الاتحاد

ثقافة

خريطة تاريخية للهجرات الكبرى

من آثار الشعوب الآرية «من المصدر»

من آثار الشعوب الآرية «من المصدر»

لم تكن هجرات الشعوب القديمة أقل أهمية من الهجرات التي حصلت في العصر الحديث، لأنها أسست للحضارات القديمة والوسيطة، والتي كان لها أبلغ الأثر في تشكيل التوزيع الأثنوغرافي لعالمنا المعاصر.

في نهايات عصور ما قبل التأريخ، وتحديداً في العصر الحجري النحاسي (الكالكوليت)، بدأ تشكّل وتكوين ثلاثة شعوب كبرى في العالم القديم وهم (الساميون، الآريون، القوقازيون)، وبدأت حركة وهجرة هذه الشعوب ترسم معالم الحضارات القديمة المبكرة.
نرى أن (فرضية كورغان) التي وضعتها (ماريا جمبوتاس) كانت مقتصرة على نشوء وهجرة الشعوب الآرية فقط، وتناست أن هجرة هذه الشعوب لم تكن ستحصل لولا تشكّل وهجرة الشعوب السامية التي كانت قريبة منها والتي سبقتها في الظهور مع بدايات عصر الكالكوليت في حدود 5000 ق.م.
لقد رصدت الوجه المرئي من القمر، ولم ترصد الوجه الآخر المختفي الذي ربما يكون أكبر بكثير مما رأته، فقد ركزت على نشوء الشعوب الهندوأوربية، لكننا نرى أن الأمر أكبر من هذا بكثير، إذ إن مرحلة العصر الحجري النحاسي، التي يهملها الجميع كمرحلةٍ مهمة فاصلة، هي المرحلة التي شهدت التحول الجذري الكبير بعد النيوليت (حيث اكتشاف الزراعة).
الكالكوليت أو العصر الحجري النحاسي شهد، أولاً، في الشرق الأدنى الانقلاب الذكوري وبداية نشوء الشعوب الكبرى في هذا الشرق الأدنى والذي انتشر صداه إلى شرق أوروبا وغرب وجنوب البحرين (الأسود وقزوين) بشكل خاص، ولكي نضع فرضية جديدة تقابل فرضية كورغان وتكمل ما فاتها وتحتويها توجب علينا دراسة ما حصل في أول ثقافات الكالكوليت في الشرق الأدنى، وتحديداً في وادي الرافدين وسوريا، وهي ثقافة حلف. لكن ما ينفعنا هنا هو الجزء الخاص بنشوء الثقافات والشعوب السامية (السارية) التي كان مسرحها الأول شمال ميزوبوتاميا، ثم جنوب ميزوبوتاميا، ومن وادي الرافدين انتشرت الثقافات والموجات السامية إلى بقية المشرق العربي حتى وصلت بعض شحناتها إلى شمال أفريقيا والبحر المتوسط وجنوب أوروبا. ولنلاحظ أن شعوب الترك والقوقاز يتكلمون لغات مقطعية، وأن الشعوب السامية والآرية تتكلم لغات أبجدية، وهذا يشير إلى حقائق مهمة.

