الاتحاد

الملحق الثقافي

شاعرٌ تأسرهُ عذابات اللَّحظة

ستة عقود ونيف من السنوات مرَّت على ولادة الشَّاعر علي كنعان في إحدى ضواحي مدينة حمص السورية، وفي خلالها لازمه الشِّعر صنواً لصنو، فضلاً عن الترجمة إلى العربية والكتابة النثرية حتى صار منجزه الإبداعي، خصوصاً الشِّعري منه، عمارة رائقة في بنيانها الفني وقامة ناصعة في ثرائها المضموني، إنها تجربة تسعة دواوين شعرية توالت عبر سنوات العمر تلك التي كتبها كنعان في قرية الصِّبا الطفولة (الهزة)، وفي حمص، ودمشق، وبيروت، وطوكيو، وأبوظبي، ومدن أخرى في عالمنا، والدواوين هي على التوالي: ''درب الواحة''، ''أنهارٌ من زبد''، ''أعراس الهنود الحمر''، ''مرايا لآخر المماليك''، ''أسئلة للرياح''، ''أطياف من لياليها''، ''نخلة اسمها فاطمة''، ''برزخ للجنون''، وأخيراً ''أبجدية الينابيع'' الذي صدر عن ''المؤسسة العربية للدراسات والنَّشر'' في بيروت مؤخَّراً·
ضمَّ ديوان (أبجديَّة الينابيع) أربعاً وعشرين قصيدة من الشِّعر الحديث، حازت الأولى منها، وهي بعنوان ''أوراق متناثرة''، نحو 55 صفحة من صفحات الدِّيوان التي ربت على 140 صفحة من القطْع المتوسِّط· وهي قصيدة، وكما يشي عنوانها، بأنها قطفٌ شعريٌ لأيام الشِّعر في سنواته المتأخرة، بينما يبدو أن بقية قصائد الدِّيوان كتبت في أوقات أخرى ليست بالبعيدة إنما في سنوات متأخرة أيضاً لهذا جاء دور نشرها في هذا الدِّيوان حيث عوَّدنا علي كنعان على نشر قصائده تباعاً في دواوين شعرية متتالية الصدور· مع أن عنوان الدِّيوان ''أبجديَّة الينابيع'' يتقصَّد الإيحاء للقارئ بأنه إزاء نصوص إبداعية يقول فيها كنعان تجاربه القديمة أو يحكي عن منابعه القديمة، إلا أننا نجد في أغلب قصائد الدِّيوان تكريساً وجودياً جارفاً لشاعر عجوز تؤرِّقهُ الليالي بعذابات مضنية:
''وأنا في دبق الليل/ أُداري أفعواناً
لا يجافي أو ينام''·
لا هناء لشاعر يعارك ساعات الوقت الباردة عند نافذة غرفته وحيداً وأحاسيسه تلوِّح له بأن الوداع وقد أزف:
''شجرٌ كالحٌ يلطم النافذة / وأنا في فراشي
أتملى وشاح الغروب الأخير''·
عاش علي كنعان سنوات طويلة من عمره في غير مكان بالعالم بعيداً عن وطنه سوريا، لذلك نالت تلك المنافي، إن صحَّ التعبير، من تجربته الشِّعرية، ونالت الأخيرة منها أيضاً، وأصبح التنافذ فيما بين الشِّعر والمدن التي عاش فيها مُنتجاً للكثير من القصائد الشِّعرية في تجربته·
المنفى أو ''زوَّادة المنفى''، كما يسميها كنعان في إحدى قصائد هذا الدِّيوان، تعدُّ مصدراً مهماً لأي شاعر كان· وما هو مؤكد أنها أضافت لشاعرنا الكثير من الأفكار والتصورات والأخيلة والتجارب الغنية، لكنَّها ما عادت مصدر إلهام في مرحلة وقد يبُس ماؤها وخرَّت قواها كما يرى الشِّعر ذلك في إحدى القصائد، وما عادت هذه ''الزوّادة'' تمنح الشِّعر بركات المنفى ولا جماله ولا حراكه سوى جدبها وفقرها، لذلك يرجو الشَّاعر مجيء غيمة ماطرة علها تروي عطش المنفى وتعيد له الحياة، لكنه العدم المنقوع باليأس هو سيد المواسم هذه المرَّة، ولهذا لا شيء سوى الانتظار والتساؤل بحرقة مضنية:
''يبُست زوَّادة المنفى/ فهل أنتظر الغيمَ الذي تأتي به
ريح الشمال؟/ بردى·· يا بردى·· يا برادة! متى··
متى تحضنُ روحي في حناياكَ/
وتخفي سكرات لوعتي/ في عاصفة من الجنون
أو حفنتي تُراب؟''·
في قصائد هذا الدِّيوان يبحثُ علي كنعان عن نهاية ما، نهاية تضعهُ عند عتبة تحقيق أحلام ربما صغيرة أو عند أُمنيات صغيرة يجدها تروي يباس ساعات الأيام التي يعيشها شاعرنا بألم، وسقف روحه الذي يحتاج إلى سعفةٍ كي يستند عليه لئلا ينهار ويتهاوى هذا السَّقف· عندما يدبُّ اليأس في روح الشَّاعر حيث المطر الذي لا يريد أن يجيء، ودلال الغيم الهائج المائج بعناد أحمق، نراهُ يعود إلى الرُّوح، ليطرق بابها، فهل من متاع؟ يقول علي كنعان:
''في سكون الظلام المُريب/ أُحاولُ أن أتقرَّى خزائن روحي
وأقرأ أشياءها في الخفاء/ أما زال بين رفوف الغبار
وأغشية العنكبوت/ بقايا من الورد والخمر
والمرمر البابلي؟/ أما زال في قاعها معدنٌ واحدٌ
كسرةٌ أو شظيةٌ/ أثرٌ·· أو فُتات
لم يهشِّمهُ داءُ الصدأ؟''·
هذا هو علي كنعان في (أبجديَّة الينابيع)، شاعر تأسرهُ عذابات الشُّعور بالنِّهايات غير القادمة، النِّهايات عصيَّة الحضور، لذلك هو في صراع دائم مع أقدارها العنيدة، ودَلالها الغضّ المناكد لشاعر معتَّق أطلق سراح شاعريته منذ زمن مبكِّر للغيمة كي تحبل مطراً وتروي جدباء البراري ويباس الرمال، وتُشبع الينابيع العطشى لماء القصيدة، حتى يزهر الحب وتنمو رياحين الحياة زاهية بموسيقى الوجود·

اقرأ أيضا