الاتحاد

دنيا

نبيل شاكر: لا أرى مسافة بين التصميم ورسم العمارة.. وأعمالي تحمل فلسفة خداع البصر!

أثرت الظروف القاسية التي يعاني منها بلده ما بين معارك ومصائب وويلات واغتيالات وكساد اقتصادي على مسيرته الفنية. فعلى الرغم من مشاركات نبيل شاكر في معارض أقامتها الجمعيات التشكيلية في بلده العراق، وله أعمال مقتناة في العديد من الدول العربية والأجنبية كسوريا والأردن وأستراليا وبريطانيا ونيوزلندا. إلا أنه اضطر للتوقف عن العمل الفني لسنين كان لها أثر مؤلم على تجربته الفنية. لكن هذا كله لم يكن يعني أن يلغي أحلامه وطموحاته، بل ظل في سعي حثيث متواصل لبلوغها.

يقاس عمر الإنسان وفق خبرته وتجربته التي مر بها وليس عمره الحقيقي، لهذا يرى الفنان العراقي نبيل شاكر أن ليست كل أعماله التي وصلت للناس تعبر عن طموحه أو هي حصيلة كل تجربته، وإنما هناك تخطيطات وأفكار كثيرة وضعها قيد التنفيذ ولم يستطع تنفيذها بسبب الظروف القاسية التي مر ولا يزال يمر بها هو ووطنه.

الفن الشامل
عن تجربته في مجال التصميم الفني يقول شاكر: «يعد التصميم الأقرب إلى نفسي ليس لكونه اختصاصيا فقط بل هو الفن الشامل، فكل ما يقوم به الإنسان من عمل هو بحد ذاته تصميم، فالتصميم هو العمل الخلاق الذي يؤدي غرضه في الوصول الى الهدف عندما يضاف له شيء من الابتكار الذي لا يأتي من الفراغ، خصوصا ونحن نعيش عصر التكنولوجيا والآلة المتقدمة التي أدت في رأيي إلى عزلة الفنان المعاصر بعد أن سيطرت الدهشة والتعجب لدى المتلقي الذي لايثيره شيء. وهنا يأتي دور المصمم الذي يصنع الإبداع والوعي ليعبر عن ذاته ومشاعره وينهي عزلة الفنان في مجتمعه».
ويضيف: «لا أرى مسافة بين التصميم ورسم العمارة الهندسية كمصمم يبدو لي أن هناك تكافؤا بينهما، لأني اتبع نظاما دقيقا في العمل الفني يقودني إلى البحث عن البعد الثالث المتمثل بالعمق والمنظور وأتواصل أحيانا مع البعد الرابع في العمل الفني، وخصوصا البصريات التي لا يحددها الزمان والمكان، فأعمالي تتخذ فلسفة معينة استلهمتها من خلال بحثي المتواصل في الفن والعمارة عبر كثرة التكرار والتناظر الذي يؤدي دوره في تناغم العمل وجعله تكوينا متكاملا يقود إلى التلاعب بشبكية العين لأخذ المتلقي إلى مسافات لا نهائية داخل اللوحة، وكأن الوحدات المرسومة في حركة مستمرة كالمكعبات أو الأشكال المجسمة».

سحر بلاد الشمس
فيما يخص طقوس الرسم لديه يقول «أركز على الضوء الذي أعشقه، فنحن في بلاد الشمس التي يحسدنا عليها أهل الاستشراق، حيث نتمتع برؤية الأشياء بألوانها الحقيقية النقية، فلا ضباب ولا شفافية. ولكن للأسف في بلادنا الحزينة لا يدركون ذلك، ولهذا نرى لوحاتهم داكنة وتميل إلى الألوان الحيادية. وهذا هو حال كافة الحركات التشكيلية التي تتأثر بالأحداث السياسية التي يمر بها كل بلد».
يضيف شاكر: «كل المدارس الفنية والأساليب التي ظهرت في الفن ساحة الفن التشكيلي أو الشعر والأدب العالمي، جاءت كنتيجة للأحداث والانقلابات السياسية والحروب التي اجتاحت العالم، كالحرب العالمية الأولى التي تبلورت عنها «الدادائية» ومدارس «الباوهاوس» وفن «البوب آرت» وعليه لا بد وأن الحركة التشكيلية العراقية قد تأثرت كثيرا بالأحداث السياسية التي مرت بها البلاد، بخاصة لدى الفنانين العراقين المغتربين الذين عكست أعمالهم الفنية باتجاهاتها التجريدية والواقعية ما حدث ويحدث في العراق».

لوحات بعمق التاريخ
يطيب لشاكر أن يستشهد بما ذكره الناقد إحسان السامرائي عن تجربته في مجال «تقليد رسم اللوحات»، إذ قال السامرائي: «لو قيّض لنبيل شاكر أن يلزم نفسه بتقليد رسم اللوحات لما استطاع فنان آخر مجاراته في الدقة والحرفية الشبيهة بالمطبعة، فقد جرّب في البدء تقليد إنتاج الفنانين (فائق حسن وحافظ الدروبي وشاكر حسن آل سعيد وكاظم حيدر) في اللون والحركة نقل فيها لوحاتهم بألوانها الخاصة، إلا أن هذا النهج لم يجد هوى في نفسه فشعر برغبة أصيلة للخروج من الدائرة المغلقة وإيجاد مفاتيح لأبوابه الفنية».
ويضيف فيما يخص النحت الزخرفي، فيقول: «حدد شاكر لنفسه مسارا فرض فيه فنه وخصوصيته فراح يتعامل مع الحجر والخشب تعامله مع الزيت والألوان المائية فيكشط النتوءات، اذ كان هاجسه الطفولي مرنا وهو يحفز بأصابعه النقوش النباتية والمنمنات الإسلامية ويجد في الحجارة والخشب غير ما يجده على الورقة مثل النقوش الزجاجية والحجرية النازلة من الأقواس. ويضيف لها الفواصل ويملي عليها رسوماته التي تأثر بحركاتها وهي مخبوءة في ذاكرته، وبهذا التحرر فرش في جوانب أعماله اللون الذي رآه متناغما مع الشكل، واذا بإطارات بريئة تمسّ الشكل والمعنى وتتحول الى لوحات فيها عمق التاريخ الإسلامي وعمارته الهندسية الرائعة».

اللحظات الصعبة
يتحدث شاكر عن حلمه فيقول: «على الفنان أن يكون إنسانا قبل أن يكون فنانا، كي يصل إلى غايته النبيلة فيكون مبدعا بأسلوبه ليسعد المتلقي العادي ويمتعه بأكبر قدر من السعادة والراحة عندما يقف أمام أعماله الفنية، ولذلك أتمنى أن تصل لوحاتي إلى العالمين العربي والغربي، بحيث يستطيع الكل قراءتها لتحرك ذاته الواعية، وكأنها كتبت بلغة يستطيع قراءتها الجميع». أما عن أصعب اللحظات لديه فيقول: «عندما تأتي الفكرة ولا أستطيع تنفيذها، وذلك لعدم توفر الظروف الملائمة، سواء كانت مكانية او اقتصادية. ففي تلك اللحظة تبقى الفكرة حبيسة الدماغ حتى تموت -كما يقول سقراط- فالمعرفة التي تبقى في الدماغ ولا تخرج لحيز الوجود تموت».

اقرأ أيضا