الاتحاد

تقارير

«أون»... تكريس الشرعية لوريث «كيم»

تشيكو هارلان
طوكيو

حسب الدعاية التي نشرتها إحدى المجلات الصينية، تعلم القائد الجديد في كوريا الشمالية، "كيم يونج أون"، قيادة السيارة وهو في الثالثة من عمرة، وما أن بلغ الثامنة حتى كان يقود السيارة بسرعة كبيرة بين الطرقات ويتحكم فيها دون مشاكل، وعندما أصبح يافعاً أتقن القائد أربع لغات أجنبية وهو يعكف حالياً على تعلم ثلاث لغات إضافية.
والأمر لا يقتصر على هذه الإنجازات فأغلب ما تضمنته السيرة الذاتية المعروفة لحد الآن من نقاط تنظر إليها أغلب الدول بسخرية، إلا في كوريا الشمالية، ترتكز على مهاراته الفائقة في التعلم السريع وفي مؤهلاته الفريدة كشاعر ورام بارع، واقتصادي محنك وخبير لا يشق له غبار في الاستراتيجية العسكرية.
والحقيقة أن هذا المسعى لنسج هالة من التمجيد حول القائد الشاب وإحاطته بالأساطير مهم في أحد أكثر البلدان سرية واستغلاقاً على فهم الغربيين، كما أنها مهمة أيضاً لـ" أون"، الذي يتعين عليه إبراز تلك المؤهلات وفرض سلطته وإثبات قدرته على القيادة، في حين لم يمر أسبوعان على وراثته السلطة، ومن أجل ذلك، تحولت حياته إلى سلسلة من الخطوات المحسوبة والموجهة كلها لإثبات مصداقية ما يروج حوله، وإشباع فضول الكوريين الشماليين الذين يراقبون بتمعن كل خطوة يأتيها، فهو مثلًا يلبس سُترة بجيبين في الصدر مثل أبيه، ويتفقد ذات المواقع العسكرية التي كان والده يزورها باستمرار، كما أن عيد ميلاده الذي يوافق يوم الأحد المقبل سيكون محط اهتمام واسع بين مواطنيه، ومن أن المراقبين ليسوا متأكدين على وجه الدقة ما إذا كان عيد الميلاد المقبل هو لبلوغه 28 أو 29 عاماً أو حتى 30 عاماً، إلا أن الاحتفال سيكشف بعض المفاتيح الأساسية في فهم الطريقة، التي ستمر بها عملية تسلم السلطة والأسلوب الذي ستوازي فيه كوريا الشمالية بين الاحتفال بعيد ميلاد القائد الجديد وفي الوقت نفسه التعبير عن الحزن على القائد الراحل الذي وافته المنية في 17 ديسمبر الماضي.
وقد درجت كوريا الشمالية على الاحتفال بعيد ميلاد القائد كيم يونج إيل ووالده قبله كيم يونج سونج باعتبارهما أعياداً وطنية تستحق التوقف عندها وتذكير الشعب بإنجازات الزعماء الخالدين، ومن غير المعروف ما إذا كان عيد ميلاد الزعيم الشاب سينضم هو الآخر إلى الأيام المهمة والمستحقة للاحتفال في الرزنامة الكورية.
ويمثل عيد الميلاد المقبل المحطة الأولى في مسيرة "كيم يونج أون" القصيرة في الحكم التي لم تتعدَ الثلاثة أسابيع، فقبل أسبوعين فقط كان "أون" في الخلفية مجرد متدرب يحمل ألقاباً كبيرة ولديه، أب بالغ القوة والنفوذ. لكن بعد سلسلة من الترقيات السريعة والمتتالية أصبح اليوم مكلفاً بالترسانة النووية للبلاد وقائداً لجيش كبير، وعليه أيضاً في منصبه الجديد الموازنة بين المصالح المتناقضة أحياناً للطبقة المحيطة به وبين الحفاظ على سلامة البلاد والسير بها دون مشاكل.
ومع أن انفتاحاً اقتصادياً كذلك الذي تطالب به الصين قد يخفف من عبء المصاعب التي يعاني منها الاقتصاد الكوري، إلا أنه في الوقت نفسه قد يؤدي إلى مطالب شعبية بالديمقراطية بدل الحكم الوراثي.
وفيما يقر المسؤولون الأميركيون عدم معرفتهم بالزعيم الجديد ولا بالدائرة الضيقة المحيطة به التي تضم العائلة وكبار الضباط الذين يمسكون بالسلطة، ظهرت بعض المؤشرات على الطريقة التي ستدار بها البلد خلال المرحلة المقبلة في ظل الإحالات المتكررة من قبل المسؤولين الكوريين الشماليين إلى الإرشادات التي خلفها "كيم" قبل وفاته.
ورغم جهل المراقبين بهذه الإرشادات العامة، وما إذا كانت مكتوبة، أو مسجلة، بل حتى حقيقية، أو مختلقة، فإنه وخلال أحاديث المسؤولين الكوريين الشماليين عن سياسة بلادهم في المرحلة المقبلة تمت الإشارة ست مرات إلى تلك الإرشادات، والتركيز على أنه سيتم اتباعها بحذافيرها دون السماح بـ"أدنى انحراف"، وهو ما ينسجم مع عملية نقل السلطة في عام 1994 عندما توفي "كيون يونج سونج" وخلفه نجله "كيم يونج إيل"، حيث تمت الإشارة أيضاً إلى الإرشادات الخالدة التي ستُعتمد "لمئات، بل لآلاف السنين".
وكما يقول الإعلام في كوريا الشمالية يعتبر "كيم يونج أون" الوريث الوحيد للرؤية التي سطرها والده، وهي الرواية الرسمية التي تسعى إلى تكريس شرعية الزعيم الجديد داخل البلاد، لكنها أيضاً تضع قيودا على قدرة الزعيم الشاب في تغيير السياسات التي سارت عليها البلاد لعشرين سنة ماضية باعتبارها فترة تميزت بإغداق المال على الجيش وتجريب أسلحة نووية وانتهاج العدوانية تجاه الدول المجاورة، بالإضافة إلى المشاكل المرتبطة بنقص مزمن في الغذاء ومعاقبة الحكومة للمعارضين بإرسالهم إلى معسكرات العمل الشاق.
وعما يحمله المستقبل بالنسبة لكوريا الشمالية يقول، "جوزيف بيرموديز"، الخبير في شؤون كوريا الشمالية: "لا أحد يعرف ما إذا كان كيم يونج أون يمتلك السلطة الحقيقية، وما إذا كان يتوافر إجماع حوله، كل ما نعرفه أنه إذا نجح في تمرير أجندته حينها سنتأكد من إمساكه الفعلي بالسلطة".
ولحد الآن لم يبدِ "أون" ما يوحي بأنه عازم على الافتراق عن أجندة والده، ففي الأسبوع الماضي، حرص الزعيم الجديد على زيارة مقر فرقة المدرعات في الجيش الكوري المفضلة لدى والده. والتي دأب على زيارتها من قبل للدور الذي لعبته في اجتياح سيؤول في الحرب الكورية، وخلال الزيارة ظهر "أون" مع أعضاء الفرقة والتقط صوراً تذكارية معهم كما تفقد بعض مرافقها، وعندما سأله الصحفيون عن وضع المكتبة الإلكترونية، رد الزعيم بأن والده كان سيكون سعيداً لو ألقى نظرة عليها.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا