق البلد، فمن أبواب كهذه تم اختراق العراق ولبنان وفلسطين والصومال وبعض السودان.
أكثر من مرة سمعت في اليمن الدعوة التي وجهها الرئيس علي عبدالله صالح إلى حوار وطني. هذا الحوار تأخر أكثر مما ينبغي، خصوصاً أن صنعاء ترفض أي وساطة أو تدخل خارجيين.


كاتب ومحلل سياسي - لندن

اقرأ أيضا