الاتحاد

الملحق الثقافي

عصر مصارع الامبراطوريات

''ابن خلدون: البحر المتوسط في القرن الرابع عشر ـ قيام وسقوط امبراطوريات'' هو عنوان الكتاب الذي أرادت مدينة اشبيلية التي احتضنت أسلاف العالم العربي ابن خلدون أن تحيي من خلاله ذكرى مرور ستة قرون على وفاته، وصدر في طبعة باللغة الانجليزية في صيف 2006 حررتها ''ماريا خيوس مولينز'' لتوزع على حضور معرض فني أقيم في القصر الملكي بأشبيلية بهذه المناسبة، وفي 2007 أصدرت مكتبة الاسكندرية بالتعاون مع هيئات عربية وإسبانية الطبعة العربية من هذا السفر الكبير الذي يحتوي على 465 صفحة من القطع الكبير وزود بعدد كبير من الصور لاسيما تلك اللوحات التي رسمها أوروبيون في العصور الوسطى لمدن البحر المتوسط فضلاً عن الخرائط الجغرافية·
العصر العصيب
ويفصح الإسباني'' خيرونيمو بايز لوبيز'' في بحثه الافتتاحي عن ابن خلدون وعصره قيام وسقوط امبراطوريات عن أن القرن الرابع عشر كان عصيباً للجنس البشري إذ ابتليت فيه البشرية بالكارثة تلو الأخرى وبات القوم هنا وهناك لا يدرون ما يخبئه الغد لهم· فإلى جانب الطاعون أو الوباء الأسود الذي ضرب العالم شهد الشرق الإسلامي زحف المغول المدمر في القرنين 12 و13 اجتاحت الحملة الصليبية الرابعة القسطنطينية وسقطت بعد ذلك بأيدي العثمانيين وشهد القرن الرابع عشر نشأة وتمكن الامبراطورية التي أسسها تيمورلنك وفي أوروبا نجحت حركة الاسترداد المسيحية في حصر الوجود الإسلامي داخل مملكة غرناطة· أما تقسيم الأبحاث القيمة التي احتواها الكتاب فقد اشتمل على سبعة عناوين رئيسية تحت كل عنوان منها عدد من الدراسات التي تغذي مضمون العنوان الرئيسي لكل قسم·
ففي القسم الأول ''القرن الرابع عشر - الزمان والمكان'' نجد ثلاث دراسات، اولها للدكتور عبدالسلام شدادي بجامعة محمد الخامس بالرباط وهي تحت عنوان ''عالم ابن خلدون'' وفيها يتحدث عن خاصيتي الكونية والعالمية في مؤلفات ابن خلدون معتبراً أن مقدمة ابن خلدون ونظرته إلى العمران البشري تأثرت بأصول الفلسفة الكونية مثلما تأثرت بالنظرة الإسلامية إلى المجتمع باعتباره مؤلفاً من أمم مختلفة بلغاتها وتقاليدها· وكتب اميليو سول ''جامعة قلعة عبدالسلام بمدريد'' عن البحر المتوسط - المركز الحيوي للقرن الرابع عشر موضحاً دور جمهوريتي البندقية وجنوة والامبراطورية الرومانية المقدسة في الجانب الأوروبي ودور المماليك والعثمانيين في حماية الازدهار التجاري لحوض البحر المتوسط·
أما ماريا خيوس مولينز ''جامعة كومبليتنزي ـ مدريد'' فقد ضمنت بحثهاالرائع ''ابن خدون يحدد الطريق إلى المحيط الأطلسي'' معلومات مهمة أوردها ابن خلدون في مقدمته عن جهود استكشاف المحيط الأطلسي وعن أحوال جزر الكناري ''الجزر الخالدة'' التي حمل بعض أهلها أسرى بواسطة سفن من جنوة وقد سلم بعض هؤلاء إلى السلطان المريني في سبتة حيث تعلموا العربية ثم أفصحوا عن أحوال بلادهم البدائية وفقدانهم للحديد وقيامهم بحرث أراضيهم بواسطة الماعز وقتالهم بالحجارة وعبادتهم للشمس والسجود لها· ولاحظت ''ماريا'' أن ابن خلدون أورد هذه المعلومات المبكرة عن جزر الكناري على سبيل الاختصار في مقدمته مع إشارة دقيقة للخرائط التي كانت سفن الملاحة تستخدمها لمراعاة اتجاهات الرياح في المحيط الأطلسي·
