الاتحاد

ثقافة

حقلُ نِسْيانٍ مزروعٌ بالتذكُّرِ

ألم الهجرة قد يتحول إلى حلم إبداعي

ألم الهجرة قد يتحول إلى حلم إبداعي

الهجرةُ واقعةٌ قديمةٌ قِدَمَ العالَم، وهي قَدَرُ الأنبياءِ، وأبطالِ الأساطير، ومَنْ عاش مِن النّاسِ في زمنٍ عَضُوضٍ، ولا تفارِقُ فيها الصفةُ موصوفَها بإطلاقٍ؛ ذلك أنه ما إنْ يُهاجِرَ الإنسانُ حتى يظلّ دوماً ساكناً صفةَ الـ«مُهاجِر»، فلا تصير له صفةٌ ثانية بعد الهجرة، ولا يعود إلى صفتِه الأولى قبلها إلاّ بمُعجزة تُحيِي عظامَ أقْدَارِه.

أيُّ هجرةٍ، إنّما هي بالجَوهرِ انقلاعٌ من أرضٍ وضَياعٌ في أخرى ضياعاً ممزوجاً بحُلمٍ، صورتُه أنْ يَصِلَ المُهاجِرُ «إلى أرْضٍ تَفِيضُ لَبَناً وَعَسَلاً» (سفر الخروج 33: 3)، وكثيراً ما يتحقّق ذاك الحلمُ بدَعْمٍ ميتافيزيقي، وأحياناً يتحقّق بدعم ميثولوجيّ، ونادراً ما يتحقّق بدعم إنسانيٍّ بسببِ أنّنا، نحن البشرَ، «قد تعلمنا أن نطيرَ كالعصافير، وأن نسبحَ كالأسماك، ولكننا لم نتعلم بعدُ فنَّ العيشِ معاً كما يعيش الإخوة»، على حدِّ عبارةِ مارتن لوثر كينغ البليغةِ. غير أنّ تحقيقَ أحلام الهجرة يتطلّب أسباباً قد تضطرب في تأديتِها أبنيةُ الأفعالِ، وقد يتغافلُ عن توفيرها الواقعُ، وقد تعجِزُ عن حَمْلِها الكواهلُ.

مِحْنةُ الهِجْرة
للفعل «هاجَرَ» حكايةٌ في اللغة وحكايةٌ في الواقع، وهما حكايتان متعاضِدتانِ وتملآنِ فضاءَ استعماله محنةً واضطراباً وحيرةً. فمِنْ أمرِ حكايته في اللغة أنه وردَ على صيغة «فاعَلَ»، وهي صيغة يكتنفها اضطرابٌ في صنفِها الصَّرفيِّ؛ حيث ذهب النحّاةُ في تأويل ذلك مذهبيْـن: أمّا المذهب الأوّل فيقول فيه أصحابُه: إنّ صيغةَ «فاعَلَ» منقلبةٌ عن صيغةِ «فَعَلَ» بعد إشباع حركة الفاء إشباعاً يُفيدُ استمرارَ معنى الفعل في الفاعل، وعليه يكون الفعل «هاجَرَ» منقلِباً عن الفعل «هَجَرَ»، (وهو ما يعني هنا استمرارَ معنى الهجرة في المُهاجر)، ومن ثَمَّ تقترب صفة «المُهاجر» من مَحَلِّ الصِّفة المشبّهة من جِهة ديمومتِها في الموصوف.
وأمّا المذهب الثاني، فيرى فيه أهلُه: أنّ صيغةَ «فاعلَ» منقلبة عن صيغة «فعَّلَ» بمَدِّ حركة الفاء وفكِّ تضعيفِ الحرف الذي بعدها (غوتهلف برجشتراسر: التطوّر النحوي للغة العربية)، وبذلك تكون دلالةُ الفعل «هاجَرَ» واقعةً في أُفُقِ دلالةِ الفعل «هَجَّرَ»، وهو أُفُقٌ تختفي فيه قوّةُ الفاعلِ لتظهرَ مكانَها قوّةُ المفعول، بمعنى أن يصير المُهَاجِرُ مُهَجَّراً بقُوّةِ واقعٍ مّا، ولم ينسَ برجشتراسر تذكيرَنا بما قاله قبلَه كارل بروكلمان، من أنّ ظاهرةَ انقلاب صيغة فاعَلَ عن صيغة فَعَّلَ، إنّما هي حالةٌ صرفيّة خاصّة باللغتيـْن العربيّة والحبشيّة وقليلاً ما تحضر في اللغة العبرية (بروكلمان: فقه اللغات السامية)، فأيُّ ملاحظةٍ هذي التي زكّاها الواقعُ، ووفّر لها أسبابَ يقينِها في جغرافيتنا العربية التي تكثر فيها مواسِمُ الهجرة وتكتظّ بقواربَ مليئةٍ بأحفادِ مصطفى سعيد!

