الاتحاد

دنيا

الجماهير بين الكتاب والتلفزيون

دبي ـ محمد الحلواجي:
لو عدنا بذاكرتنا للوراء لأكثر من نصف قرن·· لوجدنا أن أول قناة تلفزيونية انطلقت من نيويورك لتدشن أول إرسال تليفزيوني في العالم عام 1939م·· وحينها كانت الصورة بمعايير اليوم بدائية وفي منتهى السطحية والسذاجة في المجتمع النيويوركي·· لكنّها في الدول الأخرى التي غزاها هذا الإرسال فيما بعد كان أسطورياً ويشبه السحر الذي يوازي الآن سحر الانترنت الذي سيبدو هو الآخر بدائيا·· عندما نتخيل ما سيكون عليه التواصلُ عن بُعْدٍ ·· بعد عشرين سنة من الآن·
لقد بدأ التلفزيون فقيراً من حيث التجهيزات الالكترونية،لكنه كان يُثير ذهول من يتحلقون حوله كباراً وصغاراً وقد حافظ على هذا السحر حتى اليوم·· ولنتخيل حال المرء فيما لو سكن في مكان خالٍ من التلفزيون· ومن جانب آخر كان التلفزيون محور اعتراضات ومناقشات الكثير من المتزمتين المحافظين الذين استغلوا الحجج الأخلاقية لإثارة زوبعة حول هذا الضيف الذي خُيِّلَ إليهم أنّه سيقود المجتمع إلى الانحلال الاجتماعي والأخلاقي، إلى أن امتد به الوقت فأصبح جزءاً من التركيبة الاجتماعية في مختلف أقطار العالم وليقفز بعد سنوات قليلة ليتحول إلى حاجة يومية ملّحة في النسيج الاجتماعي··ليأتي فيما بعد اللون والفيديو والستالايت وأطباق الالتقاط التي غزت أسقف البيوت كالفطر·· وليأتي بعد ذلك الكومبيوتر والأقمار الاصطناعية وتتشابك خطوط التلفزيون بالانترنيت، لتجعل جميع هذه الأجهزة الذكية من العالم بناية إلكترونية عملاقة·· هذه باختصار مراحل قصة التلفزيون المرشح ليكون في الغد بأرشيفه الضخم ذاكرة العالم الحيّة·
التلفزيون المتربع على القمّة
مؤسسة (I FOP ) الفرنسية أجرت استبياناً مهما للرأي ·· بيّن أن الاثني عشر اختراعا أو إنجازا الأكثر تأثيرا في حياة الناس في القرن العشرين كان:
التلفزيون / الحاسوب / حبوب منع الحمل / الماسح الضوئي الطبي'الاسكانر'/ البنسلين/ الثلاجة/ بطاقة الصراف الآلي/ القطار السريع/ وأخيرا الليزر·أما فيما يتعلق بأهم الاختراعات في مجال التسلية والترفيه فقد أبدى نحو 80% من المشتركين في الاستبيان تفضيلهم للتلفزيون مقابل 10% لكتاب الجيب· أما الكتاب الثقافي والعلمي فلم يرد ذكره على لسان أحد مطلقا!· في حين رأى 65% من المشاركين أيضا تفضيلهم لبطاقة الصراف الآلي مقابل 31% لقلم الحبر الجاف· وفي مجال الحياة المهنية·· أعطى المشاركون في الاستبيان 72% للكومبيوتر، مقابل 11% للناسخة أو آلة تصوير الوثائق·
وقد لوحظ أن الرجال كانوا أكثر تفضيلا للمبتكرات التكنولوجية مثل الطائرة النفاثة أو مكوك الفضاء،بينما تبدي النساء اهتماما أكبر بالاختراعات التي تمس الحياة اليومية والصحة··كما أن البعض يعتبرالاختراعات أصبحت تعدّ أمرا مسلما به ففقدت بريقها خاصة مع الأجيال الجديدة التي ترعرت وسط التطور التقني الهائل كالشباب الذين لا يعطون بعض الاختراعات القديمة نسبيا قدرها· ومن خلال الاستبيان نستطيع أيضا أن نستنتج وبسرعة أن خمسة من بين أهم اثني عشر اختراعا كانت في مجال الطب، مما يعني أن الناس ينظرون للاختراعات بتقدير واهتمام أكبر حين يكون لها دور في حياتهم اليومية أو في حماية صحتهم ، فبالنسبة للإنسان العادي لابد وأن تكون الثلاجة المنزلية أهم من مكوك الفضاء·