نظرية سار
Sar Theory
اخترنا كلمة (سار Sar) لأنها الكلمة التي تجمع الشعوب السامية الأولى الأربعة (سوبارتو، سونارتو، سومارتو، سوآرتو)، ولأن معناها باللغة الأكدية هو (الدائرة) وتشكلها عددياً أربع علامات مسمارية تحاول أن ترسم دائرة وهي تشير إلى العدد 3600 وهو عدد فلكي، وقد استخدمت للدلالة على السنة الكونية الكبرى واقتبسها الإغريق من بلاد الرافدين وسموا هذه السنة بدورة الساروس.
الكلمة تعني بالسومرية قاموسياً: كل، عالم، أفق، كرة، كرة الطين، كثير، عدد لا يحصى. أما في الأكدية فتعني: «ملك، سنة، شهر».
هذه هي الفكرة النظرية العامة التي ندعو لها والتي نسميها نظرية (سار) والتي تحتاج إلى جهد بحثي كبير يشرح تفاصيلها بدقة في نشوئها وانتشارها في جهات العالم.
نرى أن شعب (حلف) هو الشعب السامي المبكر (Proto- Semetic) الذي يمكن أن نسميه شعب (سار) الذي ظهرت منه تباعاً أربعة شعوب سامية (ساريّة) غمرت شمال وادي الرافدين أولاً ثم جنوبه وكذلك بلاد سوريا أولاً، ثم بلاد الشام كلها، وهذه الشعوب الأربعة هي (سومارتو، سوبارتو، سونارتو، سوآرتو) التي ستسمى مناطق وثقافات باسمها.
نحن بحاجة لصياغة نظرية أكبر من فرضية كورغان لأن شعوب العالم كلها نالها الانقلاب الذكوري والتحول الكالكوليتي وأعيد تشكيلها وفق أحداث الكالكوليت بعد ظهور ثقافة حلف بشكل خاص.
ونرى أن نواة هذه النظرية يمكن أن تكون كما يلي:
1. ظهرت بدايات عصر الكالكوليت في ثقافة حلف التي كان مركزها في (تل حلف) على نهر الخابور قرب رأس العين شمال وادي الرافدين (وهو يقع اليوم على الحدود السورية- التركية)، أما حدودها فقد انتشرت على شكل قوس كبير من نهر الفرات إلى الزاب الكبير، وشملت جنوب الأناضول وجبال طوروس شمالاً واتضحت بقوة في الأربجية (العربجية) قرب الموصل ولم تصل إلى إيران بسبب جبال زاجروس ووصلت إلى جنوب العراق. حصل هذا في حدود 5000 ق.م
2. في حدود 4500 ق.م انتشرت حضارة حلف وهي حضارة (سار) كما نسميها إلى أربعة اتجاهات هي:
أولاً، الجنوب: حيث تشكلت الشعوب السامية (السارية) الأولى وهي شعوب (سومارتو، سوبارتو، سونارتو، سوآرتو) والتي شكلت الحلقات المتبقية من عصر الكالكوليت، حيث سيهبط شعب سونارتو إلى أريدو، ويكوّن ثقافة أريدو وهو شعب (شنعار) ويهبط شعب سومارتو ليكوّن الآموريين، وينضم لهم السومريون في سامراء، ويتجهون إلى جنوب العراق. وسينقسم شعب سوبارتو إلى قسمين هما سوبارتو الشمالية التي ستندمج فيها عناصر سارية (سامية) مع عناصر أخرى منهم الحوريون وحمازي والجوتو واللولو، إلخ.. وسوبارتو الجنوبية التي ستحافظ على هويتها السامية وستؤسس سلالات سبّار وكيش وأخيراً أكد.
أما السوآرتو فسيكونون نواة الشعب الآشوري الذي سيحافظ على هويته السامية ويسكن شمال الرافدين وسوريا الشمالية.
ثانياً، الشرق: تنتشر ثقافة الكالكوليت (سار) شرقاً وتحفز ظهور ثقافات إيران النحاسية لتصل إلى وسط وغرب آسيا، حيث تتشكل شعوب الترك النحاسية التي سيظهر منها شعوب (آذر، كازاخ، تتار، قرقيز، تركمان، أتراك، أويغوز، الأزبك) ومعها مجمعات الهون والبلغار والكومان (القبجاق) وهي شعوب مقطعية اللغة تقارب لغتهم اللغة السومرية في شكلها المقطعيّ لا الأبجديّ . وستتحفز شعوب الترك لتتكون ثقافتها النحاسية.
ثالثاً، الشمال: تنتشر ثقافة الكالكوليت عن طريق آسيا الصغرى، مروراً إلى الغرب قليلاً بالموقع الفريد لـ«جتال حيوك» نحو شرق أوروبا، ثم في مناطق جنوب روسيا والقوقاز، وتحدثُ تحوّلاً في العبادات نحو الانقلاب الذكوري وتتشكل الشعوب النحاسية القوقازية التي سيظهر منها الأرمن والأبخاز والشركس والشيشان والأغول والوراغوه والأنغوش شمال القوقاز، أما جنوبه فيتشكل الجورجيون والمنغرليون والسفانيون والآزيون.
واللغات القوقازية، هي الأخرى، مثل التركية مقطعية، وهناك من يرجّح أن أصل السومريين منهم بناءً على هذه الحقيقة لأن اللغة السومرية مقطعية.
رابعاً، الغرب: والمقصود به الشمال الغربي على وجه التحديد، حيث تنشأ ثقافة كورغان جنوب روسيا وتتأثر برياح الثقافة الكالكوليتية التي هبّت من حلف والسار لتبدأ أول مراحل ثقافة كورغان التي جعلت الشعب النحاسي الهندوأوربي يظهر، والتي يمكن تتبع تاريخها مع فرضية كورغان التي وضعتها ماريا جمبوتاس.