حكاية الفعل هاجر
ومتى تقصّينا حكايةَ الفعلِ «هاجر»، وهي تجري بمَشاهِدِها في الواقع، وأَرَدْنا معها الاستفادةَ من إيحاءاتِ قصّة «هاجر» زوجِ إبراهيم الخليل، لقلنا: تقعُ الهجرةُ دوماً في حيِّزِ الحَلِّ الاضطراريّ، عندما يبلُغُ اليأسُ من الإنسانِ أقصى مبلغٍ، فهي بالنسبة إليه فُرصتُه الأخيرةُ التي لا يملك معها إلاّ أن يتحمّل تَبِعاتِ عيشِها، وإنْ بالتَسَرِّي، وأنْ يصبر فيها على مشاقِّ رحلتِه الاضطراريّة عن أهله، حتّى يُحقِّقَ حلماً، كان قد استعصى عليه بلوغُه: وهو أنْ يكون له حقٌّ في الحياةِ، وأنْ يبقى له ذِكْرٌ في الدّنيا. وما الهجرةُ في مُنْتهى أحوالِها الراهنةِ إلاّ طاعونُ عصرِنا، ففي «كلّ ثانيتيـْن يُجْبَرُ شخصٌ على تركِ وطنه»، وَفْقَ ما جاء في تغريدة، نشرتها مؤخّراً اللجنة الدولية الخاصة بالمهاجرين (ICRC-ar)، بل هي هَرَبٌ لا يتحقّقُ الآن إلاّ عبر سبيلِ التَّهْريبِ، فالمهاجِرُ من حيث ما هو إنسانٌ مضطرٌّ إلى الهجرة، إنما هو شخصٌ واقعٌ في مَحَلِّ السِّلْعةِ الممنوعةِ، وكالسِّلعةِ الممنوعةِ يُهَرَّب دوماً مُعلَّباً، إمّا في صندوق مَخْفيّ أسفلَ مقطورة وإمّا في بطن قاربٍ: ويكون ذلك في الظلمة، وفي الخفاء. وهو يُهرَّبُ لأنه ممنوعٌ، وهو ممنوعٌ لأنّه ضيفٌ مُقْلِقٌ بالنسبة إلى الذين يُهاجر إليهم، وهو مُقْلِقٌ لأنه وافدٌ عليهم بلا دعوةٍ، وكلّ وافِدٍ بالنسبة إليهم قد يُسمِّم ثقافتَهم، وقد يُدوِّخ وَعْيَهم إلى الحدِّ الذي هو فيه عندهم ذاك الآدميُّ المجهولُ، الذي دُفِعَ به لِيَقعَ في حُلْمِ واقعهم الذي يجهله. ومن ثَمَّ ليسَ المُهاجِرُ إلاَّ مجهولاً يرغبُ في وِدِّ مجهولٍ يتجاهله. هذا ما تبدو عليه حالُ الهجرةِ إلى الغرب، أو على الأقل هذا ما تبدو عليه حال المُهاجِرِين إليه، أولئك الذين قال عنهم الروائي لوكليزيو، وهو من المثقَّفين الغربيّين القلائل الذين انتصروا لقضايا المهاجرين، إنّ «هجرتهم ليست رحلةً بحريةً اكتشافاً للجديد من المناظر، ولا هي رغبة في حياة مُتْرَفة في ضواحينا، سواء في باريس أو في كاليفورنيا، وإنما هي هروب أناس خائفين ومنهَكين، يتهددهم خطرُ الموتِ في بلدانهم. فهل يمكن لنا أن نتجاهلهم ونُشيح عنهم أنظارَنا؟ وهل نقبل أن نُعيدَهم إلى أوطانهم بوصفهم غير مرغوب فيهم، كما لو كان سوءُ حظِّهم جريمةً وفقرُهم مرضاً؟».