أحوال الدول
ويضم القسم الثاني ''أحوال الدول'' ثماني دراسات عن أحوال الدول الرئيسة في القرن 14 م بما في ذلك الدول الحديثة في أوروبا وأحوال دول مثل دولة بني نصر بغرناطة وبني مرين في المغرب والدولة الزيانية في تلمسان والحفصية بتونس والمماليك بمصر والشام ومملكة لوزينيان الفرنسية بقبرص والامبراطوريات الآسيوية ثم مملكة مالي الافريقية ومن أهم مقالات هذا القسم تلك التي كتبها د· عبدالواحد أقمير'' جامعة محمد الخامس بالرباط'' عن مملكة مالي في القرن الرابع عشر وفقاً لابن خلدون ومعاصريه· أما القسم الثالث ''الحروب والدبلوماسية والتوسع'' فقد احتوى على تسع دراسات عن الصراعات التي اجتاحت عالم القرن الرابع عشر وما رافقها من حروب ومفاوضات فبالإضافة إلى أبحاث عن حرب المئة عام في أوروبا وحروب ممالك اراغون وقطالونيا والاتراك والمغول وسفارة انريكي الثالث ملك قشتالة إلى تيمورلنك هناك أيضاً أبحاث عن مملكة غرناطة وحروبها والأسلحة المحمولة والنارية بالأندلس ولقاء ابن خلدون بكل من تيمورلنك في دمشق وبيدرو الأول ملك قشتالة في اشبيلية· وقد ناقش الفرنسي جان بيير مولينا مغزى لقاء ابن خلدون مع الملك القشتالي على ضوء ما كان شائعاً في أوروبا من تعاطف بيدور الأول مع مسلمي غرناطة إذ عرض على ابن خلدون أن يرد عليه ممتلكات أجداده في اشبيلية والتي أصبحت تخص أحد نبلاء قشتالة وبذلك يتمكن هذا العالم المسلم من الإقامة في أملاكه لكن ابن خلدون رفض هذا العرض·
التجارة والتجار
وجاء القسم الرابع ليضم ثماني دراسات عن ''التجار والطرق والبضائع'' منها ما كان عن المدن الرئيسية في تجارة العصور الوسطى والعلاقات البحرية والملاحية في حوض المتوسط والخرائط في أواخر العصور الوسطى والدورات الاقتصادية من الازدهار إلى الكساد ثم التعافي فضلاً عن دراسات عن الصناعات المتوسطية في القرن 14 م والدور الريادي لابن خلدون والعملات في كتاباته· ويعتبر الأسباني البرتو كانتو جارثيا أن ابن خلدون زود الراغبين في دراسة العملات بمعلومات مهمة في فترة حرجة من تاريخ التداول النقدي بحوض المتوسط·
واشار ابن خلدون أيضاً إلى استمرار الأقوام في البحث في مقابر الأقدمين بالشرق الإسلامي عن الذهب والمعادن الثمينة لتمويل دور السك باحتياجاتها من المعادن الرئيسية منتقداً هذا العمل لما يمثله من اعتداء على تراث الأمم الغابرة· واختص القسم الخامس بالحديث عن ''علم السكان ونهاية العالم والعلاج'' وبه سبع دراسات دارت عن وباء الطاعون الأسود والأوبئة الأخرى الفتاكة التي عصفت بالعالم في القرن 14 م ودور الأطروحات الطبية وأيضاً المستشفيات في مواجهة هذه الاوبئة· بينما أفرد القسم السادس لعشر دراسات عن حياة ابن خلدون ونشاطه السياسي والتعليمي ومؤلفاته وموقعها من تاريخ الفكر الإنساني وأبرز العلماء المعاصرين له في الشرق والغرب· واختتم الكتاب بفصل خاص عن إشبيلية مهد أسرة ابن خلدون وأحوالها في القرن 14 م عندما زارها ابن خلدون مبعوثاً من بلاط بني نصر بغرناطة·

اقرأ أيضا