أنقرة - سيد عبد المجيد:
أزمة عاتية لم تكن تنتظرها أنقرة وفي نفس الوقت لا تريدها، لكنها باتت أمرا واقعا، من هنا صار جل سعيها إلى الحيلولة دون أن تتصاعد وتتفاقم لتضيف مرضا مزمنا آخر ـ يصعب علاجه ـ إلى منطقة تعج بالأمراض المستعصية والجسد التركي لا يسلم منها، فإن لم يكن يعيش فيها، فهو ـ على الأقل ـ يشارك بلدانها في تخوم وحدود طويلة قد تزيد على الألف والخمسمائة كيلو متر ·· فما سيعود على تركيا من ترنح النظام السوري ثم انهياره؟· بيد أن كتابا كبارا تخيلوا سوريا وقد أصبحت عراقا آخر· النظام إذن لا بد وأن يبقى ولكن كيف؟ صحيفة ميلليت التي تصورت الرعب قادماً في الجارة السورية من خلال ما كتبته 'ياسمين تشونجار' هي نفسها، ومن خلال كاتبها الكبير سامي كوهين، التي نصحت الساسة في الباشباكلنك تحويل الأزمة إلى منفعة وقبل ذكر الكيفية، نتوقف قليلا عند المفارقة المفعمة بالإثارة بين الحاضر المعاش والماضي القريب على صعيد العلاقات التركية ـ السورية·
لو كان الحاصل الآن من تصعيد غربي محموم تقوده الولايات المتحدة الأمريكية ضد دمشق تم قبل عقد من الزمان، لما اهتمت تركيا كل هذا الاهتمام بل على العكس، فربما ساهمت من أجل الإطاحة بـ 'العدو' ( هذا كان توصيف سوريا في الذهن التركي إجمالا ) الذي يقدم يد العون للفصائل الكردية الانفصالية والمعروفة بعناصر منظمة حزب العمال الكردستاني الانفصالية· دلالة هذه المفارقة هي أن الحرب التي كادت أن تشنها أنقرة قبل ثماني سنوات على معسكرات تدريب الفصائل الانفصالية في الأراضي السورية لم تكن لتؤدي النتائج المرجوة منها بيد أن الضغوط الدبلوماسية مرورا بوساطة مصر انتهاء إلى الحوار المباشر كانت هي الأنجح بل إن ما أفرزته من إيجابيات فاق توقعات الداخل والخارج في آن ·
بيد أن السنوات الخمس الماضية نقلت العلاقات بين البلدين الى آفاق غير مسبوقة مقارنة بالماضي المأزوم، فالحدود لأول مرة منذ عقود طويلة عرفت الاستقرار مع وعد تركي بسكك حديدية تنطلق من غازي عنتب بالأناضول لتذهب إلى حلب وبوابة حدودية جديدة تكون الثانية بعد باب الهوى على الحدود مع إنطاكية، قابله عزم دمشقي بطي صفحة الاسكندرون وسائل التعاون إذن أخذت منحى تصاعديا وفي كل المجالات بعد أن كانت قاصرة عقب اتفاق أضنه عام 1998 على النسق الأمني وبالتوازي نزعت بعض الألغام ومعها تضاءلت مساحة الأسلاك الشائكة في إشارة رمزية إلى حتمية تشابك الجوار وتواصل ساكني الحدود ومع التسارع لبت أنقرة أكثر من زيارة على مستوى رفيع·
وفي يناير عام 2004 حطت طائرة بشار الأسد الأرض التركية ومع أحداث القامشلي باتت حاجة سوريا لتركيا ملحة لمزيد من التعاون لمواجهة تداعيات الحاصل في شمال العراق وفي منتصف العام الحالي قام اردوغان يصحبه رجال أعمال كبار بزيارة إلى دمشق جاءت نتائجها مثمرة لكلا البلدين أنقرة حتى تلك الزيارة لم يكن يعنيها من قريب أو بعيد طبيعة وشكل ومضمون النظام السياسي السوري ورغم أنها لا ترغب بطبيعة الحال في صعود الإسلام السياسي في هذا البلد إلا تجربتها مع إيران منذ ثورة الخميني كرست اعتقاد النخبة التركية في صلابة السياج العلماني المنيع بالبلاد، ولم يحدث أن انتقدت أنقرة الرسمية الوضع السوري في لبنان، اللهم إلا في الجزئية التي كانت أنقرة تعتقد في أن دمشق تسمح بتدريب العناصر الانفصالية في البقاع اللبناني· وتوجهات السياسة الخارجية السورية حتى وان تناقضت مع تركيا، كانت أنقرة لا تتوقف كثيرا عندها وهو ما كان يثير حفيظة أصدقاء وحلفاء تركيا وهم بالأساس الولايات المتحدة وإسرائيل·