عابِرٌ بالعالَم
ولعلّ خوفَ الآخَرِ من المُهاجِرين -وهو خوفٌ يؤكِّده عنوانُ كتاب آلان باديو (باديو: شَرُّنُا يأتينا من بعيد)، وتحكيه أدبيّاً روايةُ «خُضوع» لميشال ويلبيك- هو ما سبّب تخوُّفَ المهاجرين من ذاك الآخرِ، وأجبرهم على أنْ يُنزِّلوا واقعَ هِجْرتهم في معنى قول المتنبّي: «وَمَا مَنزِلُ اللّذّاتِ عِندي بمَنْزِلٍ**إذا لم أُبَجَّلْ عِنْدَهُ وَأُكَرَّم»، فلا يُرى أغلبُهم إلاّ لائذين بثقافاتهم المَحَليّة مَعازِلَ (غيتوهات)، يعيشون فيها داخل مُدنِ فرنسا وبريطانيا وهولندا والنرويج وأميركا، بدلَ الاندماج في المجتمعات الجديدة.
وما يزيد من ألم هذا الشعور هو أنّ مثقَّفي هذا «الوطن الآخر» وساستَه يُصرّون على إظهار تعاطفِهم الإنسانيِّ الكبيرِ مع قضايا الهجرة، ولكنّهم في الآن نفسه يُضمِرون أُمنيتَهم في أنْ تكون -تلك الهجرةُ-صوبَ بلدانٍ أخرى غير بلدانهم هم أنفسهم. وقد تصدّى سلافوي جيجك لفضح هذا الموقف، من خلال كشفه حقيقةَ أنّ ألْسِنةَ شعوبِ أوروبا، تقول عن تدفّق اللاجئين المستمرّ إليها إنه: «تذكيرٌ لنا عابِرٌ بالعالَم المُتوحِّش الذي يُوجد خارج بيتنا الزُّجاجيّ: وهو عالَم لا نراه، نحن سكّانَ الدّاخل، إلاّ على شاشات التلفزيون وفي تقارير النّزاعات التي تدور في الأقاصي البعيدة، ولا نعيشه بوصفه جزءاً من واقعنا اليوميّ» (جيجك: الصراع الطبقي الجديد). وفي أُفُقِ امتزاج ذاك التَّجاهُل بالمجهوليّة، وامتزاج ذاك الخوف بالتخوُّفِ، تكون الهجرةُ كالموت: يزدادُ ألمُها كلّما زادَ وعيُ المُهاجِرِ بحَتْمِيتها، وبضبابيةِ مصيرِه فيها وحيداً.

وطنُ الإبداعِ
إذا كان الفعل «هاجر»، يسْتصحِبُ في أغلب استعمالاته حرفَ «إلى» (هاجر إلى بلاد كذا)، ونادراً ما يستدعي حرفَ «مِنْ» (هاجر مِنْ بلاد كذا)، وهو ما يمكن أن نقولَ معه إنّ ما يعني المُهاجرَ، ويعني الناسَ من حكايةِ هجرته، هو المكانُ الذي يهاجر إليه وليس المكان الذي هاجر منه، فإنّ في الهجرة جُرحاً لا يني يَنِزُّ بصُوَرِ الأهلِ، بصُوَر ماضٍ يتصيّر موضوعاً للحنين، ويظلّ يقرعُ باستمرارٍ مسامعَه بصدَى صوت المتنبّي، وهو يقول: «يَا مَنْ يَعِزّ عَلَيْنَا أنْ نُفَارِقَهُمْ**وِجدانُنا كُلَّ شيءٍ بَعدَكمْ عَدَمُ». ومن هذا المنظور لا نرى في المُهاجِرِ إلاّ كائناً يُهرِّبُ جسدَه إلى المستقبل ويَهْرب برُوحِه إلى ماضيه. وأمام هذا التمزُّقِ يكون مُضطرّاً إلى أن يخلُقَ له في وطن الهجرة ما ينقصه: يخلق له وطناً حُلُميّاً موازِياً يُوحِّدُ به جسدَه وروحَه، ويستدعي فيه هُويّتَه، ويُشرِّحُ فيه حالَه الجديدةَ، التي هو فيها لا يزيد على كونه جغرافياً آدميّةً غامضةً، تتصارع على احتلالها أوطانٌ ثلاثةٌ: وطنُ الأهلِ، ووطنُ الهجرة، ووطنُ الحُلْمِ، وهو تصارُعٌ لا يترك في جسده مكاناً يصلح لطعنةٍ جديدةٍ، بل هو من أشدِّ ما يُعذِّبُه في الهجرةِ، ويُصيِّرُها كالموت: حقلَ نسيانٍ مزروعاً بأبديّةِ التذكُّرِ.
إن المهاجِرَ -وهو واقع تحت سطوة التذكّر الأبديِّ - سيورِّثُ شعورَه بالعزلة لأبنائه المولودين بأمكنة الهجرة ضمن مرويّاته الشخصيّة لهم، فإذا بهؤلاء الأبناء يرزحون تحت عبءٍ حضاريٍّ لا دخلَ لهم فيه، هو عبءُ فقدان وطن لا يعرفونه، ولكنّه يظلّ يَخِزُ وعيَهم في كلّ لحظة وخزاً أليماً، على حدّ ما تشعر به بطلة رواية «الحيّ العربي» لأسامة علام، الروائي المصري المقيم بكندا، وتُعبّر عنه بقولها: «صَدِّقْني ليس هناك أصعب من أن تكون طفلاً بلا وطن. ولدت في مونتريال، ولم أعرف لطفولتي مدينةً أخرى، لكني دوماً كنت المختلفةَ ذاتَ الاسم الغريب بين أقراني، أحب وطناً بعيداً أدّعي أنه وطني، لا أعرف تحديداً مكانه على خريطة العالم. ملأتْ أمي رأسي بحكايات وطنِها البعيدِ. كنتُ أحفظ شوارعَ وألعابَ طفولتها كأنها أماكني وألعابي الخاصةُ. أعيش في بيتنا وكأنه يقع في حارة صغيرة من الوطن العربي، لكن في كل صباحٍ أكتشف وطناً آخر وهويةً أخرى».

