الاتحاد

الملحق الثقافي

سيرة الفيلسوف وذاكرته الحياتية والفكرية

هو عنوان واحد من أبرز كتب المفكر والفيلسوف الفرنسي بول ريكور (فيلسوف الإرادة كما يلقب)، وهو كتاب يسرد فيه المؤلف سيرته الفكرية، حيث يركز على تطورات بحثه الفلسفي وكل ما يتصل بعمله الفلسفي، دون أن يغفل عن مطبات هذا النوع من الكتابة الذاتية التي تعبر عن حكاية لوقائع حياته، بانتقائية محكومة بجوانب من النظر والاعتبار، معتبرا أن ''الترجمة الذاتية'' هذه هي عمل أدبي، وأنها ترتكز على المسافة -النافعة حينا والضارة حينا- بين وجهة النظر الاسترجاعية لفعل الكتابة أو لتثبيت المعيش وبين مجريات الحياة اليومية، حيث أن هذه المسافة هي ما يميز الترجمة الذاتية عن اليوميات، فالترجمة الذاتية بحسب ريكور، ترتكز على الهوية، أي على غياب المسافة الفاصلة بين شخصية السرد الرئيسية التي هي الذات صاحبة الترجمة وبين الراوي الذي يتحدث بضمير الأنا ويكتب بصيغة المتكلم·
يضم الكتاب فصلين رئيسيين، الأول هو ''السيرة الذاتية الفكرية''، وهو عبارة عن نص أنجز كمقدمة لسلسلة من الأبحاث الوصفية والنقدية المتعلقة بفلسفة بول ريكور، والثاني هو ''من الميتافيزيقا إلى الأخلاق'' الذي انصب فيه التأمل على مقولات تنتمي إلى أرفع نظام مثل (الذات، الآخر، القوة، والفعل) التي تجسد خطاب الذات وكأنها الآخر، وهي دراسة تشق الطريق لأعمال أخرى مخصصة للعلاقة بين الميتافيزيقا والأخلاق، وتحملنا على ألا نخلط عبارة ''بعد طول تأمل'' الظاهرة في البحثين، على اختلاف أسلوبهما، بعبارة ''في النهاية''، ذلك لأن التأمل مهما يتضاعف لا يبلغ نهايته وتمامه في أية محصلة·
مدارس وخصومات
ريكور الذي رحل عن عالمنا منذ سنوات فقط، يبدأ الفصل الأول ''السيرة الذاتية الفكرية'' بالتوقف عند مرحلته الدراسية الأولى في قسم الفلسفة حين كان في السابعة عشرة من عمره، في العام الدراسي 1929-،1930 حيث يذكر أنه في هذه المرحلة بدأ يواجه مذاهب الإغريق واللاتين ومونتسكيو وباسكال وفلاسفة القرن الثامن عشر على مستوى المبادئ والأصول والخصومات، إذ أن أستاذه رولان دالبييز كان ذا تكوين توماوي (توما الإكويني) وأقرب في حجاجه إلى مدرسي القرن الرابع عشر منه إلى الإكويني نفسه، وكان لهذا الأستاذ أثر توجيه ريكور إلى أحضان الفلاسفة الفرنسيين الذين ورثوا مؤسسي الفكر الحديث، وكذلك بالانشغال في إقحام بعد اللاوعي ووجهة نظر التحليل النفسي ضمن نمط من التفكير ظل موسوما بتراث الفلسفة التأملية الفرنسية، وهو ما ظهر في كتب ريكور الأولى خصوصا كتابه الشهير ''الإرادي واللاإرادي'' (1950)، وهو الذي أطلق عليه اسم ''الأطروحة الكبرى'' التي سمحت له بالقيام بالتحليل الماهوي لعمليات الوعي والتمدد بها إلى مجال العاطفة والإرادة بعد أن ظل منحصرا مع هوسرل في نطاق الإدراك الحسي