إعادة النظر
لم تر أنقرة في توجهاتها نحو سوريا اندفاعا، ومن ثم لم تعر اهتماما كبيرا للانتقادات الأمريكية لزيارتي عبد الله جول عندما كان رئيسا للحكومة قبل أقل من ثلاث سنوات إلى دمشق، ثم زيارة اردوغان المشار· لكن بدت زيارة الطيب رجب اردوغان إلى إسرائيل، ثم رحلته إلى الولايات المتحدة الأمريكية والتي سبق وتأجلت أكثر من مرة بحجة الجدول المزدحم للرئيس جورج بوش بمثابة عودة لاعادة النظر في حماسة تركيا تجاه سوريا·
ثم جاءت التطورات المتلاحقة بشأن الأزمة السورية على خلفية اغتيال رئيس الحكومة اللبناني الأسبق رفيق الحريري من هنا لم يكن هناك مفر في اتخاذ عدد من الخطوات الإجبارية حتى لا تضرر مصالح الأناضول فألغيت زيارة الرئيس بشار الأسد التي كان مفترضاً أن تتم في عطلة الصيف الماضي ورغم وجود مساعد لنائب رئيس الحكومة السورية في أنقرة إلا ان جدول أعمال رئيس الحكومة اردوغان حال دون استقبال الضيف·
ولكن هذا لم يمنع أن تكون أنقرة بالفعل بين نارين: رغبتها في الاستمرار بتوطيد علاقاتها بدمشق من جانب ومسؤوليتها أمام المجتمع الدولي بالالتزام بقراراته من جانب آخر، حتى التوفيق بين الموقفين بات هو الآخر معضلة فحتى لو كانت الضغوط الغربية على سوريا متمثلة مؤقتا في ضغوط سياسية دون عقوبات اقتصادية فأنقرة أيضا لا تستطيع أن تتجاهل موقف الولايات المتحدة وأوروبا في حال وفرضت عقوبات اقتصادية رغم التأثيرات السلبية النسبية الاقتصاد التركي فرجال الأعمال ستصاب استثماراتهم الوليدة بسوريا في مقتل والاتفاقيات التي أبرمت على مدار السنوات الأخيرة بما فيها اتفاق التعاون في الصناعة النفطية والذي تم في الثالث من الشهر الحالي كل هذا ستوقف، لتعود تركيا من جديد إلى ما عانته من جراء العقوبات التي فرضت لأكثر من عقد على العراق·
الفرصة الأخيرة
وهناك أمر آخر حيوي بالنسبة لأنقرة وهو هنا يتعلق بالتعاون مع سوريا لمواجهة تداعيات الحاصل في شمال العراق· فالتنسيق بين البلدين مهدد بالشلل صحيح أن المسألة الكردية في سوريا أقل مقارنة بتركيا إلا أن الحديث المتصاعد الآن عن إقليم كردستان لابد وان يعنيها خاصة مع أنباء توطين أكراد من سوريا وإيران بمدينة كركوك والذي تجتهد الفصائل الكردية في شمال العراق بجعل المدينة عاصمة ما يسمي بـ 'كردستان'·
فما العمل إذن ؟ هنا نعود إلى كيفية تحويل الأزمة إلى منفعة والتي سبق وأشرنا إليها في مستهل هذا الموضوع ، فأنقرة وكما ذهب الصحافي التركي البارز سامي كوهين، تستطيع أن تدعو الأسد إلى التعامل جديا مع قرارات الأمم المتحدة والى الإسراع في تطبيق الإصلاحات الداخلية، والحد من تسلل الإرهابيين عبر الحدود السورية الى العراق ·
وفي نفس الوقت تدعو بوش والغرب الى تجنب الإساءة إلى الأسد والرجوع عن قلب نظامه أو السعي الى تدخل عسكري أو حتى فرض عقوبات اقتصادية لان ذلك يؤدي إلى نتائج عكسية لن يضير سوريا بل دول الجوار ورغم أن زيارة عبد الله جول نائب رئيس الحكومة ووزير الخارجية لسوريا لم تكن مدرجة، إلا أن أهل القرار في العاصمة أنقرة رأوا ضرورة القيام بها لعلها تكون بمثابة الفرصة الأخيرة، وعلى عجل أعدت وزارة الخارجية سيناريو للزيارة متضمنا اقتراحات تركية محددة للخروج من الأزمة· صحيح أن جول رفض الإفصاح عن أي من هذه المقترحات إلا أن تصريحاته السريعة للصحفيين عقب عودته بدت إيجابية وكأنه حصل على ردود مشجعة من دمشق، ولم تستبعد مصادر أن يكون جول قد عرض على نظيره فاروق الشرع إمكانية ان تكون تركيا مكانا لاستجواب المسؤولين السوريين ·