فضاء كونيّ
ويبدو أنّ التخفيفَ من ألمِ وَخْزِ الهجرةِ والتحرُّرَ منه قد يتحقّقان، عبر سبيلِ تكثيفِ تأمُّلِ عُنفها ووعيِ مداراتها الثقافية والاجتماعية والسياسية، وتحويلِها إلى حُلْمٍ إبداعيٍّ يكون فيه المُهاجرُ كاتبَه وموضوعَه في الآن نفسه. وهو حُلمٌ يتمّ فيه اقتراح شكلٍ من الوُجودِ في العالَمِ جديدٍ، وتُقدَّمُ فيه ملامحُ فضيلةٍ مَدَنيّةٍ تُعزِّزُ الإنسانيَّ في الإنسانِ بعد أن غيّبه الواقعُ العالميُّ. ولا يَخْفى في هذا الإطار تفطّنُ الكثيرِ من المبدعين، الذين ذاقوا مرارةَ الهجرة إلى ضرورة تحويلِ هجرتهم إلى موضوع إبداعيّ: سينمائي أو كتابيّ أو تشكيلي أو موسيقيّ، على غرار ما فعل في مجال الرواية كلّ من النيجيري تشينوا أتشيبي في «الأشياء تتداعى»، والسّينغالية فاتو ديوم في «بطن الأطلسيّ»، والجزائرية ليلى صبّار في «شهرزاد»، والتوغولي سامي تشاك في «ساحة الاحتفالات»، والسودانيّ الطيّب صالح في «موسم الهجرة إلى الشمال»، وغير هؤلاء كثيرون. لأنه ليس أفضل للمُهاجر من الإبداعِ وطناً لا يُهجَّرُ منه أبداً، ولا يمكن أن يفتكّه منه الآخرون. بل إنّه متى أتقن المُهاجِرُ موضوعَ إبداعه، وأخلص فيه الغايةَ الفنيةَ والخِطَابيّةَ لتشريحه وتأليلِ وقائِعِه، صار ما يبدِعُه فضاءً كونيّاً يستقطب إليه الآخرَ صاحبَ بلد الهجرة، لا بل قد يجعله يُهاجر إليه بطواعيّةٍ، فينشأ من كلّ ذلك حوار حميمٌ بين الجغرافيات: فإذا هي فيه تتكاشف، وإذا بهُويّاتها تتآلف، وإذا بالأنا تردم الهوّةَ القائمةَ بينها وبين الآخر، وإذا بالشعوب تؤسِّسُ لها ذاكرةً ثقافيةً مختلطةً، هي ذاكرةٌ تنهضُ على دعامةِ أنْ نعيش معاً، وهذا هو جوهرُ حُلْمِ كلّ المهاجرين، وإذّاك سيشعر كلّ واحد منهم بأنه في وطنه حيثما هاجر.

اقرأ أيضا

"الهايكو".. الكون في جرعة شعرية مكثفة