الاتحاد

تقارير

قمة كوبنهاجن... سقف توقعات منخفض

مما يثير غرابة المواطنين الأميركيين المقيمين قبالة ساحل "أورانج بيتش" هذا العام أن الطقس ظل دافئاً نوعاً ما حتى شهر نوفمبر المنصرم، وأنه بقي على تلك الحال حتى في مناطق أخرى عادة ما عرفت ببردها الذي يأتي مبكراً في كل عام. ومن بين هؤلاء تعزو الآنسة "جينا روتليدج" ما حدث هذا العام إلى التغير المناخي وارتفاع درجات حرارة الأرض. ولكنها كلما استمعت إلى خبراء المناخ والبيئة وهم يتحدثون عن هذه الظاهرة، كلما ازدادت ارتباكاً في فهمها لها. تقول روتليدج: لم أعد قادرة على معرفة مَن أثق به. فأنت تسمع عن أدلة علمية على التغير المناخي، بينما تسمع من الجانب الآخر أدلة علمية على أن هذا التغير ليس سوى دورة طبيعية تمر بها الأرض. وهكذا تبقى محتاراً فلا تعرف من تصدق من هذين الطرفين.
وبينما واصلت الولايات المتحدة وغيرها من الدول الاستعداد لعقد قمة كوبنهاجن للتغير المناخي التي بدأت يوم أمس 7 ديسمبر لتستمر حتى 18 من الشهر، فربما لا تكون المعضلة الرئيسية التي يواجهها المؤتمرون هي الخلافات السياسية بين الدول الغنية والفقيرة، أو بين الدول الصناعية المتقدمة والأخرى النامية، أي بين الأكثر تسبباً في انبعاث الغازات المسببة للاحتباس الحراري والأقل تسبباً فيها، وربما الأشد تضرراً منها. فالأرجح أن تكون المعضلة الرئيسية التي تواجهها قمة كوبنهاجن هذه هي تراجع الحماس الشعبي العام لمعضلة التغير المناخي على المستوى الدولي.

صحيح أن الزمن قد تجاوز بأشواط تلك الأيام التي كان يعتقد فيها الكثيرون أن التغير المناخي لم يكن سوى خرافة يروج لها بعض البيئيين المهووسين ذوي الخيال المجنح. فقد أصبحت أعداد أكبر تدرك وجود مشكلة ما في ارتفاع درجات حرارة الأرض، ولم يعد الاعتراف بوجود هذه المشكلة موضع شك أو تساؤل. ولكن السؤال الذي يطرحه الكثيرون اليوم هو: ما مدى سوء هذه المشكلة؟ وإلى أي مدى ينبغي للدول العمل للحد من مخاطرها وتداعياتها؟ وفي مثل هذه القضايا عادة ما يصعب تحقيق أي إجماع عام. ولعل قمة كوبنهاجن التي تستمر لمدة عشرة أيام ستكون دليلاً على هذه الصعوبة. وتصل المصاعب إلى درجة يمكن القول فيها إن فكرة حمل جميع الدول المشاركة في القمة على التوقيع على بروتوكول جديد بديل للتغير المناخي قد ولدت ميتة حتى قبل بدء انعقاد القمة نفسها. وهذا ما يعطي أهمية خاصة لسلوكيات عامة مواطني الدول إزاء هذه المشكلة. فالعلماء يواصلون تقديم الأدلة العلمية على أن مشكلة التغير المناخي تعد هي المعضلة الأكثر إلحاحاً وخطراً التي تواجهها البشرية في قرننا الحالي. كما أصدر نائب الرئيس الأميركي الأسبق آل جور كتاباً جديداً تم توقيت إصداره مع انعقاد قمة كوبنهاجن. وقال في هذا الكتاب إن مشكلة التغير المناخي تتجاوز كونها معضلة كونية تهدد حياة البشرية كلها. فهي في نظره مسألة أخلاقية تفرض على الجيل الحالي التزاماً أخلاقياً بحلها من أجل ضمان الحياة والرفاه للأجيال القادمة. وإذا ما أريد لأمم العالم كلها أن توحد جهودها وإرادتها لحل هذه المشكلة، فإن ذلك يتطلب تعبئة عامة الجمهور حولها. ولكن لا يقل هذا السؤال إلحاحاً وصعوبة: كيف للدول أن تعبئ شعوبها حول مشكلة ربما تبدو تداعياتها الكارثية واضحة بعد مضي عدة عقود من الزمان أو حتى بعد عدة قرون؟

ففي الصين التي تحتل المرتبة الأولى عالمياً من ناحية ارتفاع انبعاثاتها من الغازات المسببة للاحتباس الحراري، يزداد قلق عامة المواطنين إزاء كيفية حفظ التوازن بين تعافي الاقتصاد وتعافي البيئة. ومن الواضح أن هناك تنازعاً بين التنمية الاقتصادية وحماية البيئة. فبينما تتركز جهود الحكومة على النمو الاقتصادي في الوقت الحالي، فإنه يتعين عليها أن تعطي اهتماماً أكبر لحماية البيئة.

وتتردد مشاعر القلق نفسها لدى البعض هنا في الولايات المتحدة، التي تحتل المرتبة الثانية عالمياً من ناحية انبعاثاتها من الغازات المسببة للاحتباس الحراري. ولكن يلاحظ أن نبرة الغضب التي كانت تصحب ذلك القلق والاحتجاجات لم تعد بذات القوة السابقة. فقد كشفت نتائج استطلاع للرأي أجرته مؤسسة "بيو" العالمية مؤخراً أن نسبة 57 في المئة فحسب من الأميركيين يعتقدون بوجود أدلة علمية على ارتفاع درجات حرارة الأرض.

ويتضح مدى التراجع الذي حدث لهذه النسبة حين نقارنها بنسبة 71 في المئة في شهر أبريل من عام 2008. وحين سئل المستجوبون عما إذا كانوا يعتقدون أن للنشاط البشري صلة بهذا الارتفاع، جاءت إجابة 36 في المئة فحسب منهم بالتأكيد. وبالمقارنة فقد كانت هذه النسبة 47 في المئة في استطلاع أبريل 2008.

ولكن على رغم تراجع التأييد الشعبي العام لجهود التصدي لخطر التغير المناخي، لا يزال هذا التأييد قوياً نوعاً ما على الصعيد الدولي.
وهذا ما كشفت عنه نتائج استطلاع للرأي العالمي أجري مؤخراً في 12 دولة تمثل ما يزيد على نصف سكان العالم، حيث تؤيد نسبة 65 في المئة التوصل إلى حل ما في قمة كوبنهاجن. وهناك نسبة 79 في المئة من المستجيبين لاستطلاع رأي عام رعته مجموعة شركاء بنك HSBC للمناخ، أكدت أهمية التوصل إلى أهداف محددة لخفض الانبعاثات المسببة لارتفاع درجات حرارة الأرض.

ويفسر هذا التراجع بعدة عوامل منها بعد المدى الزمني الذي تظهر فيه تداعيات كارثة التغير المناخي.
وفوق ذلك، فليس لهذه المشكلة صفة ملموسة مثلما هو الخطر المباشر الذي يمثله أسامة بن لادن وأمثاله من الإرهابيين على أمن المواطنين والدول.


كاتب أميركي مهتم بشؤون البيئة
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»

اقرأ أيضا