الاتحاد

ثقافة

عدوى السعادة

«الحلم الإماراتي» إضافة لامعة في المسار العالمي

«الحلم الإماراتي» إضافة لامعة في المسار العالمي

ساهمت الهجرات البشرية ومنذ بزوغ فجر التاريخ وحتى الآن، في نماء وحيوية وازدهار الوجود الإنساني على كوكب الأرض. إنها غريزة المغامرة أيضاً والتي تدفع الكثيرين لاكتشاف أنفسهم وإطلاق مواهبهم وسط بيئة جديدة، حاضنة ومرحبة بهم.

كل بيئة مرغوبة من قبل المهاجرين، هي البيئة التي تمتلك إمكانات وحوافز تدفع بالقادمين إليها لتطوير مهاراتهم الذاتية وتحقيق المنفعة المتبادلة في مناخ متسامح وبمعية قوانين تحترم حقوق الإنسان، وتمنحه الحرية المسؤولة التي لا تناقض الأعراف العامة، وتحقق في الوقت ذاته الثراء المعرفي والتنوع المطلوب لخلق مجتمعات ديناميكية تسعى للتغيير الإيجابي ومواجهة أسئلة المستقبل وتحدياته، ذلك أن المجتمعات القابعة في الثبات والانغلاق، هي المجتمعات التي تتشكل في نسيجها الداخلي بذور الفشل والتراجع والجمود، كما أن رهانها مستند إلى الغامض والانتقائي، وعلى المتاح لحظياً والمتوافر آنيّاً، ودائماً ما تكون نظرتها للآخر قائمة على الريبة والتوجس، وبالتالي فهي مجتمعات منذورة لانتكاسات وخضوع كامل للشرط الماضوي، والتخلف عن ركب الأمم المتقدمة والساعية لسعادة الإنسان وتحقيق الرفاه والاستقرار لسنوات طويلة قادمة.

الأرض الخصبة
وتعتبر الإمارات بموقعها الجغرافي المتميز وإرثها المتجذّر وفكرها المنفتح ونهجها الوسطي والمعتدل، نموذجاً عصرياً حاضراً وملموساً للتخطيط الاستراتيجي القائم على التوجّه التنموي إنسانياً وعمرانياً ومعرفياً وتقدم للعالم مثالاً غنياً بالتجربة البشرية الطموحة والباحثة عن التميز في كل المجالات، خصوصاً ما يتعلق باستثمار العقول المبدعة والمواهب الخلّاقة والطاقات الباحثة عن مناخ صحي يشجعها على الابتكار والإنتاج والمشاركة التفاعلية في حدودها القصوى.هناك من أتى إلى الإمارات وصاغ فيها قصيدته الأولى، وهناك من ألّف روايته الأولى، وهناك من كتب فيها نصّه الأجمل، وهناك أيضاً من قدّم نتاجه التشكيلي والمسرحي والنقدي الأبهى والأكمل، وأطروحته الأولى، ودراساته المبكرة، واختراعاته الملفتة، ونظرياته المدهشة، وخرائطه الهندسية التي لم يسبق تصميمها من قبل.. إنها الأرض الخصبة التي تجسدت في أعطافها وفي مركزها وهوامشها أحلام الكثيرين فصارت هذه الأحلام كتاباً ومعلماً ومعماراً وإبداعاً معاشاً عبر الثقافة والدلالات الحميمية التي اختزنها أهل المكان وتوارثوها من أجيال سابقة آمنت بالحكمة والمحبة والتعايش وإكرام الضيف ونبذ العنصرية، وكما قال المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مؤسس دولة الاتحاد، طيّب الله ثراه، فإن: «الرزق رزق الله، والمال مال الله، والخلق خلق الله، والأرض أرض الله، ومن هم بيننا حيّاهم الله»، وهي مقولة تلّخص رؤية وأخلاق أهل الإمارات المشمولة بالكرم والترحاب والسمو فوق السلوكيات المنفّرة، والنظرة الضيقة، والأنانيات العابرة.
وتتجلى الرغبة الصادقة تجاه الاستثمار البشري أيضاً في مقولة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، والتي أكّد من خلالها أن التاريخ لا يسير في اتجاه واحد فقط، والعالم ليس مكاناً ثابتاً، بل إن سرَّ تجدد حضاراته هو في تغيره المستمر، وأن الأمم العاقلة هي الأمم التي تؤمن بالإنسان وبقيمته، وبأن رأسمال مستقبلها الحقيقي يكمن في عقل هذا الإنسان وفي أفكاره وإبداعاته.

