الاتحاد

دنيا

مبدعون وغاضبون!

سألني صديق، بلهجة توحي بالاستنكار أكثر مما تطرح من استفهام: كيف تسترشد بآراء من لا تحب، وتقتبس من أقوال من تكره؟.. كيف يتفق رفضك لشخص ما مع إيمانك بما يطرح من أفكار بالقدر الذي يجعلك تستعين بها في كتاباتك؟.
كان محدثي يعلق على فقرة، حول قيمة الحب وأهميته في حياتنا، اقتبستها، مع الإشارة إلى المصدر، من أحد مؤلفات كاتبة اشتهرت بتبنيها لآراء لا تلقى قبولا من الكثيرين، وبطريقتها الاستفزازية الحادة في طرح وجهات نظرها.
قلت لمحدثي، وقد أثار في نفسي بسؤاله إحساسا بالضيق والمرارة: لنبدأ بصاحبة الاقتباس، أعترف بأنني اختلف معها في معظم آرائها وأفكارها، ولكني لا أكرهها، تماما كما أنني لا احبها بالمعنى الشخصي، فعلاقتي بها علاقة قارئ لكاتبة، متابع لفكرة، ولا أتعامل مع نتاجها الأدبي والفكري بمنطق الأحكام المطلقة، أي بمنطق ماكان بعضه سيئاً فكله كذلك.
ونترك الخاص إلى العام، لنجد أن تساؤلك يعكس الكثير من الخلط في ثقافة الاختلاف، وهو يجسد حالة ليست نادرة، حالة إقحام المشاعر في خلافات الرأي، بمعنى أن نحب من نتفق معه وتتوافق أفكارنا وقناعاتنا مع أفكاره وقناعاته، ونكره من نختلف معه.
بهـذا المنطق المغلوط قاطع البعض أديب نوبل الراحل نجيب محفوظ بعد صدور روايته الكرنك لما اعتبروه تجنيا على النظام السياسي في مصر خلال الحقبة الناصرية، فيما حاولت طيور الظلام اغتياله بسبب قراءة خاطئة لمعاني ودلالات روايته «أولاد حارتنا»، وهو نفس المنطق الذي يضع الكاتبة أمينة السعيد في صفوف الأعداء، بالنسبة لكثيرين، بسبب آرائها الصادمة حول كثير من القضايا الاجتماعية، والأمر ذاته ينطبق على العديد من أدبائنا وعلمائنا ومفكرينا ومبدعينا، ينطبق على أدونيس وأنيس منصور ومحمد حسنين هيكل، على الشيخ الشعراوي والدكتور عبدالصبور شاهين، وغيرهم.
قلت لصاحب السؤال: لن أكرر لك مقولة سارتر «قد أختلف معك في الرأي لكني على استعداد للتضحية بحياتي لكي تتمكن من التعبير عن رأيك» فهي مثالية أكثر مما يجب، ولكني بصدق أحلم بأن يسود التسامح والتفهم واحترام حرية الآخر في التعبير عن رأيه، ثقافة الاختلاف في الرأي.


صلاح الحفناوي

اقرأ أيضا