الاتحاد

تقارير

حظر المآذن... فجوة بين الدين والثقافة

يصعب جداً فهم التاريخ الأوروبي بدون الإشارة إلى الدين. وفي المقابل فليس فهم المجتمع الأوروبي المعاصر بسلوكياته وتوجهاته العلمانية البحتة بتلك الصعوبة أو التعقيد. وهناك قراران سياسيان قانونيان مثيران للجدل اتخذا مؤخراً بشأن الصليب المسيحي وبناء المآذن في أوروبا، يبينان هذا الانفصام الواضح بين الثقافة والدين في القارة الأوروبية.
فأولا كانت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان -مقرها مدينة ستراسبورج الفرنسية- قد أصدرت حكماً بانتهاك وجود الصليب في الفصول الدراسية الإيطالية لنصوص معاهدة حقوق الإنسان المبرمة في عام 1950. ويكمن في صميم ذلك القرار التساؤل حول ما إذا كان الصليب رمزاً ثقافياً أم دينياً؟ من ناحيتها جادلت إيطاليا بأن الصليب ظل يمثل رمزاً ثقافياً للقيم الجوهرية والديمقراطية الحديثة اللتين تجسدهما الدولة الإيطالية. غير أن المحكمة رأت خلاف ذلك في القرار الذي اتخذته. فمن رأيها أن الصليب يمثل رمزاً دينياً في الأساس، وأن وجوده داخل فصول الدراسة يعد انتهاكاً لحرية العقيدة والضمير ولمعتقدات الطلاب غير المدينين بالمسيحية، إضافة إلى كونه انتهاكاً لحق الطلاب في نظام تعليمي يحترم معتقداتهم الشخصية.
وثانياً: صوت السويسريون مؤخراً عبر استفتاء شعبي بأغلبية نسبتها 57.5 في المئة من جملة المشاركين في الاستفتاء، لصالح دعم تعديل دستوري يمنع بناء المآذن في بلادهم. وكان اليمينيون المتطرفون هم من أطلق هذه الحملة ودفع بها إلى قرار الحظر المذكور، بينما عارضت التعديل الحكومة السويسرية والمنظمات غير الحكومية مثل منظمة العفو الدولية. كما لوحظ معارضة كل من الكنيسة الرومانية الكاثوليكية واتحاد البروتستانت السويسريين بشدة لنص الحظر بحجة أنه تمييز ضد المسلمين ويتناقض وقيم الحرية والتسامح الدينيين التي يؤمن بها المسيحيون.
غير أن الخوف من الإسلام وتزايد هجرة المسلمين سيطرا على عقول الناخبين السويسريين. ويرمز حظر بناء المآذن هذا إلى تراجع النفوذ المسيحي في سويسرا بدلاً من تعززه وتجذره على أية حال. فهناك من المفكرين المسيحيين من يريد للكنيسة أو الديانة المسيحية أن تتخذ موقفاً معارضاً للثقافة. فأمثال الكاتب الروسي المعروف تولستوي وسانت بنيديكت كانا يريدان للمسيحيين الوقوف بعيداً عن التيار الثقافي الرئيسي بغية انتقاده وإعادة تشكيله وفقاً لرؤى نقدية دينية، خاصة وأنه كثيراً ما نظر إلى العالم كله على أنه بركة مظلمة آثمة. لكن هناك من المفكرين المسيحيين، لاسيما البروتستانت الليبراليين، من نظر إلى المسيحية باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من الثقافة. وبسبب عدم رؤية هذا التيار الليبرالي لنزاعات تذكر بين الكنيسة والعالم، فقد كان طبيعياً أن تميل تقاليد هؤلاء للتوفيق بين الثقافة والدين، مع التركيز على تلك الجوانب الثقافية الأكثر توافقاً مع المبادئ المسيحية. وعلى امتداد عدة قرون، ظلت المسيحية جزءاً أصيلاً من الثقافة الأوروبية، بشرها وخيرها معاً. وجاءت ثمار ذلك التوافق التاريخي كاتدرائيات أوروبية باهرة، واجتراحات فنية تأخذ الألباب وقيماً لترسيخ معاني الكرامة والحب الإنساني. غير أن من ثماره المريرة أيضاً جاءت الحملات الصليبية ومحاكم التفتيش والحروب الدينية والإمبريالية.
وعلى إثر عصر التنوير، فالثورة الفرنسية، ثم صعود النزعة الإلحادية، اتجهت أوروبا بعيداً نحو العلمانية. وبالنتيجة تراجع عدد المصلين في الكنائس وانحسرت الشعائر الدينية، بينما صارت الكاتدرائيات أكثر قرباً من المتاحف منها إلى دور للصلاة والعبادة. وبسبب هذه التحولات يواجه القادة المسيحيون صعوبة أكبر الآن في إقناع عامة الجمهور الأوروبي بالمبادئ والقيم المسيحية الأساسية. ولم يكن صعباً عليّ، أنا الكاثوليكي حين كنت صبياً، إدراك مدى استياء المثقفين الكاثوليك والساسة الإيطاليين من قرار محكمة حقوق الإنسان الأوروبية المذكور. واليوم أجد نفسي أشارك ذات الهواجس الدينية والسياسية والقانونية إزاء التعديل الدستوري السويسري الخاص بمنع بناء المآذن، خاصة وأن لهذا الحظر عواقبه السلبية المتوقعة على المسيحيين الذين يواجهون سلفاً ممارسات التمييز والاضطهاد في عدد من الدول المسلمة. غير أن أكثر ما يثير دهشتي المدى الذي أيد فيه مسيحيو أوروبا هذا التفسير الثقافي للصليب. وفي هذا القرار الأخير الخاص بحظر بناء المآذن في سويسرا، مثلما في قرار المحكمة الأوروبية السابق، هناك ما يثير الشكوك حول مدى حقيقة وجود هوية مسيحية أوروبية. ففي دفاعها عن رمز الصليب في الفصول الدراسية، دفعت الحكومة الإيطالية بحجة أن رمز الصليب موجود في تلك الفصول، ولكن لن يطالب أي من المعلمين أو الطلاب بمنحه أي شكل من أشكال القداسة، كما لن يطالب أحد بتلاوة الصلوات في الفصول الدراسية. بل لن يطالب أحد أصلاً بإعطاء أي اهتمام لوجوده في الفصول الدراسية. ولما كنت قد أقمت ومارست شعائري الدينية في العديد من الدول الأوروبية، فربما قام هذا الدفاع على حجة نظرية أكثر من كونه توصيفاً فعلياً لحال الديانة المسيحية في أجزاء واسعة من أوروبا، بما فيها إيطاليا. وما أجده فاضحاً من وجهة نظري اليوم، ليس غياب رمز الصليب في فصولنا الدراسية فحسب، وإنما ميل الممارسات العلمانية إلى تفريغ الصليب نفسه من محتواه المعنوي الديني، وتحويله إلى مجرد رمز ثقافي يحق لكل من شاء أن يتجاهله كما يريد. والصليب كما نعلم رمز لموت وبعث السيد المسيح عليه السلام، لتضحيته وحبه لأعدائه.
بقي أن نقول إن علاقة التسامح الديني بين المسيحية والإسلام لا تقررها قاعات المحاكم ولا أصوات الناخبين، إنما تقررها قلوب من يؤمنون بأهمية أن يكون المرء مواطناً صالحاً، سواء أكان مسلماً أم كان مسيحياً، في أوروبا المعاصرة.


باحث بالمعهد الجامعي الأوروبي في فلورنسا - إيطاليا
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»

اقرأ أيضا