ترجيح كفّة الاستهلاك
لقد كان الاستبيان يمس الجمهور الفرنسي الذي نعرف عنه كعرب أنه من أكثر شعوب العالم قراءة وثقافة وانفتاحا على الآداب الشرقية بدرجة تفوق اهتمام أي من الشعوب الأوروبية الأخرى، ومع ذلك غاب الكتاب عن دائرة اهتمام الفرنسيين وطغى عليهم الطابع الاستهلاكي على الرغم من التقدم التكنولوجي والعلمي الكبير في فرنسا·· ولو أجري مثل هذا الاستبيان في أي بلد أو قطر عربي لرأينا ربّما·· النَوّاحةُ وهم يلطمون في كلّ مكان متحسرين على الهوّية الثقافية وانحسار المدّ الثقافي·· بل ربما نجدهم يتصايحون محذرين من الغزو الثقافي الغربي الذي أدى من وجهة نظرهم إلى نتائج كهذه·· بعد أن كان الكتاب العربي خير جليس في زمان الدنيا كلّها·
تكوين الجمهور العام
وعلى الرغم من أن هذه النتيجة جاءت في أرض فرنسا وتم استقبالها بشكل موضوعي، ولو فتح المرء المجلات الفرنسية الصادرة في السنوات الأخيرة لوجد كتابا ومثقفين ومفكرين فرنسيين يدعون إلى توجه جديد في الشارع الثقافي الفرنسي يطلقون عليه 'الاتجاه لتكوين الجمهور العريض' ويتلخص هذا الاتجاه في محاولته بصدق لتعميم العلم والثقافة والتكنولوجيا والمعرفة والفلسفة إلى أعرض شريحة ممكنة من الجمهور·
ولكن ما الذي نجد إذا تصفحنا المجلات والدوريات العربية المحكمة؟ سنجد مفاهيم لا ترى في تميز المثقفين والعلماء العرب إلا 'نخبوية'! ونضع علامة تعجب وراء كلمة نخبوية لأنها تستخدم كحكم قيمة في تصنيفات وتصفيات لا أول لها ولا آخر،وكأن النخبوية تهمة أو ضرب من الصفات التي تستدعي التوبيخ والشتائم! وليس أدل على ذلك من المترادفات اللغوية الشائعة في شوارع الثقافة والإعلام العربي خلف مفردة 'النخبوية والنخبة' عبر عناوين نلاحظها باستمرار من مثل 'سقوط أقنعة النخبة' أو 'عزلة الأدب النخبوي' أو حتى 'فضح أوهام النخبة'!
الفلسفة للجميع
إن ظاهرة النخبة والنخب موجودة في كل المجتمعات، لكنها لا تجد طريقها إلى العزلة والموت والتصفية بمختلف أشكالها في العالم العربي· وإنما تجد هاجسا يبعثُ فيها الحياة بدافع الوصول للجمهور العريض· ولننظر إلى الفيلسوف الفرنسي كأحد القلائل الذين نجحوا في تقريب حقل شائك مثل الفلسفة الحديثة إلى الجمهور العريض وخاصة حين عرض كتابه ( الإنسان - الإله - ومعنى الحياة) وهو الكتاب الذي ترجم إلى خمس عشرة لغة ولم يبق عالقاً في 'أوهام النخبة'·
وإذا عدنا للتلفزيون سنجد أن من الطبيعي أن يتربع على عرش جميع الاختراعات البشرية لسهولة دخوله إلى كل بيت في العالم·· وهو في النهاية ليس سوى أداة للتواصل عن بُعد·· ستكون عظيمة الفائدة إن أُحسن استخدامها، وستكون أداة مدمرة وهدامة إن أسيء استخدامها·· فعلى الرغم من كل ما نقرؤه في مختلف الوسائط والمطبوعات حول تردي الفضائيات العربية نحو أقصى درجات الحضيض والإسفاف، إلا أن النماذج المشرقة استطاعت فرض حضورها على هذه الساحة أيضا كقناة 'اقرأ' التي حصلت أكبر نسبة مشاهدة من خلال أحد الاستفتاءات أو قنوات 'النيل' التعليمية أو 'الرابعة' وهي القناة التعليمية المغربية التي انطلقت منذ أيام قلائل· فهل حان الوقت للكفّ عن التعامل مع التلفزيون كعدو تقليدي للكتاب أو جهاز فتّاك ومدمر للأخلاق؟

اقرأ أيضا