ثقافة كورغان
Kurgan Culture
4500-2500 ق.م.
ما إن نذكر ثقافة كورغان حتى نتذكر الجهد الكبير الذي قامت به ماريا جمبوتاس Marija Gimbutas الباحثة اللتوانية- الأميركية التي وضعت فرضيتها الشهيرة حول أصل الشعوب واللغة الهندوأوربية المبكرة (Proto- Indo- Eurepean- PIE) والتي سميت فرضية كورغان (Kurgan Hypothesis).
كورغان كلمة روسية من أصل تركي تعني (كومة تراب)، وتشير إلى التراب الذي يوضع فوق القبور ويكوّن ما يشبه تل الدفن المصنوع من الخشب، وتشير كلمة كورغان إلى ثقافة جنوب شرق أوروبا التي اشتهرت بهذا النوع من القبور.
بداية ثقافة كورغان كانت في العصر الحجري الحديث في أوروبا واستمرت إلى العصر الحجري النحاسي (كالكوليت)، ثم إلى عصري البرونز والحديد، وقد ظهرت كورغان أولاً في السهوب الروسية مع ثقافات حوض الفولغا (سامارا وسيروجلارنوفو) في حدود 4500 ق.م وعند السهوب الشمالية للبحر الأسود حيث كانت هذه النواة هي أول نواة لشعب الكورغان الذي ترى ماريا جمبوتاس أنه الشعب الذي تكلم اللغة الهندوأوربية المبكرة، وتقول ماريا إن العصر النحاسي من ثقافة كورغان هو أساس الشعوب الهندوأوربية.
نظرية ماريا جمبوتاس (1921- 1994) تتضمن شرح المراحل الأربع لثقافة كورغان والهجرات الثلاث للشعوب الهندوأوروبية المبكر ونهاية عبادة الآلهة الأم في أوروبا وعصرها الأمومي (الماترياركي) وبداية العصر الأبوي (الباترياركي) على يد الهندوأوروبيين الذين اجتاحوا أوروبا وشمال آسيا، وللنظرية شرح ميسر في كتابنا عن حضارات ما قبل التاريخ.
ترى ماريا جمبوتاس أن المجتمعات الأوروبية المبكرة لم يسيطر عليها الرجال الذكور ولم تكن بدائية، بل إن هذا النظام الأبوي (البترياركي) نشأ كنتيجة لـ«صدام ثقافات» تسبب في انتشار الأنماط الذكورية. وطبقاً لنظرية كورغان فإن التسلسل التدريجي من الرعاة الرحل شمال البحر الأسود عطّلوا المجتمعات الأمومية الناضجة لمجتمعات أوروبا الجنوبية الشرقية، ففي منتصف الألف الخامس إلى منتصف الألف الثالث قبل الميلاد حصلت تغييرات جذرية في جميع أنحاء أوروبا من حيث اللغة والبنية الاجتماعية والأديولوجية. (Online: belili.org) (Marler 2006).
وبالعودة إلى خريطة جينات السلالات البشرية نجد أن هناك ما يؤيد نظريتنا هذه وكما يلي:
1. السلالة السامية: هي (J) التي تتكون من ثلاث سلالات فرعية هي (J. J1. J2) وقد ظهرت هذه السلالة قبل 30000 سنة من الآن وهذا لا يعني ظهور ثقافتها بل زمن نشوئها البايولوجي الذي يشير إلى الباليوليت الأعلى في الشرق الأوسط والأدنى عموماً، ويشير تاريخها إلى وادي الرافدين كمكان مرجح للنشأة ثم الانتشار .
السلالة (J2) الأناضولية ظهرت في بلاد الأناضول أي العلوي من الهلال الخصيب وهو يشمل بلاد وادي الرافدين العليا ومن هذه السلالة ظهرت شعوب أوروبا الإغريقية والرومانية على وجه التحديد وذلك في حدود 15000 سنة من الآن، أي في الميزوليت قبيل اكتشاف الزراعة.
السلالة (J1) الرافدينية ظهرت في بلاد الرافدين وسوريا قبل 10000 سنة من الآن وزامنت اكتشاف الزراعة هناك، وقد هاجرت على دفعات إلى كلّ من أوروبا وأثيوبيا واليمن.
ونعتقد أن هذه السلالة هي التي أنتجت لاحقاً ثقافة الكالكوليت التي انتشرت من حلف (في بلاد الرافدين وسوريا) إلى الجهات الأربع التي تحدثنا عنها، وأحدثت ظهور الثقافات الجديدة لشعوب الترك والقوقاز وأوروبا وهي ثقافات كالكوليتية (حجرية نحاسية).
2. الترك: كان أغلبهم من السلالة D في أواسط آسيا ومنغوليا وربما كانت نشأة هذه السلالة قبل حوالي 20000 سنة من الآن.
3. القوقازية: أغلب القوقاز من سلالة G التي نشأت قبل 40000 سنة من الآن مع سلالة أخرى هي R التي نشأت منذ 18500 من الآن.
4. الهندوأوروبية (الآرية): الفرع الأوروبي منها من سلالة I الذي نشأ في حدود 6500 سنة من الآن.
وتوضح لنا هذه الحقائق توازي الحقلين السلالي والثقافي للجماعات البشرية في عصور ما قبل التاريخ.

