الاتحاد

تقارير

الأميركيون... وتحديات 2012

ماري سانشيرز
محللة سياسية أميركية


سيتذكر الأميركيون 2011 باعتباره العام الذي استفاقوا فيه على الضرر الذي ألحقته الفوارق الشاسعة في الثروة والدخل بالمجتمع والاقتصاد الأميركيين، فلعقود طويلة استحوذ الأغنياء على الحصة الأكبر من خيرات هذا البلد. وها نحن اليوم نشاهد التداعيات أمام أعيننا، بحيث لجأ الأميركيون إلى القروض لتمويل احتياجاتهم ليس فقط تلك المرتبطة بأجهزة التلفزيون ذات الشاشات المسطحة، بل أيضاً التعليم والصحة. ومنذ اندلاع الأزمة عام 2008 وتضرر العائلات من نسب الديون المرتفعة لم تتحسن ظروفهم، لذا يكمن التحدي الأكبر لعام 2012 في قلب هذا التوجه من خلال اتخاذ ما يلزم من إجراءات ضرورية للحد من الهوة السحيقة في الدخل دون أن تكون هذه دعوة لحرب طبقية، بل فقط نداء إنذار إلى الطبقة الوسطى بأن عليها الدفاع عن مصالحها وإيصالها إلى الرأي العام.
وفي هذا السياق لا بد من الاعتراف بفضل الحركة الاحتجاجية التي شهدتها أميركا قبل شهور قليلة والمعروفة باسم "احتلوا وول ستريت"، التي ساهمت في تكريس فكرة 1 في المئة من الأميركيين المستفيدين من الثروة والنفوذ، فقد راكم الأغنياء في أميركا على مدى السنوات الماضية أموالاً إضافية بمعدل لا يخطر على بال أحد، فيما حظوظ الطبقات الوسطى والسفلى ظلت في الحضيض بعيداً عن أي ارتفاع في الدخل، أو تحسن في المستوى المعيشي لتصبح الفوارق بين الأغنياء والآخرين في أميركا الأكبر منذ الكساد العظيم في عشرينيات القرن الماضي.
وللتدليل على الفوارق الشاسعة في الدخل بين الأميركيين ما علينا سوى النظر إلى الإحصاءات والأرقام التي تكشف حجم الثروة لدى نواب الكونجرس، فحسب المعطيات المتوافرة يصل متوسط دخل النائب الأميركي في الكونجرس، سواء في مجلس الشيوخ أو النواب، إلى 513 ألف دولار في السنة، علماً أنه رقم لا يشمل باقي الممتلكات من العقار وغيرها التي لا بد أن قيمتها تفوق الدخل السنوي بكثير.
ولنقارن تلك الأرقام مع متوسط دخل الأسرة الأميركية التي لا تتعدى وفقاً للإحصاءات الرسمية 100 ألف دولار في السنة، ومع احتساب نسبة التضخم الحالية، فإن الدخل تراجع كثيراً في السنوات القليلة الماضية، فما الذي يمكن القيام به لتعزيز ثروة الأميركي العادي؟ الحقيقة أنه في خضم السنة الانتخابية الجارية يمكن البدء برفض المرشحين والسياسيين الذين لا يبدو أنهم يفهمون معاناة الرجل والمرأة الأميركيين العاديين، ولعلَّ المثال الأبرز على ذلك نموذج المرشح "الجمهوري"، نيوت جينجريتش، الذي قال بأن الفقراء لا يعرفون كيف يعملون بجد دون أن يكون له أدنى معرفة بأم عاملة تضطر لامتهان أكثر من وظيفة لسد الرمق، كما أن أغلب نقاشنا العام حول الوضع الاقتصادي المزري ينصب على الوعظ غير المفيد.
فتارة نسمع بأن الأميركيين الذين يعانون من البطالة هم كسالى، وتارة أخرى نفاجأ بمن يقول إن الفقراء لا يطورون أنفسهم، أو أن الذين يطالبون بالمساواة تحركهم مشاعر الحسد تجاه الأغنياء، لكن الأخطر من هذه التهم الأفكار والتصورات الاقتصادية السائدة في واشنطن والتي كانت سبباً رئيسياً في تكريس الاختلالات الحالية.
ويمكن في هذا السياق الإشارة مثلاً إلى الفكرة القائلة بأن رفع الضرائب على الأغنياء، حتى بنسب معتدلة من أجل الحد من العجز في الموازنة، سيخنق الاقتصاد، ولتوضيح هذه الفكرة التي لا تبدو منطقية يجادل "الجمهوريون" بأنهم يدافعون على الأغنياء، لأنهم يخلقون الوظائف، والحال أن من يساهم في توفير الوظائف هم المستهلكون الأميركيون وليس الأغنياء، فنحن نوفر الوظائف من خلال استمرار طلبنا على السلع والخدمات التي لا يمكن شراؤها بدون دخل.
لذا يمكن تلخيص السياسة الاقتصادية التي نحتاجها اليوم لتقليل الفوارق ومعالجة الأزمة في جملة واحدة ألا وهي: خلق فرص عمل للأميركيين، فرغم ما يتميز به الأميركيون من صبر وإقبال على العمل واجتهاد في إتمام المهام ما زال القطاع الخاص غير قادر على توفير الوظائف بالأعداد الكافية.
هذا في الوقت الذي تقلصت فيه قدرة القطاع العام على التوظيف بسبب تراجع المداخيل ومقاومة التيار المحافظ في الحزب "الجمهوري"، فما نحتاجه اليوم للخروج من عنق الزجاجة هو زيادة الإنفاق الفيدرالي على مشاريع البنية التحتية وباقي المشاريع الاستثمارية التي يسخر منها المحافظون، لا سيما وأن كلفة الإقراض "الفيدرالي"، وصلت إلى أدنى مستوى لها منذ سنوات. كما أن العجز الذي يتذرع به البعض لرفض الإنفاق هو في الأصل صنيعة سياسة خفض الضرائب التي انتهجتها إدارة بوش وحروبها المكلفة.
لكن بالإضافة إلى الإنفاق الفيدرالي علينا أيضاً تدريب قواتنا العاملة، بحيث يحتاج اليوم العمال الناجحون أكثر من أي وقت مضى إلى اكتساب مهارات متقدمة في الرياضيات والعلوم والهندسة والتكنولوجيا، وهو ما يحيلنا إلى بعض الجوانب التي يتعين على الكونجرس في 2012 التركيز عليها مثل تخفيف ديون الدراسة على الطلبة وتحفيزهم لولوج تخصصات العلوم والرياضيات، وتشجيع الشركات المبتدئة على الاستثمار في ميادين التكنولوجيا، وفي الوقت نفسه نحتاج إلى إصلاح النظام الضريبي المعمول به حالياً في الولايات المتحدة وسد جميع الثغرات من خلال رفع نسبة الضرائب المفروضة على الأغنياء، فالمسألة هنا ليست التنديد بالأغنياء ما دام النظام الرأسمالي ينطوي على الفوارق، لكن المطلوب في 2012 استعادة الفرص لعدد أكبر من الأميركيين حتى تستفيد شرائح أوسع في المجتمع من حصتها في الثروة الوطنية.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«إم. سي. تي. إنترناشونال»

اقرأ أيضا