الاتحاد

تقارير

كوسوفو... نموذج لمشروع «بناء الأمم»

بعد مرور قرابة العامين على إعلان استقلال أحدث دولة في العالم، لا تزال القوى الأجنبية تحكم سيطرتها عليها. فهناك قوة حفظ سلام دولية تقدر بنحو 14 ألف جندي. يذكر أن هذه القوة أمضت نحو عقد من الزمان في هذه المنطقة، بعد أن تم نشرها لحماية العرقيات المتناحرة من استئصال بعضها بعضا في بريشتينا المجاورة. وإذا ما أخذنا في الاعتبار أن تعداد مواطني دولة كوسوفو لا يزيد على مليوني نسمة، فإن ذلك يعني أن قوة حفظ السلام المنتشرة في أراضيهم تعادل ضعف القوة التي نشرها حلف "الناتو" لحماية المواطنين الأفغان.
ولكن يواجه اقتصاد كوسوفو تحديات ومصاعب كبيرة، حيث تبلغ نسبة البطالة فيه 45 في المئة. وبالنتيجة يعتمد غالبية المواطنين على المنح والمساعدات الخارجية. وحتى الآن لا يوجد رقم مفتاح هاتفي عالمي لكوسوفو. ولا تزال أرقام الهاتف الثابت أرقاماً صربية، مع العلم أن صربيا لا تزال تصر على عدم اعترافها باستقلال كوسوفو. أما أرقام الهواتف النقالة المعمول بها في هذه الدولة الحديثة، فقد استعيرت من موناكو أو جمهورية سوليفينا المجاورة.
وعلى رغم هذه التحديات والمصاعب كلها، كثيراً ما يشير الدبلوماسيون إليها باعتبارها نموذجاً مثالياً لمشروع بناء الأمة. ولهذه الإشارة صلتها بالحوار الدائر الآن عن إعادة إعمار أفغانستان. والمقصود هو أن في وسع الإرادة الدولية أن تعيد بناء دولة ما من الرماد والحطام. فبعد سنوات طويلة من التناحر والنزاع العرقي، بدأ الأمن والاستقرار يتحققان في هذه الدولة الحديثة الناشئة.
وتبين الآن أن تلك التوقعات المتشائمة بأن يؤدي الإعلان عن استقلال كوسوفو إلى إشعال حملة انتقامية من قبل الأغلبية الألبانية على الأقلية الصربية التي تمثل نحو 7 في المئة من جملة المواطنين، كانت مبالغاً فيها. ويتوقع أن يخفض حلف "الناتو" قواته المنتشرة هنا بحوالي الثلث في وقت مبكر من العام المقبل.
وكما يقول "يفس دو كيرمابون" -رئيس بعثة القانون المدني وفرض النظام الأوروبية في كوسوفو- فقد تحسنت الأوضاع ببطء وثبات. فحين يكون المرء في زيارة ميدانية يخيل إليه أنه لا شيء يتقدم هنا إلى الأمام. ولكن ما أن يكرر الزيارة نفسها بعد عامين أو أكثر، حتى يذهل لهول التقدم الذي تحقق على الأرض. يذكر أن "كيرمابون" جنرال فرنسي متقاعد، وكان قائداً سابقاً لقوات حلف "الناتو" في كوسوفو.
وهناك عدد قليل جداً من مواطني كوسوفو والمقيمين فيها، من يعتقدون بسهولة شق كوسوفو طريقها للأمام. فقد أكد عدد من المسؤولين الحكوميين والدبلوماسيين ومن عامة المواطنين العاديين اعتقادهم بأن كوسوفو سوف يتعين عليها الانتظار لسنوات عديدة إن لم تكن بضعة عقود قبل أن تتمكن من الوقوف على قدميها بمفردها. فلا يزال في وسع بعض الشخصيات الأجنبية النافذة إلغاء القرارات الحكومية، بينما تواصل قوة خاصة يقدر عدد أفرادها بحوالي 3 آلاف جندي نشرها الاتحاد الأوروبي سيطرتها التامة على قوات الشرطة والمحاكم المحلية. وفي الوقت نفسه يعتقد الكثير من المواطنين أن السفارة الأميركية هي التي تقرر شؤون حياتهم اليومية من خلف أبوابها.
لكن وعلى رغم ذلك، ترتفع في سماء العاصمة بريشتينا رافعات المباني وينشط العمل على بناء الأبراج والمنشآت العقارية التي راجت مؤخراً بفضل الدعم الأجنبي المقدم لكوسوفو.
ومن المؤشرات الإيجابية أيضاً إجراء كوسوفو انتخاباتها المحلية في منتصف شهر نوفمبر المنصرم، وهي أول انتخابات محلية تجريها منذ إعلان استقلالها عن صربيا في السابع عشر من فبراير 2008. ورغم وقوع بعض أحداث العنف في تلك الانتخابات، فإن الناخبين أدلوا بأصواتهم في هدوء وسلام، بينما لم تروج شائعات ومزاعم تذكر عن حدوث تزوير كبير في تلك الانتخابات.
يذكر أن نسبة المشاركين في الحملة الانتخابية بلغت 45 في المئة، وهي نسبة أعلى من مشاركتهم في الانتخابات السابقة التي أشرفت عليها وأدارتها الأمم المتحدة. وأعرب مراقبو الانتخابات عن دهشتهم وفرحهم بمشاركة عددية ضئيلة من الناخبين الصرب الذين تجاهلوا نداءً من بلجراد بمقاطعة الانتخابات هذه. إلى ذلك قال مسؤولون في العاصمة بريشتينا إن عدم لفت الانتخابات هذه للاهتمام الدولي يعد مؤشراً إيجابياً على التقدم الذي حققته بلادهم من ناحية الاستقرار الأمني والسياسي. في الوقت نفسه كان من رأي أحد الدبلوماسيين المقيمين في بريشتينا -دون ذكر اسمه- أن كوسوفو تستفيد نوعاً ما من نسيان العالم لها في الوقت الحالي. فبناء الأمة يستغرق وقتاً، والعملية الجارية الآن في كوسوفو لا شك مؤلمة وبطيئة، إلا أنها تسير للأمام على أية حال.
هذا ويزداد تذمر الكوسوفيين من سوء الأوضاع الاقتصادية وعجز حكومتهم، على رغم فورة الحماس الوطني الكبير الذي صاحب الإعلان عن الاستقلال.
وحتى الآن لم تعترف من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة جميعها، سوى 63 منها باستقلال كوسوفو.
وعلى رغم أن هذه الأخيرة تطمح للانضمام إلى عضوية الاتحاد الأوروبي في نهاية المطاف، إلا إن خمساً من دول الاتحاد -إسبانيا، اليونان، سلوفاكيا، رومانيا، وقبرص- لا تزال ترفض إقامة علاقات دبلوماسية رسمية مع كوسوفو، خوفاً من أن يشجع اعترافها بها المجموعات الانفصالية لديها على إعلان استقلالها الذاتي.


كريج ويتلوك
بريشتينا - كوسوفو
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست»

اقرأ أيضا