آثار الهجرات
نرى أن عصور ما قبل التاريخ ظهرت فيها ثلاثة مجتمعات كبرى نوعية:
1. البدو: وهو مجتمع الصيادين وجامعي الثمار، وهم مجتمعات راحلة متنقلة بين الكهوف والغابات والمغاور والصحارى، وقد سادت مجتمعات البدو في عصور الباليوليت والميزوليت.
2.الفلاحون: وهم مجتمعات الإنسان التي ظهرت منذ عصور النيوليث بعد اكتشاف الزراعة وهي مجتمعات مستقرة نسبيّاً. ويمكننا أن نطلق على مجتمعات الفلاحين الزراعية مصطلح كوميونتي (community).
3. الحضر: وهم سكان المدن التي بدأ ظهورها منذ عصر الكالكوليت والتي مارس أهلها الحرف والمهن المختلفة، وكانوا أكثر استقراراً من الفلاحين والبدو، ويطلق على مجتمع المدينة المتحضر اسم سوسايتي (Society).
في عصر الكالكوليت اكتشف الإنسان المعادن، وخصوصاً النحاس، واستعاد الرجل سيطرته ونشأ المجتمع الباترياركي (الأبوي) وظهرت المدن وسادت عبادة السماء والهواء والشمس بدلاً من عبادة الأرض وتكونت المجتمعات المدينية (سوسايتي) وابتكرت الأدوات المعدنية والعجلة. وفي النهاية اخترعت الكتابة وانتهت عصور ما قبل التاريخ.
اكتشف الرجل دوره في الإنجاب واكتشف المعادن، وأنشأ المعابد والمدن والحرف المدينية وأوكل قوى الطبيعة إلى السماء المذكَّرة بدلاً من الأرض المؤنثة ونشأت عبادات السماء الشمسية والهوائية بقوة واط وتحول الكهنة ورجال الدين الكبار إلى ملوك وأمراء يقودون المدن من خلال معابدها حيث تركزت السلطة الدينية والزمنية في المعبد ثم في البلاط.
وهذه المعطيات الجديدة حملتها الشعوب والهجرات السامية والآرية بشكل خاص، وأحدثت تغييرات نوعية في الأماكن الجديدة التي حلت فيها، فقد نافس الساميون (الساريون) السومريين ثم حلّوا محلهم في قيادة حضارات الشرق الأدنى، وتحفّزت حضارة مصر وظهرت سلالتها الأولى. وحين وصل الآريون للهند أطاحوا الحضارة السندية، وظهرت الحضارة الهندوسية محلها. وتبدل شكل ما يعرف اليوم ببلاد إيران وصار الآريون هم سادة البلاد. وكان لانتشار الآريين في أوروبا وقعه المدوي، حيث تغيرت الهوية الأثنوغرافية لأوروبا كليّاً، وأصبح سكانها الجدد قادة التحولات الجديدة في بحر إيجة بشكل خاص.

اقرأ أيضا

الشارقة أول ضيف شرف عربي على «جوادالاهارا للكتاب»