الملحق الثقافي

الاتحاد

ألبرتو مانغويل يكيل المدائح للكائنات والمعاني في كتاب فريد

باريس - لنعترف، من البداية، بأن كل كتب الأرجنتيني ألبرتو مانغويل (المقيم ما بين فرنسا وكندا) شيقة وتثير المتعة البالغة· والقراء في العالم بأسره عرفوه من خلال كتب بالغة الفائدة والمتعة والتي تعبر عن موسوعية وعن تبحر في الثقافة لا يضاهى· القارئ العربي أيضا قرأه من خلال العديد من الكتب المترجمة ومن بينها ''تاريخ القراءة'' و''المكتبة ليلا'' وغيرها من المقالات المترجمة أيضا· وليس عبثاً أن ينال هذه الشهرة فقد بدأ حياته الأدبية قارئا لعملاق الأدب الأرجنتيني والعالمي خورخي لويس بورخيس، وأثمرت العلاقة عن كتب جميلة بالإضافة إلى حضور بورخيس الدائم في مخيال هذا الكاتب الذي يستعيده باستمرار· ومن بين الكتب التي تحكي عن هذه الرفقة الاستثنائية كتيب ''برفقة بورخيس''···
وقد عاد الكاتب مانغويل ليمتعنا بكتاب جميل يحمل عنوان ''كتاب المدائح''، ويتضمن 14 مديحا: (مديح الكتاب المقدس، مديح كتاب الجيب، مديح بائع الكتب، مديح معرض الكتاب، مديح الفظاعة، مديح حكايات الأطفال، مديح اللذة، مديح الهدية، مديح اللغة الاسبانية، مديح الحيوانات، مديح المستحيل، مديح التجديف، مديح فرنسا، مديح طيور الدودو) وكان التقديم من ريشة الكاتب والروائي الإسباني إنريكي فيلا ماتاس، الذي اختار عنوانا مستفزّا، على طريقته، وهو مديح ألبرتو مانغويل·
في تقديم ماتاس ''مديح ألبرتو مانغويل'' نقرأ: ''أبتدئ تقديمي للكتاب وأنا تحت تأثير بعض فقرات كتاب ''تاريخ القراءة''، أحد كتب مانغويل الأكثر شهرة، حيث يقول فيه بأن القراءة يمكنها أن تكون نشاطا لا نهاية له''· ويضيف ماتاس: ''أبدأ هذا التقديم بالإحساس بأنه يتوجب أن تكون هذه الصفحة غائبة، وهو إحساس يترافق مع الفكرة الكافكاوية التي تقول بأنه لا يوجد كِتابٌ يمكنه أن يعوّض العالَم، ولكن هذا الكتاب ''كتاب المدائح'' يستحق أن يستولي بحدة على اهتمام القارئ، من نهاية هذا التقديم حتى نهاية الكتاب· ليس قبل· أما قبل هذا فمن اللائق، علينا أن نقرأ هذا التقديم، بلا اهتمام، والاحتفاظ بالأمل بالوصول قريبا إلى الصفحة التي سنجد فيها أولى المدائح التي يكرسها مانغويل لمختلف أنشطة هذا العالَم، التي تعتبر القراءةُ من بين أكثرها أهمية·''
''ومما زاد من انذهالي أنني قرأت مخطوط هذا الكتاب أثناء سفري من برشلونة إلى ''بال'' Bâle. ومثلما هو ديدني كلما زرتُ مدينة بال، فإني أتوجه لزيارة ضريح ''إيرازم'' Erasme الذي كتب ''مديح الجنون''·
''كتاب المدائح'' يتحرك ما بين التخييل والدراسة وهو يَدينُ، ربما، بعنوانه السعيد إلى عنوان كتاب شعري نشره، سنة ،1908 تحت نفس العنوان، كاتب أرجنتيني مثير للدهشة، هو إنريكي بانشس Enrique Banchَّ، الذي ألّف أربعة أو خمسة كتب شعرية أثارت ذهول بورخيس، الذي خصّها بمديح كبير، خصوصا كتاب ''أورنا'' Urna وهو كتاب يقترب من الكمال ونشر سنة 1911 واستحقّ اهتماما حماسيا من بورخيس، الذي كان يجهل وقتها، على الرغم أو ربما بسبب هذه المدائح، أن مؤلِّفَه ظلّ حيا خمسين سنة من دون أن يكتب بعده أيَّ كتاب آخر·''يعترف ماتاس بقربه من كتابة مانغويل وانحيازه لجمالها فيضيف: ''أعشق، كثيرا، كتابة مانغويل، لأنه ليس واحدا من هؤلاء الكتاب الذين يتتبعون الطريق المستقيم لأنهم يعرفون المكان الذي يقصدونه، بل لأنه يعتبر واحدا من هذه العائلة من الكتاب الذين يتعاملون مع النصوص كما لو أنها رحلات ضالة حيث يتيهُ المؤلِّفُ ولا يعرف أين يذهب، إنّ قدرة ألبرتو مانغويل على الإدهاش وعلى توفير المتعة واللذة لا حدود لها، وهي تقترب من أستاذه بورخيس، بشكل كبير· يكتب في ''مديح اللذة'': ''إن مكتبتي هي نوعٌ من السيرة الذاتية (الأوتوبيوغرافيا)· في تكاثر الرفوف، يوجد كٍتاب لكل لحظة من حياتي، لكل صداقة، لكل خيبة أمل، لكل تغيّر· إنها تطبع سنواتي مثل هذه الحجارة البيضاء التي تضع المعالم في طريق المسافر''· ويضيف: ''متعتي للقراءة قديمة جدا· لقد غصت، وأنا صغير، في الحكايات والأساطير والمغامرات''· الكتابة لا تقدّم العزاء: ''لكنها في المقابل، وبشكل غامض، يمكن أن تكون مرآة· في بيت شعري للشاعر الإسباني بلاس دي أوتيرّو أو في فقرة من دون كيخوته، في كلمات أقل بهاء لأميليو سانغاري أو كونان دويل، ثمة شيءٌ ما ـ صورة، موسيقى، فكرة ـ يمكنها أن تمثل بالنسبة للقارئ ترجمةَ إحساسٍ معين، لِحَدْسٍ ما أو لفكرةٍ ما· إن عودة عوليس أو موت الإله ميليبي أو استشهاد القديس مانويل لوبون المثير للدهشة، (···) هي بعض الصفحات التي عثرتُ فيها، لمرات عديدة، على انعكاس تجربتي· كتبت الشاعرة الأرجنتينية ماريا إلينا والش: ''إذا ما فقدتَ الأمل يوما ما/ صمتٌ كبيرٌ، هذا الصمتُ هو صمتي· تكفيني قراءة هذه الكلمات حتى لا أشعر بعزلتي''

اقرأ أيضا