حركة العقول
ويشير صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم إلى تغير الاتجاه في هجرة العقول والأدمغة، حيث أصدرت شركة لينكد إن ــ وهي أكبر تجمع إلكتروني مهني في العالم يضم أكثر من 300 مليون مهني في التخصصات كافة، ومقرها الولايات المتحدة ــ دراسة عن هجرة العقول وحركتها بين مختلف دول العالم، حيث قاست الشركة عن طريق قاعدة مستخدميها حركة العقول والمواهب بين الدول ما بين دخولها وخروجها، ثم صنفت أكثر من 20 دولة ما بين الرابحين والخاسرين في التنافس لاستقطاب هذه العقول، وكانت المفاجأة أن الدولة الأولى في العالم في استقطاب المواهب هي دولة الإمارات العربية المتحدة، كما جاءت أيضاً مجموعة من الاقتصادات الصاعدة في المقدمة مثل البرازيل والهند وجنوب أفريقيا والمملكة العربية السعودية، جنباً إلى جنب مع سنغافورة وسويسرا وألمانيا في الأكثر استقطاباً للعقول، وكانت أكثر الدول المصدرة للعقول حسب الدراسة نفسها هي إسبانيا وبريطانيا والولايات المتحدة وإيطاليا وأيرلندا. وكانت هجرة العقول إلى دول العالم الأول أقل من ثلث المجموع خلال فترة الدراسة التي غطت سنة كاملة من نوفمبر 2012 إلى نوفمبر 2013، في حين استحوذت الدول الصاعدة على نصيب الثلثين.
وتكمن أهمية هذه الدراسة في تقديمها لمؤشرات أولية تم تجاوزها خلال السنوات الخمس التالية للدراسة، فالواقع التنموي في الإمارات لا يتوقف طموحه عند سقف ثابت، بل يسعى دوماً للقفز فوق النجاحات السابقة، وعدم النظر إلى الوراء، أو الوقوف طويلاً أمام النشوة المؤقتة للمشاريع المُنجزة.
إن توفّر اللوائح والقوانين والتشريعات المرنة والمواكبة لتغيرات العصر والظروف الدولية سياسياً واقتصادياً واجتماعياً والتي تتمتع بها الدولة، ترجمت وبقوة نتائج الاستطلاع الذي أجرته «بيرستون مارستيلر» والتي كشفت أن الشباب العربي يفضل الإمارات للعيش فيها كأول خيار من بين دول أخرى متقدمة مثل أميركا وكندا ودول أوروبا، ذلك أن الإمارات تحترم وتوقّر الديانات المختلفة، وتدعم التعليم الحديث، وتجعل الرعاية الصحية من أولوياتها، وتحقق المقاييس العالمية للأمن والاستقرار، وتخلق بيئة عمل ثقافي واقتصادي وإداري مشجع، وحافل بالامتيازات وتقدير الكفاءات واستحداث قوانين مبتكرة تساهم في جودة المخرجات سواء كانت هذه المخرجات موضوعية أو مادية.