وفي مجال الأفعال ''التمثلية''· وليست هذه سوى بعض المدارس والاتجاهات التي يحتفظ بها ريكور بوصفها البدايات التي قادته إلى الفلسفة، فهناك في هذا الفصل من كتابه ذاكرة تحتشد بمئات الأسماء والتجارب التي شكلت وعيه وتجربته الفلسفية والفكرية، وذلك منذ بدايات التحاقه بجماعة ''الجمعة'' الفرنسية حيث طروحات جبرائيل مارسيل حول فلسفة الوجود وكارل ياسبرز، والفينومينولوجية لدى هوسرل، وطروحات ماكس شيلر حول ''الأخلاق غير الصورية للقيم''، والوعي الديني للفيلسوف جان هرينغ·
وإلى جانب المحور الفلسفي- الفكري لا ينسى ريكور أن يتوقف عند الجانب الإنساني في حياته التي تحتشد بالمآسي الخاصة والعامة، فيلتفت إلى موت والدته بعد ولادته مباشرة، وموت والده مقتولا عام 1915 في الحرب العالمية الأولى، ثم إن جديه اللذين ربياه ماتا في منتصف الثلاثينات من القرن الماضي، وماتت أخته بمرض السل، الأمر الذي يجعله يصف هذه المرحلة بالقول ''لقد وسمت هذه النوازل نجاحي الاجتماعي وسعادتي العائلية بميسم ذاكرة الأموات''· وعلى هذا النحو فهو يمزج هنا بين الفلسفي والحياتي في فصل مشغول بلغة أدبية رفيعة المستوى، وبمشاعر دافئة وحميمة، وتفكير صافٍ وواضح تماما·
الميتافيزيقا والأخلاق
القضية الثانية التي يتناولها ريكور في الفصل الثاني من كتابه هي بعنوان ''من الميتافيزيقا إلى الأخلاق''، حيث يتوصل في نهايتها إلى التعرف على وسائط ثلاث تربط بين المفهومين، وهي: التقدير الموجه إلى الإنسان القادر، والموعد الموفى به، والاقتناع الداخلي الذي لا ينفك من جهته الغيرية -أي الإنصاف· هذه الوسائط التي توصل بها ريكور تأتي بعد بحث مطول ومعمق حول استعمال مصطلح ''الميتافيزيقا''، والعصر الميتافيزيقي الذي استبدل الكيانات المجردة بالآلهة الفائقة للطبيعة التي ميزت العصر اللاهوتي، معتبرا أن سنة 1930 كانت بالفعل الفترة التي شهدت تحرر السيكولوجيا والسوسيولوجيا من الوصاية التصورية والمؤسساتية للفلسفة، ووضع الظواهر الإنسانية كالفكر والوعي والروح والحرية في خط العلوم الطبيعية، وبالتالي فإن القول بـ''عدم قابلية هذه الكيانات للرد إلى المعرفة الوضعية'' هو ما شكل لدى الفلاسفة الشباب آنذاك الاقتضاء الأكبر لفلسفة أخلاقية جديرة بهذا النعت·
ومن هذه الفكرة التي بدأها من تجربة مجلة الميتافيزيقا والأخلاق ينتقل ريكور إلى ما يدعوه ''أنطولوجية الدرجة الثانية'' الصادرة عن سؤال متعلق بمعرفة كيف يمكن للوجود واللاوجود وسائر الأجناس الكبرى أن تحضر في معانٍ متمايزة، بكيفية تجعل الحمل المتمايز فيه معقولا؟ ويتدرج البحث تحت راية مفهوم ''الوجود من حيث هو فعل'' الذي يمزج استراتيجيتي التدرج الرتبي والتفاضل للمبادئ، ثم لجدلية الذات والآخر اللازمة على نحو ظاهر في الانتقال من الميتافيزيقا إلى الأخلاق·

اقرأ أيضا