مؤشرات نوعية
ويرى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم أن العامل الأول في استقطاب العقول والمواهب هو خلق الفرص، وتوفير البيئة المثالية للنمو والتطور، وتوفير البيئة المثالية أيضاً للاستثمار وإدارة الأعمال، وتوفير أجواء عالية من الشفافية والحوكمة الرشيدة، وتساوي الفرص أمام الجميع. ولعل حلول الإمارات في تقارير التنافسية في المركز الثالث عالمياً في الأداء الاقتصادي، والثاني عالمياً في سهولة ممارسة الأعمال، والأول عالمياً في الكفاءة الحكومية، كما يوضّح سموه: يعطينا مؤشرات عن نوعية البيئة التي تبحث عنها مثل هذه المواهب والعقول.
ولعل العامل الثاني الحاسم في حركة العقول والمواهب بين الدول هو جودة الحياة. كانت نظرة الكثير من المواهب أن جودة الحياة في العالم المتقدم أفضل بكثير، خصوصاً في مجالات التعليم والصحة والخدمات والبنية التحتية والإلكترونية وغيرها، ولكن اليوم أصبحت الكثير من الدول تقدم مستويات من جودة الحياة أعلى بكثير مما تجده هذه المواهب في بلدانها، ما يسهل ويشجع بشكل كبير قرار الانتقال، حيث تتوافر الفرص الاقتصادية إلى جانب نمط حياة عالي الجودة.
إن عدوى السعادة التي يشير لها دوماً صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، هي التي جعلت من الإمارات قاعدة الاستقطاب الأولى في المنطقة، ذلك أن منسوب السعادة المرتفع في أي دولة أو مدينة هو ما يجعلها قبلة للمواهب الواعدة والعقول المضيئة والشخصيات القادرة على صنع الفارق، وتحقيق ما هو مدهش ولافت واستثنائي.وكذلك فإن مواقف وتصريحات صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، تؤكد ضرورة نشر القيم الإنسانية المشتركة في دولة الإمارات باعتبارها وسائل فكرية واجتماعية بالغة الأهمية وتختزن في عمقها ودلالاتها محفزات التعاضد البشري والمحبة الوارفة والتسامح الرحب، الذي يجعل من الزوار والمقيمين في دولة الإمارات : «إضافة»، وليس «عبئا» عندما يتعلق الأمر بالتنمية العمرانية والتنوع المعرفي والمساهمة الثقافية الصانعة لوشائج وجسور تبدأ بالمعنى وتنتهي بالمبنى، وتنطلق من الحلم كي تتجسد على أرض الواقع، وتضيف للحياة المستقرة والبيئة الآمنة في الدولة، آفاقاً جديدة من العمل والإنجاز وتجاوز المستحيل – في بعده الافتراضي – والإصرار إلى تحويل هذه المستحيل إلى اشتغال حقيقي وإلى منجز ملموس وإلى رصيد مكتنز بالخيرات المتاحة للأجيال الحالية، والأجيال القادمة أيضاً.
ويقول صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة: «ما أحوج العالم اليوم إلى تعزيز القيم الإنسانية الجامعة التي تمكن المجتمعات من العمل لما يخدم مصالحها وينهض بأوطانها ويؤمن مستقبل أجيالها». وهي مقولة تشير وبوضح كامل إلى النظرة النافذة لسموه تجاه الإمكانات الهائلة للعلاقات الجامعة بين الشعوب والتي تمنحها في النهاية الثراء الإنساني المطلوب لتخطي العقبات والإشكالات المعيقة لتطور المجتمعات وانطلاقتها المستقبلية المرجوّة، فليس أمام الشعوب الطموحة، ومنها بالتأكيد شعب دولة الإمارات سوى الاسترشاد بهذه الرؤى المتخطية لما هو راهن وآني ومؤقت، بحثاً عمّا هو مستدام وقابل للإنوجاد والتطور، والدخول بالتالي في تحديات مستندة إلى وعي مضيء، وقارئ بدقة لخريطة التغييرات الكبرى في العالم، فبمثل هذه القراءة التفصيلية والوعي المستنير، يمكن أن تتحول التحديات إلى منصات ووسائل ودروب تقودنا بثقة إلى أرض المستقبل.
ودائماً ما يؤكد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان أن نهج دولة الإمارات يقوم على مبادئ التسامح والمحبة والتعاون والتواصل الحضاري وقبول الآخر الذي أرساه المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وتسير عليه قيادة الدولة الرشيدة برئاسة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله. فهذا النهج السويّ والمنفتح، هو الذي جعل من الإمارات واحة للاعتدال والوسطية ونبذ ومواجهة التعصب والفكر المتطرف، مشيراً سموه إلى أن ما تشهده العديد من مناطق العالم من أعمال عنف وإرهاب هو نتاج للفكر المتطرف وخطاب الكراهية الذي تقف وراءه القوى المستفيدة من خلق الفوضى وإرباك المجتمعات الآمنة وتعطيل حركة التنمية فيها.

حزمة التشريعات
تتوافر الإمارات على حزمة من التشريعات المعنية بتوفير سبل الحياة الكريمة للمواطنين والمقيمين على أرضها والقادمين إليها من زوّار وسياح، وهي قوانين وتشريعات ساهمت في الوعي بالتطورات الديموغرافية والتركيز على العمالة المؤهلة، وخلق التناغم المطلوب بين أكثر من 200 جنسية مختلفة تعيش وتعمل في الدولة، دون وجود أي تمييز ديني أو عرقي أو مذهبي بين هذه الجنسيات، إضافة إلى تمتع الإمارات بفضاء كوزموبوليتي (كوني) والذي يصفه الكاتب الألماني «يوليان نيدا روملين» بأنه فضاء يستند على معايير وقيم عامة تتجاوز حدود الدول القومية، وأن في صلب هذه المعايير والقيم توجد المبادئ الأخلاقية وحقوق الإنسان ومقومات الأمن والحماية والاحترام والعدالة أثناء الاندماج في المجتمع الجديد.
تسعى الإمارات أيضاً لترجمة مفهوم الاقتصاد الأخضر المعنيّ بالتنمية الشاملة دون الإخلال بالنظام البيئي، والاعتماد في الصناعة والاستثمار على الطاقات الجديدة والمتجددة مثل الرياح والطاقة الشمسية من أجل تحقيق الوفرة الاقتصادية والمحافظة في الوقت ذاته على التوازن البيئي.
وتشتهر الإمارات بالجمع بين الأصالة والحداثة وبين التراث والمعاصرة، مع الاهتمام الكبير بجوانب التطور الذي تشهده الدولة بتحفيزها للإبداع المهني والعلمي وترسيخ البنى التحتية والخدمات الترفيهية والاجتماعية والثقافية التي تلبي كافة الأذواق والتوجهات والمرجعيات، كما تشجع الدولة مشاركة المرأة في التنمية المجتمعية، والاهتمام بحقوق الطفل، ومنح فرص القيادة للكفاءات الشابة على أسس معيار الإنتاجية.

«البطاقة الذهبية»
وكانت آخر المبادرات التي أطلقتها الإمارات في هذا السياق هو استحداث نظام الإقامة الدائمة أو «البطاقة الذهبية» للمستثمرين، ورواد الأعمال، وأصحاب المواهب التخصصية، والباحثين في مجالات العلوم والمعرفة بهدف تسهيل مزاولة الأعمال، وخلق بيئة استثمارية جاذبة ومشجعة على نمو ونجاح الأعمال للمستثمرين ورجال الأعمال والموهوبين، وذلك بهدف خلق بيئة مشجعة على الاستثمار والإبداع وترسيخ منظومة تنموية تتميز بالاستقرار، وإشراك أصحاب المواهب الاستثنائية ليكونوا شركاء دائمين في مسيرة التنمية في الدولة.
ويهدف نظام «البطاقة الذهبية» أيضاً إلى استقطاب أكبر للاستثمارات الأجنبية وتحفيز الإنتاج المحلي وتحسين بيئة الأعمال، وجعلها أكثر كفاءة وجاذبية، وترسيخ مكانة دولة الإمارات على الساحة العالمية. وتشمل المزايا كذلك الزوج والزوجة والأبناء لضمان توفير بيئة متماسكة أسرياً واجتماعياً ومحفزة للأعمال والابتكار في الوقت ذاته.
لا شك أن هذا القرار الصادر في شهر مايو الماضي سيكون له مردود حضاري يرصد نتائج المستقبل، ويراقب واقع السنوات والعقود القادمة من خلال منظور يقرأ بدقة التطورات العالمية المعنية بالثورة التكنولوجية والذكاء الاصطناعي وبرمجة الروبوتات والهندسة البيولوجية، وغيرها من العلوم التقنية المتطورة والمتنامية، وهو قرار يكمل العقد الفريد للإشعاع المعرفي الذي دشنته الحضارات المتوهجة، عندما انتبهت (للنوعية) وليس (للنوع) و(للعراقة) وليس (للعرق) في نظرتها للإنسان المتفوق، والقادر على تخطي المألوف والاتجاه بحلمه بعيداً عن الأطر التقليدية والأفكار المقولبة.
إنه «الحلم الإماراتي» البديل، والجاهز اليوم كي يصبح إضافة لامعة في المسار العالمي القائم على المشاركة الإيجابية لا على التنافسية السلبية، وهو حلم متاح لكل الساعين للتغيير والمخترقين حدود التاريخ والجغرافيا والقادرين على غرس جذور جديدة في أرض واعدة، تسع الجميع، وفي حياة متألقة تمنح طاقتها الإيجابية لكل المنتمين للمستقبل، والمحاطين بفضائل التسامح، أولئك المراهنون على الأمل، والأمل وحده!

اقرأ أيضا

«الناشرين الإماراتيين» تبحث آفاق تطوير صناعة النشر في الدولة